محمّد عابد الجابري والقول في التراث

بقلم علي المخلبي

“القول في الماضي” يحتمل حضورا. هو حضور قطبين يقف كل واحد منهما أمام الآخر، وهذان القطبان هما الذات والموضوع (القارئ والمقروء) وهذا الحضور يولد النص المقروء سواء كان هذا المولود النص-الموضوع من حيث شد الانتباه إليه، وإخراجه إلى «النور»، أي من حيث تحويل «غيابه» إلى حضور مخصوص مشروط بأسس القراءة وكيفيتها، أو النص الذي أنتجه القارئ (الذات). وهذا التوليد يتم عبر فعل هو فعل الذات في الموضوع من ناحية وفعل الموضوع في الذات من ناحية أخرى. هنالك إذن في عبارة “القول في الماضي” أربعة عناصر لا تتحقق العبارة إلاّ بحضورها وهي: الذات والموضوع والفعل والإنتاج. ولكن يلزم التنبيه هنا أن هذه العناصر ليست مجموعة جزر منفصلة وإنما هي “غرف قصر”، إن جاز التعبير تؤدي كل واحدة منها إلى الأخرى فحضور الذات يتم عبر الفعل في، بقصد، والموضوع يحضر هو أيضا عبر الفعل، أمّا الإنتاج فهو إنتاج الذات وبقدر ما يكون هذا الإنتاج نتيجة للذات وفعلها فهو بدرجة ما شكل من أشكال الموضوع المحتملة فالإنتاج إذن يتراوح بين نتيجة/شكل ويؤطر هذا التراوح سمة خاصة تشترك فيها الذات مع الموضوع هي سمة الحضور. إن الحديث ضمن ثنائية ذات/موضوع التي تستلزمها عبارة “القول في الماضي” يتأطر ضمن فلسفة الحضور هذا الفعل المتعالي على فعل “القول في” ذاته. لنترك هذه العناصر الأولية إلى حين، ولنتجه إلى ما يسبقها أي إلى ما يعطيها شرعية الوجود وأسسه. واضح أن هذا التوجه ينطلق من “القول في” ليرتدّ إلى لحظته الأولى اللحظة التي يقدمها لنا على أنه بدأ منها وعلى أنه يدين لها بوجوده، فهي أساسه. سنحاول إذن أن نستخرج هذه اللحظة من ثنايا لغة القول قاصدين المجال الذي يبدو فيه الخطاب حريصا على تناسقه وانسجامه وعلى بيان تماسكه ونظامه. واستخراج هذه اللحظة هام بالنسبة إلينا لأنه يوفر لنا إمكانية رد الخطاب ذاته إلى أسسه وإقامة حوار بين البناء وأساسه، بين النص وهوامشه أو حواشيه.

والسؤال الذي يفتح لنا طريق الرجوع إلى هذه اللحظة هو بأي معنى نتحدث عن التأسيس؟ ذلك أن “التأسيس” بقدر ما يوحي بالعودة إلى لحظة الخطاب الأولى عبر النظر في الخطوات التي قطعها الخطاب، بقدر ما يوحي كذلك بأننا سنتحدث عن خطاب كامل، هو خطاب ما وراء الخطاب ذاته أي ذلك الخطاب الذي يتساءل عن نفسه، وربما يحاكمها ويقرؤها. فالحديث عن “التأسيس” هو حديث عن المجال الذي تعود فيه الذات إلى نفسها مبتعدة شيئا فشيئا عن “الماضي” دون أن تخرج، رغم ذلك، عن مهمتها وهي “القول في الماضي” ذلك أن العودة إلى الذات تكون من أجل القول ممّا يجعل الذات في عودتها إلى نفسها، تتعالى على نفسها وعلى فعلها وموضوعها، فهذه العودة (هذه المحاكمة والمساءلة) تأتي من أجل تأكيد الحضور لا من أجل التشكيك فيه، إنها تأتي من أجل الخطاب الذي قطعت فيه شوطا لا ضده ولذلك فسمة تعالي الذات في هذه العودة من سمة الذات نفسها. إن التأسيس حديث عمّا قبل الخطاب من أجل الخطاب. لنر ذلك عن قرب.

1-       شرعية التوجه إلى الماضي

موطن الاهتمام هنا: كيف يقدم الجابري الجهد الذي يقوم به؟ ما الذي يدفعه؟ كيف يتصور إشكاليته التي يشدد على أنها إشكالية الفكر العربي الحديث والمعاصر وهي إشكالية الأصالة والمعاصرة؟ في أي مستوى من مستويات النظر يفكر في هذه الإشكالية؟

يتداخل في هذه الأسئلة الدافع والعمل والغاية وهذا التداخل مقصود لأن جهد الجابري يقوم عليه، فالعمل من أجل غاية خاصة، يكشفها العمل ذاته في أثناء تقدمه وتشكله. وليست هذه الغاية معزولة عن دافعها وعن منهجها ذاته. وإذا كانت الغاية، في تحديد عام، هي استئناف الحياة في مجاري العقل العربي فإن دافع البحث ومنهجه قد ساهم في بلورتها “عمليا” وهي “تدشين عصر تدوين جديد”واستعادة روح المرحلة الحزمية-الرشدية مرحلة الحركة الفلسفية والعلمية في المغرب والأندلس[1] ومن ثم فالحديث عن اللحظة الأولى للخطاب هو حديث وهمي إذا لم يضع في اعتباره ظاهرة التداخل التي يعيشها الخطاب بين دوافعه ومنطوقه وغاياته وفي صميم هذا التداخل يجب أن نبحث عن الأسس وعن الشرعية التي بنى عليها الجابري “مشروع نقد العقل العربي”.

يؤطر الجابري عمله ضمن وظيفة المفكر الذي يجد نفسه في واقع تكبله “الكآبة” من كل جانب فيسعى إلى فهمها ومحاولة اقتراح حل للخروج منها، فعمله في”نحن والتراث” وفي “نقد العقل العربي” محكوم بموقف سابق يخص الواقع الذي يعيشه وهو واقع يهيمن عليه التخلف الذي تتجلى مظاهره في حالة التنافر الدائمة بين النموّ الديموغرافي والمصادر الاقتصادية الضئيلة (؟) كما تتجلى في اكتساح الأمية والتقليد السطحي للغرب.[2] وواضح أن هذا الموقف لا ميزة خاصة به، بل هو استعادة لآراء مفكري الفكر العربي الحديث والمعاصر وللمهام التي كانت المرحلة الناصرية المشبعة بالواقع المصري قد حددتها لحركة التحرر والتقدم العربيين[3]، ولذلك فإن الحل الذي سينتجه هذا الموقف لن تكون له ميزة خاصة إلاّ من زاوية واحدة هي الزاوية التي يتمفصل فيها شقا وظيفة المفكر (أو المثقف) في التصور الماركسي (وغرامشي أساسا) وهما الوعي والفعل فالخطوة الأولى للخروج من التخلف هي “الوعي بالتخلف” والعمل على تعميق الوعي به، وهذا يعني “دفعه وتوجيهه ليتحول إلى فعل” وذلك عبر شرح أسباب التخلف الحقيقية وعوامله الفاعلة والتجنيد الكامل لإزالتها والقضاء عليها.[4] إن هذا الموقف وهذا الحل يرتكزان على تجربة عاشها الجابري نفسه في رحلة تعلمه من المغرب إلى الشرق إلى الغرب، وهي تجربة مفعمة بهواجس المرحلة وروحها تجربة تقوم على صعيد الخطاب على مقطعين أساسيين هما الوصف والواجب دون بيان دقيق للكيفية التي يتحقق فيها المطلوب.

غير أن الجابري سيبدأ سريعا بتجاوز مرحلة الشباب بحماسها وخطابتها فيزداد بذلك موقفه وضوحا، وهذا الوضوح يتمثل في سعيه إلى تفكيك مكونات الواقع التي يحصرها في ثلاثة أنواع:

  -1″واقع الحضارة الغربية… حضارة ميزتها العقلانية في التفكير والتنظيم والعمل”

  -2و”‘واقع جامد’ وهو واقعنا الذي يكبل انطلاقتنا ويكرس الاستسلام والتواكل”.

  -3ثم “‘واقع’ تراثي عربي إسلامي يذكر بذلك الماضي المجيد الذي عاشه الأجداد في القرون الوسطى والذي يغري بالرجوع إليه والتماس الحلول منه”[5]

ورغم أن هذا المقطع الوصفي للواقع جاء متداخلا مع المقطع الذي يقوم على فكرة الواجب إلاّ أننا نعتبره خطوة جديدة في مسار التشريع لعمل الجابري اللاحق، فهو خطوة ممّا قبل الخطاب نحو الخطاب ذاته، وهذه الخطوة قامت على تفكيك المكونات التي يتقوم بها الواقع العربي المعاصر من ناحية وقامت من ناحية أخرى وبحركة عكسية ببيان الزوايا الحاضرة والمؤثرة في خطاب الجابري وهذه الزوايا هي “الغرب” و”الحاضر” و”الماضي” فتحديد مكونات الواقع جاء عن طريق تفحص مكونات العقل المحدِّدِ لموضوعه. بل إن تحديد مكونات الواقع جاء كذلك عن طريق تحديد ضبابي لمعالم أزمة الواقع التي تتمثل في اختلال توازن العلاقات بين أنواع الواقع العربي الحاضرة المتعايشة. يمكن أن نجد في رحلة تعلم الجابري وفي وعيه بالواقع العربي المعاصر وبثقافته العربية-الغربية بعض معالم مكونات التفكير عنده، هذه المعالم التي يمكنها أن تفسر اهتماماته وكتاباته في فروع مختلفة.[6] فكتابات الجابري تنحصر كلها دون استثناء في فضاء مكونات الواقع ذاته إذ اهتماماته تنحصر:

  • في عقلانية الحضارة الغربية وهو ما دفعه إلى الحقل الابستيمولوجي فخصص له “مدخلا إلى فلسفة العلوم” في جزأين أولهما للرياضيات وثانيهما للفيزياء
  • وفي دراسة الواقع العربي المعاصر ويظهر ذلك في باكورة إنتاجه وهي كتابه “من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية” وفي مقالات متفرقة نذكر منها دراسته حول “الحركة السلفية في المغرب” وإشكاليات الفكر العربي المعاصر” و”المغرب” و”الخطاب العربي المعاصر”…
  • وفي دراسة التراث العربي الإسلامي التي نجدها، إضافة إلى كتابه “نحن والتراث” ومشروع نقد العقل العربي، في دراسات متفرقة إحداها حول “السينوية أصولها وفصولها” دون أن ننسى كتابه الهام حول ابن خلدون “العصبية والدولة”…

هذه الاهتمامات هي التي حددت مكونات الواقع وتحددت في نفس الوقت عبر علاقتها بها، ولذلك لا يمكن أن نبحث عن العلاقة بين هذه الاهتمامات من خارج البحث عن العلاقة بين مكونات الواقع الراهن وهذا البحث الأخير يقفز بنا مباشرة إلى إشكالية الجابري الرئيسية، والتي يحددها باعتبارها كذلك، وهي إشكالية الأصالة والمعاصرة.

هذا “التماثل البنيوي” بين مكونات الواقع واهتمامات المفكر يقودنا في البداية إلى إشكال متجدد يخص نوع العلاقة التي تقوم بين الواقع والفكر فهل يعني هذا التماثل أن المفكر يعيد إنتاج واقعه، ويستنسخه، ويحضره، ويقدمه، ويقف أمامه؟ أم أن هذا الواقع من صنع المفكر، ووجه من وجوهه، وفكرة من أفكاره؟ أي هل يمكننا أن نتقدم بهذا التماثل البنيوي من تماثل بين مكونات واهتمامات إلى تماثل خاص بين واقع وفكر؟ هذه الأسئلة ستجد الإجابة عنها، من خلال الجابري دائما، في فصل لاحق. ولكننا هنا لن نتركها دون عناية لأنها توفر لنا إطارا لفهم تحول الجابري من وصف واقع إلى تحديد صارم لإشكاليته ذلك أن هذا التحول يحصل من خلال النظر في العلاقة القائمة بين أطراف الواقع من ناحية وفي العلاقة الرابطة بين اهتمامات المفكر من ناحية ثانية ثم في العلاقة القائمة بين المجالين من ناحية ثالثة.

مستويان يؤطران شبكة العلاقات بين المكونات والاهتمامات: المستوى الأول يخص الواقع وهو مستوى التاريخ، والمستوى الثاني يخص المفكر وهو التفكير والمستوى العام أي العلاقة العامة المؤطرة لشبكة العلاقات الخاصة هي العلاقة بين التفكير والتاريخ.

أطراف الواقع هي “الغرب” و”الحاضر” و”الماضي” ويحدد الجابري العلاقة بين هذه الأطراف من خلال تأكيد اختلال العلاقة ذاتها، فالحضارة الغربية “واقع” متعين خارج الواقع العربي ولكنها في نفس الوقت جزء منه وهي تدخله عبر فعلها فيه وضغطها عليه وتكبيله واستنزاف طاقته، فهي من هذه الوجهة “واقع معاصر” ولكن معاصرته تقع هناك في الأمام لأننا متخلفون عنه، فهي من هذه الزاوية، وبشكل ما، صورة عن المستقبل الذي يطمح إليه “الواقع المعيش”. ومن هنا فالحضارة الغربية واقع معاصر عبر لامعاصرته لنا ولامعاصرتنا له وهو واقع مستقبل لأنه بالذات حاضر أمامنا أي معاصر لنا. وهذا التعقيد في النظر وفي “الشعور” بالمفهوم الظاهراتي، الذي يقوم رابطا بين واقعنا والغرب هو الذي دفع الجابري إلى الإسراع بالتأكيد أن الواقع، الجامد والتراثي والغرب، ليس كائنا ميتافيزيقيا، وإنما هو “واقع” أي “حاضر” حي تجريبي.

غير أن هذا التأكيد لا يريحنا من التعقيد لأن الوضع الذي عليه الغرب بالنسبة إلى الذات بقدر ما يسعى إلى الحضور والهيمنة أي إلى أن يتحول إلى يقين بقدر ما تقوم الذات بحركة عاطفية بتأكيد ذاتها وتضخيمها وصبغ صفة الإطلاق على ذاكرتها، ومن داخل هذه الحركة: حركة الهيمنة من الآخر وحركة الارتداد من الذات إلى ذاتها تظهر المسلمة الأولى التي يوردها الجابري، تحت تأثير واضح من ابن خلدون، ليبرر انخراطه في إشكالية الأصالة والمعاصرة يقول الجابري: “عندما يطرح الحاضر نفسَه كمشكلة تأخذ بجماع وعي الإنسان ويستفز تفكيره، يكون الاتجاه إلى الماضي واللجوء إلى التاريخ شيئا طبيعيا”[7] لأن “الحوار بين الماضي والحاضر والمستقبل لا ينقطع في الفكر البشري”.[8] إن العلاقة بين الغرب من ناحية والحاضر والماضي من ناحية أخرى علاقة هيمنة مرفوضة وهذا الرفض هو الذي سيلوِّن بحدة العلاقة بين الحاضر والماضي. ذلك أن الحاضر الممزق من ناحية بفعل الهيمنة المفروضة-المرفوضة التي يقوم بها الواقع-المستقبل ممزق أيضا بفعل هيمنة يسعى إليها الماضي ويبقى موقف الحاضر منها مضطربا هذا الاضطراب الذي عبر عنه مالك بن نبي بعبارة “انتقام الأفكار المخذولة”.[9] إن العلاقة القائمة بين الحاضر والماضي تتحول بحكم نوع الحضور الذي يمارسه الغرب في الذات. فهي تارة علاقة ارتداد يبحث فيها الحاضر عن هويته فلا يجد مناصا من العودة ( من الفرار إلى، من الارتداد نحو) إلى الماضي وهي تارة أخرى علاقة تنافر (وتملص وقفز وفرار من) وفي الحالة الأولى ينظر إلى الغرب على أساس الخطر الذي يهدد به الذات وفي الحالة الثانية على أساس الأمل الذي يبشر به ومن هنا فالعلاقة القائمة بين الماضي والحاضر تتحدد حسب تحليل الموقف من الغرب ولذلك فتوجه الحاضر إلى الماضي، سواء قصد منه المحافظة عليه وتجديده، أو القطع معه ونفيه، يقوم على نتائج تحليل العلاقة بين الحاضر، حاضرنا، والغرب. وفي كلتا الحالتين يكون “المستقبل” بوابة الدخول إلى الحاضر والماضي.

نصل، من خلال هذه المسلمة إلى سؤال هام يطرح على خطاب الجابري: ما هي الرؤية الضمنية المؤطرة للعلاقة العامة بين هذه الأطراف الثلاثة؟ وأهمية السؤال تكمن في تساؤل ضمني قابع فيه يخص رؤية الجابري للتاريخ وحركته وهو تساؤل سيحدث حرجا في خطاب الجابري، هذا الحرج الذي يتغطى بسحب كثيفة وفرتها للجابري مفاهيم “المنهجية المعاصرة” وخاصة مفهوم “البنية” و”القطيعة” من ناحية وإشكالية الاتصال/الانفصال من ناحية أخرى.

تتحدد حركة التاريخ، من خلال هذه المسلمة، عن طريق قبول الغرب مستقبلا-معاصرا، وعن طريق الإقرار بأن الحاضر تتجاذبه قوى الماضي، الساكن هناك في الخلف والساعي إلى الهيمنة عبر بقاياه، وقوى المستقبل القابع هناك أمامنا، فحركة التاريخ تجد بدايتها في الماضي-المجد لتصل إلى الحاضر-الأزمة متجهة إلى المستقبل-الانفراج، ولذلك فهي تعيش في مسارها لحظات فصل ووصل باتجاه الأمام دائما إذ ينبغي أن نقطع مع التصور اللاعقلاني الحالم باستعادة الماضي-المجد وينبغي من ثم العمل على بناء المستقبل. وهو مستقبل مغاير للماضي وللحاضر بل إنه يُبْنَى من خلال القطع مع رواسب الماضي والحاضر. ومن هنا فحركة التاريخ حركة دائمة، متجهة إلى الأمام (قارن عبارات من قبيل: “يذكر” و”عاشه الأجداد” و”القرون الوسطى” و”يغري بالرجوع” … وكلها عبارات تقطع باستحالة وقوع العودة والارتداد في حركة التاريخ) إن هذا التصور لحركة التاريخ، وهو تصور القرن 17 والقرن 18الميلاديين، هو الذي سيكون حاضرا بقوة عندما سيتحدث الجابري عن استعادة لحظة ابن حزم-ابن خلدون.

وإذا كان المستقبل في علاقة أطراف الواقع فيما بينها هو المهيمن وهو البوابة فإن عقلانية الحضارة الغربية والمنهجية العلمية المعاصرة تعطي في مستوى التفكير “القواعد الذهبية” للعلم والبحث. ويبدو أن أهمية الغرب في واقعنا التاريخي تماثلها هيمنة “علومه”و”منهجيته” في “واقعنا المعرفي”، وبقدر ما تبدو الأولى مرفوضة، على المستوى المعلن عنه على الأقلّ، تبدو الثانية مقبولة بل مرغوبا فيها بل شرطا من شروط القول ذاته إلى درجة اعتبر فيها عبد الله العروي المفاهيم المعاصرة ضرورية لا يمكن أن نتنفس بدونها ممّا يربط حياتنا الفكرية والعلمية ربطا عضويا بهذه المفاهيم ويقصي من ثم “المفاهيم التراثية”،[10] وليس غريبا عندئذ أن نجد موقف الباحث يتغير بشكل يكاد يكون كليا من النقد الصارم القائم على استراتيجية القطع والتجاوز (مع التراث) إلى التعريف بمادة بحثه عندما يكون البحث خاصا بالمنهجية المعاصرة.[11] ومن هنا لن نجد عند الجابري، عندما أتيحت الفرصة لدراسته الفكر الغربي، تفحصا لمعضلة الموضوعية التي تحددت عنده على الشكل الذي يهيمن عليه علماء الطبيعة ساكتا دون تبرير عن الموقف الظاهري (الفينومينولوجي) ولن نجد عنده نقاشا لمسألة البنية بل تسليما بما أوجده الفكر الغربي المعاصر من حل لها بمعاضدة التحليل البنيوي بالتحليل التاريخي، لن نجد عند الجابري هذا ولن نجد غيره كل الذي نجده التزاما “بعرض المسائل دون التقيد بوجهة نظر معينة… فلا حاجة بالقارئ إذن إلى إضاعة الوقت في محاولة البحث عن وجهة نظر المؤلف، فلم يكن المؤلف يطمح إلى بناء وجهة نظر خاصة به، في موضوع هو من اختصاص العلماء المختصين، بل كل ما كان يطمح إليه هو أن يتمكن من عرض واضح، قليل الأخطاء، لهذا اللون من الدراسات والأبحاث”.[12] فلماذا يتغير موقف الباحث من النقيض إلى النقيض؟ هل الانبهار الذي رأيناه مع الطهطاوي، وشبلي وشميل، وسلامة موسى، وطه حسين، وزكي نجيب محمود هو الذي نراه مع محمد عابد الجابري؟ إن الأسئلة التي تصدرت “الخطاب العربي المعاصر” تنسحب على الجابري أيضا.[13]

وكما كان المستقبل هو المحدد للموقف من الحاضر والماضي في المستوى التاريخي فإن المستقبل أيضا، في مستوى التفكير، هو المحدد من حيث زاوية النظر وآلته في الحاضر والماضي. ووجه الاختلاف بين تحديد المستقبل للحاضر والماضي في مستوى التاريخ وتحديدهما في مستوى التفكير هو الاختلاف بين سلطة النموذج وسلطة المنهج وإذا كنا قادرين على مراقبة سلطة النموذج فإن سلطة المنهج تفلت في أحيان كثيرة عن المراقبة. وعندما تلتقي السلطتان في رحم خطاب واحد، وخطاب الجابري نموذجي في هذا المجال، لا بد أن ينصبّ الاهتمام كليا على الحاضر والماضي وسيكون هذا الاهتمام خاضعا للرغبة في التجاوز والقطع وللطموح في الاقتراب من النموذج، في التقرب إليه، في تقريب مكونات الذات من خصائص الآخر. ومن داخل هذا الفعل، فعل الاقتراب/التقرب، تطرح مسألة الأصالة والمعاصرة في أفق السلطة التي يمارسها المستقبل-النموذج هذا الطرح الذي سيشكل المسلمة الثانية التي تؤسس وتشرع للقول في الماضي والتي يمكن أن نراها في تحديد الجابري لمعنى كلمة “تراث”.

يقول الجابري: “إن التراث هو ما تراكم عبر التاريخ الفعلي للأمة العربية الإسلامية، هو مجموع أنواع الفهم الذي كونه المسلمون لأنفسهم عن عقيدتهم وواقعهم وتاريخهم”[14] وهذا التحديد لمعنى “التراث” مرتبط بتحديد آخر، يتوجه إلى الحاضر ويقوم همزة وصل بين المسلمة الأولى والمسلمة الثانية يقول الجابري أيضا: “حاضرنا بكل قضاياه ومعطياته… يشكل مزيجا فريدا أو مجمعا غريبا تتلاطم فيه بقايا أمواج ماضينا وامتدادات أمواج “حاضر” غير حاضرنا، حاضر الحضارة الأوروبية ذات الطابع العالمي”[15] فالتراث إذن “شئنا أم كرهنا مقوم أســاسي من مقومـات الحاضر”[16] إنه “ضمير الأمة، إنه المرآة التي ترى فيه [هكذا] الأمة تحقق الممكن، وبعبارة أخرى إنه تصور ارتدادي لما ينبغي أن يكون”.[17] وأول سؤال نطرحه على هذه النصوص يتعلق بالفرق بين “الماضي” و”التراث” وهو سؤال يطرح بشدة موقع الحاضر في علاقته بالماضي، وموقع الفكر، فكرنا، في علاقته بالتراث. هذه النصوص تعيدنا إلى المستويين اللذين ذكرناهما سابقا: مستوى التاريخ ومستوى التفكير. ويبدو أن غلبة حضور لفظ “الماضي” أو لفظ “التراث” راجعة إلى هيمنة أحد المستويين فحين يهيمن مستوى التاريخ نجد الحديث عن الماضي، عمّا يقع هناك، خلفنا، غالبا وحين يهيمن مستوى التفكير نجد الحديث عن “التراث” عن ذلك الذي ينتمي إلى الحاضر رغم مضيه تاريخيا فهو غائب تاريخيا حاضر معرفيا، وحضوره المعرفي يعود إلى مضيه التاريخي، إلى أنه “كان”، في زمن ما، حيا حاضرا ولذلك فهذا الحضور لا يتم واقعا بل يتم من خلال “ضمير الأمة” و”أنواع الفهم” و”التصور”، فدرجة حضور التراث في الحاضر لا تماثل درجة حضور الغرب لأن الغرب حاضر عبر غيريته، عبر خارجيته أمّا التراث فحاضر عبر “إنيته” عبر محايثته. فإذا كان الغرب هو الآخر الخارجي فإن التراث هو آخر داخلي يساهم بشكل ما في تحديد غيريته فتحديد الغيرية يتم بالتراث ذاته لأن حاضرنا مكوَّن منه ولأن عقلنا وضميرنا وشعورنا كل هذا مصاغ من خلاله ولذلك فلا بد أن يكون التراث حاضرا في حركة ابتعادنا عنه لأننا نحاول أن نبتعد عنه ونحن نتحرك ضمن دائرته ومن هنا فطموحنا يربو عن وسيلتنا: طموحنا هو المستقبل، ووسيلتنا هي عقلنا ووعينا وهذه الوسيلة قد تكونت ضمن التراث، وبالتراث. هنا نفهم لماذا ينوه الجابري بالمنهجية المعاصرة ولماذا لا يناقش قضاياها لأن هذه المنهجية توفر لنا إمكانية وضع “التراث” موضع “الماضي” بجعلنا نقرأ التراث باعتباره نصوصا واقعة أمامنا[18] وهنا نفهم أيضا لماذا اقتصر في دراسته للتراث على “الثقافة العالمة”، على “نصوص الخاصة”، على “النصوص المراقبة” رغم أنه يحدد التراث باعتباره “ضمير الأمة”.

يقوم “القول في الماضي” على تصور ما للمستقبل يشرع به الجابري انخراطه في إشكالية الأصالة والمعاصرة وهذا التصور للمستقبل هو الذي يحتل صدارة الاهتمام عند تحديد معضلات الواقع فيراها أساسا في ذلك المزيج الغريب بين أمواج بقايا الماضي وأمواج حضارة الغرب ووجه الغرابة في هذا المزيج هو الأسس التي تقوم عليها بقايا الماضي والأسس التي تقوم عليها الحضارة الجديدة ذات الطابع العالمي فهذه الأسس متناقضة بالنسبة إلى الجابري ونظرا إلى أن المستقبل يستمد نموذجه-الأم من الحضارة الغربية فإن تحقيق الغاية سيرتد إلى العقبات التي تتمثل في “التراث”، في هذا الذي “يؤطر” الإنسان العربي المعاصر. غير أن هذا الارتداد قصد القطع يجب في نفس الوقت أن يحافظ على الهوية، على الذات، إن الغاية لا تتمثل في الانصهار في الغرب بل في تحقيق شروط قوة الغرب ولذلك فإن تحقيق الغاية يتمثل في المحافظة على الذات مع تجاوزها، أثناء تجاوزها، قصد تجاوزها. إن “الذين يلغون التراث بجرة قلم أو بشطحة فكرية واهمون لأن إلغاء التراث لا يمكن أن يتم إلاّ بتحقيقه والذين يطالبون بتحقيق التراث بجرة قلم أو بموعظة حسنة واهمون أيضا، لأن تحقيق التراث لا يتمّ إلاّ بإلغائه”.[19]

إن صورة المستقبل التي بناها الجابري في رحلة تعلمه، وفي معاشرته لواقعه وفي “انبهاره” بعلوم الغرب وفلسفاته هي التي أسست تأويله للعلاقة القائمة بين الحاضر والماضي، وبين الحاضر والمستقبل-المعاصر، تأويل حدد لذاته معطيات واقعية معينة استثمرها ليتقدم على أنه اليقين مضخما بذلك عناصر خاصة في خطابه لتنحصر في سلطتين يأتي خطاب الجابري ليعمل من أجل التحرر منهما: سلطة النموذج العربي الإسلامي، وسلطة النموذج الغربي، وهما سلطتان تجتمعان في سلطة واحدة هي سلطة النموذج-السلف،والتحرر منها هو سعي إلى تحقيق “الاستقلال التاريخي التام” للذات العربية[20] وفي أثناء هذا التضخيم يبدو الحاضر ممزقا لا هوية له سوى أنه مستلب، ويبدو أن التأويل الذي يقدمه الجابري للعلاقة بين “الحاضر” والماضي والمستقبل قد أراد للحاضر ذلك لأنه يعتبر الحاضر الذي يجب أن يكون لا الحاضر الكائن فالحاضر الكائن حاضر-غائب ومهمة التأويل أن يرسم صورة له انطلاقا من تلك الصورة الجاهزة بَعْدُ عن المستقبل. وأولى خطوات مهمة التأويل هذه هي تحرير “الحاضر” من سلطة التراث وبما أن وجود التراث وجود في العقل لأنه صاغه وكونه فإن صورة المستقبل، صورة الحاضر الذي ينبغي أن يكون، تبدأ من خلال نقد العقل العربي… ولكن دون ذلك صعوبات، إذ لا يكفي التشريع للتوجه للماضي لكي نبدأ فيه بل يجب أن نؤسس له وهذا التأسيس يتقدم بنا خطوة من خطاب ماوراء الخطاب، خطاب الدوافع والتشريع، إلى الخطاب ذاته ولكن في خطواته الأولى، خطواته المنهجية التأسيسية.

[1] انظر لاحقا، الفصل الرابع.

[2] الجابري، محمد عابد، من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والفلسفية، المغرب، 1975، ص 28، 30-36.

[3] إنه من اللافت للنظر والطريف في نفس الوقت، أن نجد الجابري، في هذه المرحلة، يتحدث عن المصادر الاقتصادية الضئيلة في حين يعلم أنها ضخمة عند العرب عموما ما عدا بعض الدول، التي منها مصر، وقد كان عبد الناصر شديد التركيز على هذه النقطة كلما تحدث عن تقدم مصر أو بلغة أخرى عن تخلفها.

[4] الجابري، من أجل رؤية، م، س، ص 35.

[5] المرجع نفسه، ص 115.

[6] نشير هنا إلى الملاحظة التي ذكرها محمد وقيدي في الفصل الرابع من كتابه”حوار فلسفي”، فالتلاقي بين تاريخ الفكر الفلسفي الإسلامي وتاريخ العلوم وفلسفتها لا يعود إلى استعمال مفاهيم من الفضاء الثاني في الفضاء الأول فحسب بل يعود أيضا إلى رؤية الجابري للواقع الراهن.

[7] الجابري، العصبية والدولة معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، دار النشر المغربية بالدار البيضاء، ودار الطليعة بيروت، ص 133؛ الجابري، نحن والتراث قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، ط 4، دار التنوير للطباعة والنشر، 1985، ص 312.

[8] نحن والتراث، ص 46.

[9] ابن نبي، مالك، مشكلات الحضارة : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي،  ترجمة بسام برآة، أحمد شعبو ؛ إشراف وتقديم عمر مسقاوي . – دمشق : دار الفكر، 1988، ص ص 210-211.

[10] يبدو عبد الله العروي، في كتابه “مفهوم الإيديولوجيا” مثالا قويا، فرغم أنه يقدم مفهوم “الدعوة” في الفكر العربي الإسلامي على أنه أقرب المفاهيم لمفهوم الإيديولوجيا إلاّ أنه يعدل عن استعماله ويقترح تعريب مفهوم الإيديولوجيا ذاته بالبحث عن صيغة صرفية تتكون من الحروف “الأساسية” للكلمة فيكون الفعل مثلا “أدلج” والاسم “أدلوجة” والمذهب “أدلوجياء”… والسؤال لم لمْ يقع تطوير مفهوم “الدعوة” دلاليا ليشمل مفهوم “الإيديولوجيا”؟ ولماذا عزف الباحثون عن استعمال اقتراح عبد الله العروي على بعض وجاهة فيه؟ بلغة أخرى لم بقي المفهوم لاتينيا مكتوبا بحروف عربية؟

[11] يقول الجابري: “قد يعترض معترض ويقول: ليس المطلوب من الفلسفة في القرن العشرين -بل لا يجوز لها- أن ترتكز على فلسفة القرون الوسطى. إن المطلوب هو تجاوزها، فقضايا اليوم ليست هي قضايا الأمس، وحاجتنا إلى الفلسفة اليوم إنما يمليها الحاضر ومشاكله لا الماضي وقضاياه. وعلى الرغم من أننا نؤمن بأن الرجوع إلى فلسفة الماضي -فلسفة الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد- ما زال من جملة المهام التي تطرح نفسها علينا في الحاضر، وبالضبط من أجل “تصفية الحساب معها”؛ من أجل ممارسة فعلية لعملية التجاوز-الجدلية-المطلوبة… فإننا سنكون مستعدين لقبول ذلك الاعتراض…” الخطاب العربي المعاصر، ص ص 174-175؛ ويقول أيضا: “ونحن هنا في الوطن العربي ما زلنا متخلفين عن ركب الفكر العلمي تقنية وتفكيرا” ثم يبرز هدفي كتابه “مدخل إلى فلسفة العلوم” بقوله: “تشجيع الطلاب على ارتياد هذا النوع من الدراسات والأبحاث، والمساهمة في نشر المعرفة العلمية وأساليب التفكير العلمي في أوساطنا الثقافية”. الجابري، محمد عابد، مدخل إلى فلسفة العلوم : دراسات و نصوص في الإيبستيمولوجيا المعاصرة، الدار البيضاء، دار النشر المغربية، 1976 . ج- 2. المنهاج التجريبي و تطور الفكر العلمي . – الدار البيضاء : دار النشر المغربية، 1976، انظر ج 1، ص ص 3-5 وص 6.

[12] مدخل إلى فلسفة العلوم، ج 1، ص ص 5-6.

[13] الخطاب العربي المعاصر، ص 5.

[14] من أجل رؤية تقدمية، ص 96.

[15] المرجع نفسه، ص 6.

[16] نحن والتراث، ص 22.

[17] من أجل رؤية، ص 94.

[18] نحن والتراث، ص ص 21-25.

[19] من أجل رؤية، ص 94.

[20] الخطاب العربي المعاصر، ص ص 187-188-189.