حوار مع الفيلسوف عبد الوهاب المسيري

الجزء الأوّل

1-الرؤية

س: صرحت بأنك تحاول أن توسع من نطاق الخطاب الإسلامي، بل والخطاب التحليلي العربي، فما دوافعكم؟

ج: م يكن هناك دافع مسبق للتوصل إلى فكر جديد، وإنما ثمة بحث عن الحقيقة. لا تنسي أنني بدأت رحلتي المعرفية علمانياً ومادياً، وبالتدريج وجدت أن العلمانية المادية لا تفسر أشياء كثيرة في الإنسان، وبدأت تتساقط هذه المنظومة المادية تدريجياً. فكان كلما سقطت مقولة كنت أحاول سد الثغرة بطريقة ما أو بترقيع ثوبي المادي حتى أبقى داخل الإطار المادي، إلى أن وجدت الرقع أصبحت كثيرة وأكبر من الثوب وأنه من المستحيل الاستمرار في “ترقيع” المنظومة، وأن الأمانة الفكرية والعقلية تتطلب مني تبني منظومة أخرى، ومن هنا اضطررت إلى خلع الثوب المادي واستبدال ثوب إياني إنساني به. وطرحت هذه الرؤية الحدددة المرتبطة بقراءاتي وبمعايشتي لمجموعة من الأحداث. ولا أدري هل يكن تسمية هذا “مدرسة” أم أنه رؤية أو اتجاه أو منهج؟ على كل هذه مسألة نتركها للقراء وللنقاد، فهم الذين يقومون بالتقييم والتصنيف.

س: أهي مادية الفكر الغربي؟ أم قصوره في تحقيق الإشباع الفكري لديكم؟ أم هي الرؤية الإمانية الكامنة في وجدانكم كانت العامل الحاسم في دفعكم للبحث عن رؤية فكرية جديدة؟

ج: يمكن أن أجيب بأن كل العوامل التي ذكرتها أدت دوراً في تحولاتي الفكرية والبحثية، وأن الشيء ونقيضه كانا فاعلين، فالرؤية الإيمانية كانت كامنة في وجداني وأخذت شكل الإيمان بالإنسان على أنه كائن متجاوز. وقد حاولت في مرحلة الترقيع أن أبقى داخل النموذج أو السقف المادي في بحثي عن المركز والمطلق. فتارة كنت أراه في العنصر الاقتصادي، ثم في التاريخ ومكره وحتمياته، ثم في القضية الفلسطينية، فهي قضية الحق فيها بين والظلم فيها بن. وبدأت أتأمل في الشعب الفلسطيني، وكيف أن هذا الشعب الفقير المقهور يقاوم ويرفض الظلم ويبدع. وقد أدى هذا إلى أن أهتدي إلى الإنسان على أنه كائن يوجد داخله ما هو متجاوز للسطح المادي والحتميات التاريخية والبيولوجية. فباطقاييس المادية المحضة كان لابد أن ينتصر الإسرائيليون ويذعن الفلسطينيون، ولكن هذا م يحدث، فسقطت

المعادلات المادية الاختزالية البسيطة، وأصبح الإنسان هو المؤشر على وجود الله في عالم المادة والطبيعة والزمن والتاريخ. وعندما وصلت إلى أن النموذج المادي عاجز عن تفسير ظاهرة الإنسان وأنه لا مكن تفسير هده الظاهرة إلا باللجوء لنماذج غير مادية، عدت إلى الرؤية الإيمانية. وكما ترين وصلت من الإنسان إلى الله، ولم أصل من الله إلى الإنسان.

س: ما هي نقطة البداية، ومن أين انطلقت رؤيتك للكون والحياة؟

ج: حينما أتأمل حياتي كلها، الخاصة والعامة، أجد أن أهم ما فيها هو وجود عناصر عديدة أدت إلى اكتشافي أن الحياة الإنسانية مركبة ومفعمة بالأسرار والثنائيات والتنوع، وليست بسيطة أو سطحية أو أحادية، وأن الإنسان كائن فريد غير مادي وغير طبيعي مع أنه يعيش داخل العام الطبيعي/المادي.

ولعل رفض الواحدية وإدراك ثنائية الإنسان والطبيعة/المادة، وما ينجم عنهما من ثراء وتركيب وتعددية، هما مدخلي لفهم العام من حولي ولفهم الآخرين، ولفهم ذاتي. فأنا أرفض الواحدية (أي أحادية الأبعاد) وكل التنويعات عليها: الجوهر الواحد- البعد الواحد- عبادة الطبيعة- عادة التكنولوجية- عبادة العقل- عبادة العاطفة- عبادة المثالية الخالصة- عادة الروحية الخالصة، أرفض كل هذه الأمور إن جاء كل واحد منها على حدة، فهي كلها عناصر متكاملة متناقضة، تكون هذا الكائن الفريد: الإنسان الذي يقع في نقطة تقاطع بين كل هذه العناصر، والتقاطع هنا يعني التركيب كما يعني الحدود، فالطبيعة تضع حدوداً على التقنية، والمثالية على المادية، والجسد على الروح، والدنيا على الآخرة، والسياسي والمعرفي والتاريخي والنسبي والزمني على المطلق الواحد. ولعل فكرة التقاطع هذه تفسر تفضيلي شعر وليام بتلر ييتس على شعر ت. س. إليوت، فالأول نجح في أن يكتب قصائد عن النقطة التي تتقاطع فيها الأسطورة مع التاريخ، أما إليوت فقد اقترب كثيراً من عالم الأسطورة، وابتعد عن عام التاريخ. وأعتقد أن غرامي بشعر محمود درويش يمكن تفسيره في الإطار نفسه، ومع هذا أعشق شعر صلاح عبد الصبور الذي يركز على نكبة الإنسان الكونية، ولا تفلح أي إنجازات تاريخية، في تخفيف حزنه العميق.

ويتبدى التقاطع هذا من ناحية في عدم إنكاري الدنيا وضرورة فهمها والتمتع بها، فهي المجال الذي يحقق فيه الإنسان حريته وإمكاناته، والإمكانات التي يحبو الله بها الإنسان هي نعمة تسعده إن اعترف بها وحققها، وهي نقمة تعذبه إن أنكرها وبددها. كما يتبدى التقاطع من ناحية أخرى في محاولتي قدر استطاعتي ألا أستوعب في عالم المادة تماماً، وألا أذوب في اللذة والاستهلاكية، فهما يدمران حدود الإنسان. وهذا موضوع أساسي كامن في دراساتي وفي كتاب الفردوس الأرضي، الذي يتناول رغبة الإنسان الأمريكي العارمة في أن يحقق الفردوس الآن وهنا، فينكر التاريخ المادة، الإنسان بالمادية والماضي والمستقبل، ويعيش في اللحظة وحسب، وينكر ما وراء حدود أي ينكر عناصر التقاطع والتركيب، فينقلب الفردوس إلى جحيم، لأن كائن مركب لا يمكنه أن يعيش إلا داخل حياة مركبة لا هي الدنيوية ولا بالروحية الآخروية.

س: تركز في دراساتك على أهمية اعتماد التراحم إطاراً مرجعياً والإصرار على أن ثمة مشتركاً إنسانياً تسميه “الإنسانية المشتركة”، التي مكن أن تشكل أساساً للتعامل الحضاري والسلمي بين المجتمعات والثقافات المختلفة. فما هي طبيعة الإنسانية المشتركة في فكر المسيري؟

ج: الإنسانية المشتركة مفهوم محوري في رؤيتي، وأحب أن أميز بنه وبين مفهوم الإنسانية الواحدة. مفهوم الإنسانية الواحدة في الحضارة الغربية، خاصة منذ عصر الاستنارة، يعني أن البشر يتسمون بشكل من أشكال التماثل والتشابه والتجانس الكامل. ما يحدث هنا هو عملية مساواة تنتهي إلى تسوية البشر الواحد بالآخر مما يلغي كل الخصوصيات بل والأنعاد المركبة، ويصبح الإنسان الغري بالتدريج هو المثل الأعلى والنمط الكامل، وعلى الجميع أن يقلدوه ويلحقوا به، مما يعني أن التطور البشري يتبع ما يسمى باللغة الإنجليزية »paradigm unilinear« أي موذج أحادي الخط، أي إن مسار التاريخ واحد بالنسبة لكل الشعوب، وبأنه سيصل إلى ذروته أو نهايته، حينما تهيمن الحضارة الغربية الحديثة وتتبنى كل الشعوب نموذجها “الحضاري”. ومن هنا مفهوم الحقب التاريخية التي تتحقق في كل زمان ومكان بالشكل نفسه، وهو مفهوم سيطر على الرؤية الغربية للتاريخ كما هو الحال عند أوجست كونت وهيجل وغيرهم. بدلاً من ذلك أطرح فكرة الإنسانية المشتركة التي تنطلق من مفهوم إسلامي (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). نلاحظ في هذه الصياغة أنها تؤكد فكرة المساواة لكنها أيضاً تعترف بالاختلاف، فالعري عربي والعجمي عجمي، لكن ثمة معايير تتجاوز كليهما وهو معيار “التقوى”. هذه مسألة أساسية، والحضارة الإسلامية تؤكد دائماً مبدأ المساواة، وتقبل في الوقت ذاته عدم التماثل. ومن هنا نجد على سبيل المثال أسلوباً معمارياً إسلامياً هندياً، وآخر إسلامياً مصرياً وثالثاً إسلامياً سوريًاً، وداخل الأسلوب الإسلامي المصري يوجد أسلوب أيوبي وأخر مملويي وثالث عثماني. ثمة تنوع ضخم لكن داخل إطار من الوحدة. والإنسانية المشتركة تعني أن هناك مقدرة أو طاقة إنسانية كامنة في كل البشر غير متشكلة، ولكنها تتحقق وتتشكل في أزمنة وأمكنة مختلفة، وتأخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الزمان والمكان، فإنسانيتي المشتركة تتحقق داخل الزمان والمكان العربيين، وتأخذ شكلاً عربياً، وإنسانية الصيني تتحقق داخل الزمان والمكان الصينيين وتأخذ شكلاً صينياً، ولكن هذا لا يجب ما هو مشترك، وهذا مختلف تماماً عن فكرة الإنسانية الواحدة.

فكرة الإنسانية المشتركة، تعني أيضاً أن الإنسان ليس بكائن مادي. هذه الفكرة تدور في إطار ما يسمى بالثورة التوليدية التي تذهب إلى أنه يوجد في العقل أفكار كامنة »deas innate« لا تكتسب عن طريق التجربة وإما تسبقها، فهي ليست معرفة مكتسبة وإنما مفطورة في العقل الإنساني، وهى فكرة تعود بجذورها إلى كانط وطورها تشومسي وجان بياجيه، وهي تتفق تماماً مع مفهوم الفطرة في الإسلام. كل هذا يقف على طرف النقيض من رؤية لوك، والرؤية المادية التي ترى العقل باعتباره صفحة نضاء، وأن كل المعرفة مكتسبة من خلال التجربة. فكرة العقل التوليدي هذه تشير إلى شيء غير محدود بحدود المادة وإنما يتجاوزها. بمعنى أنه لا يوجد زمان عام ولا مكان عام، يوجد زمان عربي ومكان عربي، وزمان غربي ومكان غري، وزمان صيني ومكان صيني، والزمان والمكان يسمان الحضارات المختلفة، على الجميع أن يحترموا هذا الاختلاف مادام داخل فكرة الإنسانية المشتركة.

س: هذا يعني أن لكل حضارة مقاييسها ومعاييرها، ألا يعني هذا سقوطاً في النسبية؟

ج: نعم، هذا الموقف يعني قبول قدر من النسبية والاختلاف وعدم التجانس واحترام الآخر، على أن تظل الإنسانية المشتركة هي المرجعية النهائية لنا جميعاً حتى لا نسقط في النسبية الشاملة العدمية، وأطلق على هذا الموقف اسم “النسبية النسبية”، فهي ليست نسبية شاملة ومطلقة، إذ تظل هناك معايير وقيم ومرجعية نهائية متجاوزة لصيرورة المادة!

س: مصطلح “الطبيعة/المادة”، يبدو كما لو كان جديداً، ولكنه مكون من مصطلحين كلاهما شائع ومعروف، فهل لك أن تفسر لنا ما المقصود بهذا المصطلح الجديد القديم؟

ج: لشرح هذا المصطلح سأبدأ بالقول إنني أؤمن بأن ثمة فارقاً جوهرياً كيفياً بين عالم الإنسان المركب، المحفوف بالأسرار، وعام الطبيعة (والأشياء والمادة)، وأن الحيز الإنساني مختلف عن الحيز الطبيعي المادي، مستقل عنه، وأن الإنسان يوجد في الطبيعة ولكنه ليس جزءاً عضوياً منها، لأن فيه من الخصائص ما يجعله مختلفاً عن النظام الطبيعي/المادي، ومن ثم فهو قادر على تجاوزها وتجاوز قوانينها الحتمية، وصولاً إلى رحابة الإنسانية وتركيبيتها (وهذا هو مصدر ثنائية الإنساني والطبيعي التي تسم كل الأنساق المعرفية الهيومانية الإنسانية »humanistic«، دينية كانت أم إلحادية).

والطبيعة، في الخطاب الفلسفي الغربي الحديث، هي نظام يتحرك بلا هدف أو غاية، نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، توجد مقومات حياته وحركته داخله، يحوي داخله ما يلزم لفهمه، لا يشير إلى أي هدف أو غرض خارجه، وهو نظام ضروري كلي شامل، تنضوي كل الأشياء تحته. والتفكير المادي يرى أسبقية الطبيعة على الإنسان ومن ثم يختزله إلى قوانينها ويخضعه إلى حتمياتها بحيث يصبح جزءاً لا يتجزاً منها، ويختفي ككيان مركب متجاوز للطبيعة وللمادة، منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينه الإنسانية الخاصة، أي إن الحيز الإنساني يختفي ويبتلعه الحيز المادي، وبدلاً من ثنائية الإنساني والطبيعي تظهر الواحدية الطبيعية. ولكن صفات الطبيعة التي أدرجناها هي ذاتها صفات المادة بالمعنى الفلسفي، ولذا فنحن نرى أن كلمة “المادة” يجب أن تحل محل كلمة “الطبيعة” أو أن تضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرة الخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعاده المعرفية المادية. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفي الغري بكفاءة غير عادية حينما قال: “يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرف الرحمة أو الشفقة”. وهو قد تبع في ذلك كلاً من داروين ونيتشه، وانطلق من واحد من أهم التقاليد الأساسة في الفلسفة الغربية!

س: ما هي الفروق الأساسية بين الإنسان وما تسميه الطبيعة/المادة؟

ج: يمكن القول: إن الظاهرة الطبيعية مكونة من عدد محدود من العناصر المادية مكن حصر معظمها ورصدها، على عكس الظاهرة الإنسانية التي تدخل في تكوينها عناصر مادية ونفسية وتراثية وثقافية، ولذا فإننا إن درسنا ظاهرة طبيعية دراسة متعينة كان بوسعنا أن نحدد علة (أو علل) ظهورها على عكس الظاهرة الإنسانية التي يصعب حصر كل أسبابها. ويلاحظ أن الظواهر الطبيعية تطرد على غرار واحد بغير استثناء، أما الظاهرة الإنسانية فلا مكن أن تطرد بالطريقة نفسها، فكل جماعة بشرية تختلف في كثير من النواحي عن الجماعات البشرية الأخرق، كما أن كل عضو في جماعة عادة ما يكون متفرداً في بعض النواحي عن بقية أعضاء الجماعة التي ينتمي إليها، ولذا فإننا لا يمكن أن نحدد قانوناً اجتماعياً واحداً يتجاوز الزمان والمكان.

والظاهرة الطبيعية تتسم بأنها لا تملك إرادة حرة ولا وعياً ولا ذاكرة، وهي صفات من صميم إنسانية الإنسان. كما أن الظواهر الطبيعية لا تتأثر بالتجارب التي تجري عليها، أما الإنسان، إن أخضع لتجربة معملية، فإنه سيتصرف بطريقة تختلف تماماً عن سلوكه العادي في حياته اليومية: فالإنسان يملك وعياً بنفسه وبما يدور حوله. ولعل هذا يجعلنا نأخذ موقفاً محايداً من الظاهرة الطبيعة، وهو أمر مستحيل في علاقتنا بالظاهرة الإنسانية. ويلاحظ أن معدل التحول في الظواهر الطبيعية يكاد يكون منعدماً ويتم وفق نظام كوني، أما معد التحول في الظاهرة الإنسانية فهو أسرع بكثير، ولذا فإن الإنسان كائن له تاريخ، وهو تاريخ ثري متنوع. وينم مظهر الظاهرة الطبيعية عن مخبرها، فهي لا باطن لها (على الأقل حسب حدود إدراكنا الإنساني)، أما الإنسان فظاهره لا يشاكل باطنه. لكل هذا يمكن دراسة الظاهرة الطبيعية بردها إلى عناصرها (الطبيعية/المادية) الأولية. أما الإنسان فلا مكن رده إلى قانون عام ولا يمكن فهم كل جوانبه ولا تفسيره تفسيراً كاملاً، ولا يمكن رصده بطريقة نمطية اختزالية، بل لابد أن يظل باب الاجتهاد مفتوحاً بالنسبة إليه: إن عام الإنسان عام مركب، محفوف بالأسرار، أما عالم الطبيعة (والأشاء والمادة) فهو عالم أحادي بسيط إذا ما قيس بعام الإنسان، ومن ثم فإننا نجد أن الحيز الإنساني مختلف عن الحيز الطبيعي المادي ومستقل عنه.

س: يبدو أن نظرتكم ورؤيتكم الوجودية والمعرفية للعام وتركيزكم على ثنائية الإنسان والطبيعة، واختياركم نموذج المرجعية المتجاوزة والإنسان الرباني يؤدي إلى رفض الرؤية العلمية المادية الموضوعية الطبيعية، ورفض ما تطلقون عليه الإنسان الطبيعي أو البيولوجي أو المادي. وفي هذا -كما يرى بعص ناقديك- تقليل وتشويه لمفهومي المادية والعقلانية كما غرفتا في تاريخ الفكر البشري!

ج: الفلسفة المادية هي المذهب الفلسفي الذي لا يقبل سوى المادة باعتبارها الشرط الوحيد للحياة (الطبيعية والبشرية)، ومن ثم، فهي ترفض الإله على أنه شرط من شروط الحياة، كما أنها ترفض الإنسان نفسه إن تجاوز النظام الطبيعي/المادي. ولذا، فالفلسفة المادية تؤذً كل شيء في العام (الإنسان والطبيعة) إلى مبدأ مادي واحد. وإذا دخل عنصر آخر مادي على هذا المبدا الواحد، فان هذه الفلسفة تصبح غير مادية.

والمادية ترى أسبقية المادة على الإنسان وكل نشاطاته، وتمنح العقل مكانة تالية على المادة. ولذا، فإنها ترى العقل باعتباره كياناً سلبياً لست له فعالية، ووجوده ليس ضرورياً لاستمرار حركة المادة في العام. فنظرية المعرفة المادية (في مراحلها الأولى) تقر بإمكانية قيام المعرفة (فالعام قابل لأن يعزف لأنه معطى لإحساسنا ووعينا، بل إن مادية العام هي شرط لمعرفته). ولمعرفة هذا العام لا يحتاج الإنسان إلى استعارة وسائل من خارج عالم الطبيعة/المادة. والمادة -بحسب هذه الفلسفة- لا تسبق العقل وحسب، وإنما تسبق الأخلاق كذلك، ولذا، فإن الأخلاق تفسر تفسيراً مادياً ووفقاً

لقانون طبيعي. فمنطق الحاجة الطبيعية المباشرة هو الذي يتحكم في الأخلاق الإنسانية، تماماً مثلما تتحكم الجاذبية في سقوط التفاحة. والشيء نفسه ينطبق على المعايير الجمالية، فالمشاعر والإجساس بالجمال وكل الأحاسيس الإنسانية يمكن فهمها بردها إلى اللبدً المادي الواحد، فهي مجرد تعبير عن شيء مادي يوجد في الواقع المادي. وأخيراً، المادة تسبق التاريخ كذلك، ولذا فكل تطور يتوقف على الظروف المادية والاقتصادية (على سبيل المثال: تطور أدوات الإنتاج وعلاقات الإنتاج والمنفعة المادية الاقتصادية وقوانين العرض والطلب). ونوع الإنتاج في الحياة المادية شرط تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية على العموم. فالبناء الفوقي (الفكري والعقلي والنفي) يرة في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، إلى المادة، أو ما يسمى البناء التحتي. والإنسان في هذا الإطار “إنسان طبيعي”، أي إن سقف وجوده ووعيه هو السقف الطبيعي المادي. ويتفرع عن هذا الإنسان الطبيعي الإنسان الاقتصادي، الذي يحركه ويحدد سلوكه خب مراكمة الثروة أو علاقات الإنتاج ووسائل الإنتاج. كما يتفرع عنه الإنسان الجسماني، الذي تدفعه غدذه أو جهازه الهضمي أو العصبي أو التناسلي. إنه إنسان يرةً إلى ما هو غير إنساني. وأنا أذهب إلى أن هذه هي خطيئة المادية والعلمانية الشاملة، فهي لا تكتفي برد بعض أبعاد الإنسان إلى المادة، وإنما تصر على رد الإنسان في كليته إلى عام الطبيعة/المادة، فتنزع القداسة عنه وتراه على أنه مادة محص.

س: ما وصفته هو المادية المتطرفة أو السوقية، ولكن ماذا عن المادية المعتدلة أو الجدلية، وثمة فرق بينها؟

ج: المادية المتطرفة أو الشوقية تذهب -كما يرى البعض- إلى أن العالم الحقيقي هو مجرد مادة تتغير في أحوالها وعلاقاتها المادية، وأن كل ما هو إنساني مجرد حركة للمادة. أما المادية المعتدلة فتحاول الوصول إى رؤية أكثر تركيباً. ومع هذا، فإن كلاً من هاتين الرؤيتين، السوقية المتطرفة والمادية الجدلية، تفرض، في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، أسبقية المادة على كل الظواهر التي ترةً، بعد كل هذا التهويم، إلى المبدأً المادي الواحد.

ولابد من الاعتراف أن بعض أشكال المادية بلغت مؤخراً درجة عالية من الضقل والتركيب، إذ يرى بعض الماديين أن الخلق قد تم بالمصادفة، ولكن من خلال عمليات مادية عديدة، فبعد أن ظهرت الأميبا أحادية الخلة ظهرت كائنات مكونة من خلايا مركبة أدت في نهاية الأمر إلى ظهور الإنسان، كائن أصله مادي، ولكنه أكثر تركيباً من المادة. بل إ بعض هؤلاء الماديين يقولون: إن ظهور الغرض والغاية في العالم تم هو الآخر من خلال عمليات تطورية مادية. ولذا، فهم يتحدثون عن “المادة رفيعة التنظيم”، و”ذاتية التنظيم”، و”الخلق الذاتي”، وكأن المادة المتحركة المتغيرة الصماء قد ولدت من داخلها وعياً وتنظيماً ذاتياً، وشكلاً ومعقولية ومعيارية!.

إن هؤلاء الذين يرون أن المادة (من خلال المصادفة وحدها أو أدة عملية أخرى) قد أدت إلى ظهور عناصر متجاوزة للمادة مثل “الإنسان” و”الوعي” و”العقل” و”الغائية”، هم – في نهاية الأمر- ينسبون إلى المادة مقدرات غير مادية. ومن ثم، فإنهم يكونون قد خرجوا عن مقاصد الفلسفة المادية، خصوصاً أن فرضياتهم لا تخرج عن كونها تكهنات عندة طفولية، تضمن لهم الاستمرار في ماديتهم، وتضمن لهم في الوقت ذاته تفسير ما حولهم من تركيب ووعي وغائية! (ولعل هذا هو أحد أشكال محاولة الإنسان العلماني الوصول إلى ميتافيزيقا دون أعباء أخلاقية، فالإصرار على أسطورة الأصل المادي هو الذي يحميهم من المسؤولية الأخلاقية!).

س: كيف تقول بأن عام الحواس عام مفلس، مع أنه مايء بعددد من التفاصيل الرية؟

ج: أولاً عام الحواس هو عام المادة الذي يقاس، ويتسم بأن له خواص مثل الكثافة والحركة والوزن والطول والعرض وهكذا. وهذه كلها صفات تستحق الاحترام، لكن لنتخيل أننا ندرك إنساناً من خلال هذه الخصائص وحسب، فمن المؤكد أن يكون هذا الإدراك اختزالياً ظالماً، ولا يعقل أن دحب شخصاً أو نكرهه على أساس الوزن والتحرك والكثافة وهكذا … ولذلك يجب علينا أن نصل إلى طريقة لإدراك أبعاد الإنسان الأخرى، ومن ثم يجب أن تتم عملية إدراك الإنسان بطريقة تختلف عن طريقة إدراكنا للنحل مثلاً. ومحاولات التنبؤ بسلوك الإنسان يجب أن تختلف عن محاولات التنبؤ بسلوك النحل. ففي حالة النحل مثلاً ثمة مثير واستجابة، فحينما يشم رائحة زهرة معينة نجده يتجه نحوها. ولكن الإنسان مختلف، والمسألة ليست مثيراً واستجابة وإضا ثمة مثير، وثمة عالم الرمز والوسائط ثم عام الاستجابة. ولنأخذ مثلاً بسيطاً. رائحة طعام ما قد تكون جيدة ومحببة عند شخص ما، في حين تكون مقيتة عند شخص أخر، ومكن أن تكون محببة لشخص ما في مرحلة من حياته، ومقيتة في مرحلة أخرى، فما بالك إذا كان الأمر متعلقاً بالوطن والأرض. وهذا يساعدنا على فهم الصهاينة الذين يتصورون أن الوطن عقار قابل للبيع والشراء فيخلطون بين الأوطان والعقارات، وبالنسبة إليهم الأرض شيء يمكن بيعه وشراؤه، وكأننا في السوق، أما الذاكرة التاريخية والارتباط بالأرض فأمور لا أهمية لها في تصورهم، من هذا المنظور يمكنني القول: إن الفكر الصهيو، بسبب أن إدراكه محصور بالحواس الخمس وبما يقاس، فكر مفلس تماماً يخفق في إدراك الفلسطينيين العرب وسلوكهم، وأعتقد أن الشيء نفسه ينطبق على النخة الحاكمة الأمريكية في رصدها للعام العربي والإسلامي.

انظر أيضا

حوار مع الفيلسوف عبد الوهاب المسيري

الجزء الأوّل

https://makhlabiali.info/wp-content/uploads/2020/10/حوار-مع-عبد-الوهاب-المسيري-ج-1.pdf