حوار مع الفيلسوف عبد الوهاب المسيري

الجزء الثّاني

س: ما هو موقفكم من العقلانية؟

ج: عادة ما أفصل بين العقلانية والمادية. فالعقلانية هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحقيقة من خلال قنوات إدراكية مختلفة، من بينها الحسابات الكمية الصارمة والحواس الخمس، كما أن من بينها أيضاً الخيال والعاطفة والحدس والإلهام. بمعنى أن العقل حينما يواجه الواقع فإنه يواجه واقعاً قد يكون مادياً بسيطاً، ولكنه قد يواجه حقيقة إنسانية مركبة، بل وأحياناً حقائق تشكل انقطاعاً في النظام الطبيعي أو النسق التاريخي. ولذا، فإن على العقل ألا يواجه الواقع بصيغة جاهزة بسيطة، وعليه أن يدرك المعلوم، وألا يرفض وجود المجهول، وإلا أصبح آلية لاختزال الواقع وتسويته، ددلآً من أن يكون أداة لرصده وتحليله وتفسيره.

س: لكنك تربط بين العقل والمادة في مصطلحات مثل “العقل المادي” و”العقلانية المادية” هل لك أن توضح لنا مضمون المصطلحات؟

ج: هناك من يرى أن العقلانية هي الإيمان بأن العقل قادر على إدراك الحققة بمفرده دون مساعدة من عاطفة أو إلهام، وأن الحقيقة هي الحقيقة المادية المصمتة المحضة التي يتلقاها العقل من خلال الحواس وحدها، وبأن العقل يوجد داخل حيز التجربة المادية محدوداً بحدودها، فيعيد إنتاج الواقع محكوماً بمقولات الطبيعة/المادة، فيرصد الواقع باعتباره كماً وأرقاماً وسطحاً خالياً من الأسرار والتفاصيل المتناثرة. هذا هو العقل الذي يسقط في الأداتية أو الإجرائية، فهو عقل غير قادر على تجاوز الحدود المادية، وهو لا يفرق بين الظواهر المادية البسيطة والظواهر الإنسانية المركبة. وهو عقل مادي يسوى بين الأشياء، ويمحو إحدى الثنائيات الأساسية في الكون: ثنائية الإنسان والأشياء، وبذلك يصبح العقل المادي أداة المادة في الهجوم على الإنسان، بدلاً من أن يكون علامة انفصاله عنها.

إن العقل المادي هو العقل الذي يوجد داخل حيز التجربة المادية لا يمكنه تجاوزها، يسري عليه ما يسري على الطبيعة من قوانين، فهو أداة الطبيعة، مكنه تسييرها بمقدار ما مكنه الالتحام بها والإذعان لها. وهو عقل محايد لا علاقة له بالأخلاق أو بالأسئلة الكلية (الخاصة بالغرض من وجود الإنسان في الكون)، أو بالمقدس أو بما يتجاوز عام الحواس الخمس المباشر، فهو موصل جيد لما يدخله من معلومات ومعطيات لا مكنه أن يتجاوزها، ولذا فهو لا يفرز سوى ما يمكن تسميته “أخلاق الصيرورة” أو “منطق الأمر الواقع” أو “موازين القوة”. لأن العقل المادي لا يتعرف إلا على الحقائق المادية (ثمنها- حجمها- كثافتها) أي صفاتها المادية، ولكنه لا يعرف قيمتها، فالقيمة شيء متجاوز لعام المادة وهو قادر على إدراك “ما هو قائم” وليس “ما ينبغي أن يكون”، لأن “ما ينبغي أن يكون” ينتمي إلى عالم غير العام المادي المحسوس. بل إن العقل المادي معاد للتاريخ، لأن التاريخ بنية غير طبيعية غير مادية تتسم بالتنوع والتركيب والإبهام لا يمكن لهذا العقل أن يتعامل معها بكفاءة فهو يجيد التعامل مع الأرقام والكم والكثافة والحجم والوزن. ولذا العقل المادي حين يتعامل مع التاريخ يحاول أن يدخله الحيز المادي، فيتحدث عن “الحتمية التاريخية” وكأنها حتمة بيولوجية مادية. إن العقل المادي يتجه نحو اختزال الواقع المركب وإلى قوانين عامة تؤكد التماثل والعمومية، ولكنه في الوقت ذاته دسب التصاقه بعام الحواس يسقط في التفاصيل، فكأنه يتأرجح بعنف بين العام، الموغل في العمومية، والخاص الموغل في الخصوصية. فهو عقل يشبه أشعة إكس من ناحية، يمكنها أن تعطينا صورة لهيكل الإنسان العظمي، لكنها لا يمكنها أن تنقل لنا صورة الوجه الإنساني في أحزانه وأفراحه. ومن ناحية أخرى، يشبه »الميكروسكوب« الذي يعطينا أدق تفاصيل الخلية دون أن مكنه أن ينقل لنا الصورة الكلية لهذا العالم. وقد خلصت من كل هذا إلى أن العقل المادي عقل عنصري إمبريالي؟ لأنه يسقط مفهوم الإنسانية المشتركة (فهو مفهوم كلي نهاني مركب لا يمكن قياسه) ولا يجيد إلا اختزال الواقع بهدف توظيفه. هذا العقل هو الكامن وراء مفهوم العقلانية الغربية، ومن هنا تسميتي لها بالعقلانية المادية، وهو الذي يؤدي إلى إعادة صياغة العام الغربي بل والعام بأسره في الإطار المادي.

س: وماذا عن “العقلانية المادية” كما تسميها؟

ج: حين بدأت في تحليل الخطاب الفلسفي الغربي اكتشفت أن العقلانية الغربية ليست شيئاً مطلقاً، وإما يختفي وراءها موج مادي يساوي بين الإنسان والطبيعة، ومن ثم يساوي بين العقل الإنساني والطبيعة المادية، ويجعل هذا العقل يذعن للطبيعة في نهاية الأمر إلى أن تصبح مهمته الوحيدة أن يرصد الطبيعة ويعرف مسارها وقوانينها ليطبقها على الإنسان، ومن هنا سميتها العقلانية المادية (التي تسمى عادة الاستنارة) التي عبرت عن نفسها في مقدرة العقل (المادي) على التجريب، ثم انفصلت النزعة التجريبية عن العقل، وأصبح العقل يلهث وراء التجريب المنفصل عن القيمة الإنسانية والأخلاقية، يتلقف نتائجه دون تساؤل عن المعنى والغاية.

وأعتقد أن هيمنة العقل المادي في الغرب هي المسؤولة عن الكره العميق الذي يشعر به كثيرون تجاه العرب، وعن عدم فهم قضية حق العودة للفلسطينيين وأهمية القدس. فاللاجئون الفلسطينيون يعيشون في وضع مادي مزر، ومع هذا يرفض غالبيتهم التعويضات السخية التي يمكن أن تدفع لهم، وهم ما يزالون يتذكرون بيوتهم في حيفا ويافا ويحتفظون بمفاتيحها، وهم مستمرو في مقاومة العدو عبر ما يزيد عن مئة عام.

وعلاوة على كل هذا يصرون على أن مدينة القدس هي عاصمة (برغم أن كلنتون -كما يقال- عرض على السلطة الفلسطينية 30 دولار). كل هذا، من منظور العقلانية المادية، يبدو أمراً متخلفاً لا يثير الغيظ والحنق، إذ كيف يمكن لهؤلاء الفقراء أن يتمسكوا دولتهم بليون عقلاناً بتراثهم ومقدساتهم على رغم كل الإغراءات المادية؟ ما الذي يجري في عقولهم؟

س: هل هناك لا عقلانية مادية؟

ج: نعم: من ثمرات هذا العقل المادي ما يسمى “الترشيد”، والذي ثت أنه محاولة توظيف الوسائل بأحسن السبل في خدمة الغايات، أي غايات عقلانية كانت أم غير عقلانية. وهذا يعني أن يتعلم الإنسان كيف يبني جسراً أو طريقاً، ولا يهم إلى أين سيؤديان: إلى الجنة أم إلى الجحيم؟ اللهم هو طريقة بناء الجسر، مما يؤدي إلى عقلانية الوسائل (كيف تقتل؟) لاعقلانية الغايات (لم تقتل؟). هذا يعني في واقع الأمر أن الرؤية العنصرية المادية يمكن أن توظف خير الوسائل العلمية والتقنية (العقلانية!) في خدمة اللاعقل، رؤية قد تكون “واقعية” بالمعنى المادي، ولكنها لا تخضع بأية حال لأي منطق عقلي إنساني. ولذا نجد أن ثمة تعايشاً كاملاً بين اللاعقلانية والعلم والتقنية. أم يفعل ذلك المجتمعان النازي والصهيوني، فقد استخدما العلم والتقنية بكفاءة غير عادية، وهما يستندان في الوقت ذاته إلى رؤية لا تؤمن سوى بالقوة وترفض الاحتكام إلى أي خارجها. داروينية لا عقلانية مادة. قيم عقلانية إنسانية توجد

س: ولكن هذان النموذجان ينظر إليهما على أنهما من تجليات العقلانية؟

ج: نعم ثمة من يرى أن الإبادة النازية للملايين (من الغجر واليهود والأطفال المعاقين ومن المسنين) ممن صنفوا باعتبارهم والسلاف “أفواهاً مستهلكة غير منتجة eaters useless” إنما هو أحد إنجازات العقلانة المادية، التي “حررت” الإنسان من أية أعباء أخلاقية مثالية غير مادة، وتعاملت مع البشر ب “كفاءة” بالغة ومادية صارمة، كما لو كانوا مادة استعمالية نسبية تخضع لقوانين الطبيعة/المادة، فمن يحيد عنها (مثل الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والرجال المسنين) لابد من التخلص منه في أسرع وقت وبأكر الطرق كفاءة! أي إن العقل المادي هنا قام بتفكيك البشر بصرامة بالغة وكفاءة مدهشة، ونظر إلى الجميع بعيون زجاجية وكأنه حاسوب متأله، في غاية الذكاء، لا قلب له ولا روح! فالعقل المادي قام لتفكك الإنسان ووظف آخر صيحات العلم والتقنية وبكفاءة غير عادية، في خدمة رؤية عنصرية متخلفة داروينية مادية غير أخلاقية، غير عقلانية. فهذه لا عقلانية مادية، إذ لا مكن أن توصف مثل هذه الأفعال بأنها عقلانية.

ويمكننا القول: إن ثمة نمطاً من الحكام الإرهابيين الثوريين لا يختلفون كثيراً عن هتلر يدورون في إطار العقلانية المادية التي تتحول إلى لا عقلانية مادية! مثل روبسبير، الذي حكم العقل (المادي بطبيعة الحال)، فقام بتفكيك البشر في إطار “مصلحة الشعب” (كما رآها هو لطعة الحال) فأباد الملايين من أعداء الثورة “غير النافعين” بطريقة كفء منظمة وهذا لا يختلف كثيراً عن ستالين، الذي قام بتفكيكهم في إطار علاقات الإنتاج ومعدلات النمو، فأباد ملايين الفلاحين (الكولاك) الذين كانوا يعوقون عملية الإنتاج المادية الحتمية بنفس الكفاءة والتنظيم. ويرى بعض مؤرخي الثورات التي تدور في إطار النماذج العقلانية المادية أن ظهور مثل هذا “الحاسوب التأله” مسألة حتمية، وأنه قد يأخذ -بعد استقرار الثورة وتحولها إلى مؤسسات – شكل لجان خبراء ومستشارين! بل ويرون أن هذه ظاهرة حتمية لصيقة بالمجتمعات الحديثة، التي تعرف النمو والتقدم والإنسان من منظور عقلاني مادي، وأن التكنوقراطية ونظريات التلاقي (ب النظامين الرأسمالي والاشتراكي) ووحدة العلوم والاتجاه نحو التنميط أو الكوكبة والعولمة، إنما هي كلها تعبير عن هذا الاتجاه.

ودائماً ما أحذر من تصور أن الغرب “عقلاني” وأننا مكننا مقارعة الحجة بالحجة ونقنعه بعدالة قضيتنا وخلل نموذجه وسلوكه الإمبريالي. الغرب ليس مسيحياً ولا إنسانياً (هيومانياً) فهو من جراء هيمنة النموذج المادي عليه لا يدرك العام إلا من خلال حواسه الخمس، أي إن الغرب وثني، ولابد أن تأتيه شواهد مادية وليس مقولات عقلية. فمثلاً كان من المستحيل إقناع الولايات المتحدة بأن غزو العراق سيضر مصالحها وسيفجر مشاكل كثيرة لأن لوبي مصانع السلاح وشركات البترول كان يضغط على النخبة الحاكمة ويزين لها الأمر مبيناً المكاسب المادية التي ستصب في خزانات هده الاحتكارات. ولذا كان لابد أن تتصاعد المقاومة وتتزايد تكاليف الحرب وتصل جثامين الجنود حتى يبدأ الشعب الأمريكي يدرك أبعاد القضية وحتى تبدأ النخبة الحاكمة في إجراء حسابات المكسب والخسارة، فتظهر قطاعات منها تطالب بالانسحاب من العراق. كل هذا يعني أن النموذج المادي يؤدي إلى اللاعقلانية المادية.