الجذور العلمانية في فلسفة كانط،

الحداثة بدنيويتها الصارمة

نصر آبادي، رضا گندمي، “الجذور العلمانية في فلسفة كانط ، الحداثة بدنيويتها الصارمة”،  في مجلّة الاستغراب، العدد 9، السنة 3، خريف 1439/2017، ص ص 75-98.

على الرغم من أن كانط لم يبحث في هامش العلمانية، بيد أن جذور العلمانية بادية بوضوح في جميع مؤلفاته ولا سيما تلك المرتبطة بدائرة الحقل العملي وخاصة كتاب (الدين في دائرة العقل المجرّد). وهناك الكثير من الأسئلة التي تثار في هذا الشأن، وفيما يلي نشير إلى بعضها: ما الدور الذي لعبته فلسفة كانط ـ الأعم من النظرية والعلمية ـ في ظهور الفكر العلماني وانتشاره؟ وأي واحد من أفكاره مهّد السبيل إلى الدنيوية؟ وأي منها عبّد الطريق أمام الأفكار اللاحقة للمفكرين المتأخرين؟ ثم من الأشخاص والمدارس الفكرية الذين تأثروا بأفكار (كانط) في هذا الشأن بالتحديد؟ ما حجم تأثر أفكار من قبيل الأخلاق العالمية ـ التي قام (هانس كونج)[2] بالترويج لها ـ أو المعنوية والأخلاق المجرّدة من الدين التي تحظى بالكثير من الأنصار في العصر الراهن، ونوع هذا التأثر بأفكار (إيماونيل كانط)؟ ما نسبة الأبحاث المقدّمة في حقل التعددية الدينية إلى العلمانية وبالتالي إلى أفكار (كانط) في هذا الشأن؟

في هذا المقال سنكتفي بالإجابة عن السؤال الأول فقط. وهو السؤال القائل: ما الدور الذي لعبته فلسفة كانط ـ الأعم من النظرية والعلمية ـ في ظهور الفكر العلماني وانتشاره؟ وقبل كل شيء نقدم خلاصة لآراء (كانط) في نقد العقل المحض، وارتباطها بالعلمانية، لننتقل بعد ذلك إلى أعماله في حقل نقد العقل العملي.

لقد اقتدى كانط في الكشف عن مجهولات الإنسان بسقراط. فهو يرى أن معرفة الجهل ـ في حد ذاتها ـ علم. ولذلك فإن العبارة القائلة: (يجب أن أزيل العلم، كي يُفسح المجال للإيمان)[3]، يجب أن تُفهم في هذا السياق. والذي يجب أن يزول في البين هو العلم الكاذب وليس العلم الحقيقي، وبعد زواله ينفتح الطريق أمام الاستدلال العلمي والأخلاق والدين الحقيقي. وبذلك يتم وضع حدّ (لجميع الاعتراضات المثارة ضد الأخلاق والدين، بطريقة سقراط القائمة على الاستدلال الواضح على إثبات جهل المخالفين، مرّة واحدة وإلى الأبد)[4].

لقد كان (إيمانويل كانط) يهدف إلى: (دراسة مصادر معرفتنا ومقدار توجيهها، وهو أمر سيبقى منوطاً بالفلسفة إلى الأبد، ولا يمكن لأي عصر أن يتنصّل عن حمل هذه المسؤولية من دون معاقبته لنفسه)[5]. وقد تعرّض (كانط) لهذه المسألة في القسم الثاني من المنطق الاستعلائي، أي الجدل الاستعلائي. لا يمكن إطلاق المعقولات إلا على المشهودات. بيد أن ماهية العقل تقتضي الذهاب إلى أبعد من الزمان والمكان. والعقل يسعى إلى العثور على شروط الشروط، بمعنى ذلك الشيء الذي يعد شرطاً لجميع الأمور المشروطة. وبعبارة أخرى: إن العقل يسعى إلى العثور على الأمر غير المشروط. هذا الأمر ماثل أمام ما يقتضيه العقل، بيد أن الاعتقاد بوجود الأمر غير المشروط خاطئ. فالفهم يتعلق بالأمور المشروطة، والعقل يتعلق بالأمور غير المشروطة.

وعليه فإن جنوح العقل نحو الأمر غير المشروط ليس خطأ. وإنما الخطأ يكمن في طريقة الاستفادة منه. إن مفاهيم من قبيل الله، لها خاصية تنظيمية، وتعمل على توحيد معرفتنا. (تكمن أهمية توظيف النظام في كونه شيئاً يعمل على توجيه المعرفة. فالمعرفة تمضي قدماً وتنتشر وكأن هناك وجوداً لهذه الأشياء، وإن غايتنا من المعرفة هو التعرّف إليها. وإن المسار التقدّمي للمعرفة نحو هذا الهدف وهذه الغاية المثالية، لا يعرف التوقف)[6]. تقوم فلسفة (كانط) على أن المعرفة تشق طريقها وكأن هناك وجوداً لهذه المتعلقات (وربما كان لها وجود بطبيعة الحال)، بيد أن كل جهود العقل لإثبات وجودها محكومة بالفشل. وبطبيعة الحال ينبغي ألا يتبادر إلى الذهن من إنكار وجودها أن وجودها مفروض (يجب علينا في تصور النظام أن ننظر بعين القاعدة التي تحثنا على الدوام إلى البحث عن وحدة أكثر شمولية، ولكن علينا ألا نتوهم الوصول إلى هذه الوحدة أبداً)[7].

في بداية القرن الثامن عشر للميلاد شاعت ثقة مفرطة بأن الذهن البشري يستطيع الوصول إلى مجموعة كبيرة من المعارف العينية عن عالم الماهية. بيد أن (كانط) يؤكد في المقابل محدودية المعرفة البشرية. وحصيلة انتقادات (كانط) في العقل النظري تتلخص في المسائل الآتية:

1 ـ لا يمكن تحصيل المعرفة من الانطباعات الحسية البحتة أو المفاهيم المنبثقة عن الذهن فقط. إن المعرفة البشرية هي حصيلة التعاطي بين الحسّ والفهم: (إن الفكر الخالي من المضمون هو فكر فارغ، كما أن الشهود الخالي من المفهوم هو شهود أعمى[8]. إن المعرفة البشرية إنما تتعلق بالظواهر، وهي الأمور التي تشاهد في إطار الزمان والمكان، ويمكن إطلاق مقولات الفهم عليها. إن التجربة تمثل شرطاً ضرورياً في المعرفة، ولكنها ليست شرطاً كافياً. إن المعرفة تعني إطلاق مقولات الفهم على المعطيات الحسية. وفي مورد الأشياء في نفسها يمكن القول: أولاً: إنها موجودة؛ إذ لا بد من أن يكون هناك شيء كي يمثل تجلياً وظهوراً للأشياء التي نشاهدها في إطار الزمان والمكان. وثانياً: إن العلة هي الشيء الذي نشاهده في إطار الزمان والمكان، أو عالم الظواهر والتجليات بعبارة أخرى. وخلاصة القول: إن ماهية الأشياء محجوبة عنا، ولكننا نستطيع القول إنها موجودة. ويجيب (كانط) عن مشكلة (هيوم)[9] قائلاً: إن ذهن الإنسان يصدر الأمر إلى تجربته. فلا يمكن للأمر أن يأتي من موضع آخر. إذ يرى (كانط) أن العالم يمثل انعكاساً للذهن، وليس العكس. وفي الحقيقة فإن الثورة الكوبرنيقية لـ (كانط) قد حدثت في هذا الموضع بالتحديد. فبدلاً من تطابق أذهاننا مع الأشياء، يجب على الأشياء أن تتطابق مع أذهاننا. واللازم المنطقي لذلك هو أن الذهن البشري لا يقتصر على اكتشاف الحقيقة فقط، وإنما هو يوجدها أيضاً. إن المدخل الإنساني إلى الفلسفة الذي ظهر على يد (ديكارت)[10]، قد تحول عند (كانط) إلى نوع من الضرورة الفلسفية. لقد تحدّث (كانط) في الجدل الاستعلائي عن مفاهيم ذات منشأ تجريبي، ولا يمكن لمفاهيم الذهن أن تطلق عليها. وبعبارة أخرى: إن إطار الزمان والمكان لا يستوعبها. ويرى أن مفهوماً مثل الله هو من هذا القبيل؛ إذ إن ذهن الإنسان لا يستطيع وضع الله في إطار الزمان والمكان والمقولات الذهنية، وأن يقدم تصوراً عنه. فإن الله موجود وراء الزمان والمكان. ولا يخفى أنه يرى عدم إمكان إثبات الله أو إنكاره بواسطة العقل النظري. ومن المناسب هنا أن نواصل البحث من زاوية أخرى بغية إدراك محدودية المعرفة البشرية فيما يتعلق بموضوع الحداثة والعلمانية المترابطتين فيما بينهما ارتباطاً وثيقاً، على نحو أفضل.

لقد بدأت الحداثة بفهم جديد للعقل. وافتتح (ديكارت) باكورة تفكير جديد يتمحور حول تأصيل الإنسان والعقل البشري. وقد تغير التصور التقليدي للعقل ـ بوصفه عقلاً كلياً أو العقل المتمحور حول الإله[11] ـ عند ديكارت إلى العقل المتأصل بذاته أو العقل الجزئي أو العقل الجدلي[12]. ومن خلال هذا الفهم للعقل والعقلانية بدأت الحداثة، وكان من خصائص هذه الحداثة تفوّق العقل على الإيمان، وتقدّم الفلسفة على اللاهوت، وتفوّق الطبيعة على الفيض، وتفوّق الأخلاق الطبيعية على الأخلاق المسيحية[13].

هناك اختلاف في الآراء حول من هو مؤسس الحداثة. فهناك ـ بالالتفات إلى ما تقدم ـ من يرى (ديكارت) هو المؤسس للحداثة، وهناك من ذهب ـ لأدلة سنأتي على ذكرها ـ إلى القول إن مؤسس الحداثة هو (إيمانويل كانط)، وهناك قلة قليلة ذهبت إلى عدّ (هيجل)[14] أباً للحداثة. بيد أن (إدموند هوسرل)[15] يرى أن (كانط) لا يمكن أن يكون هو المؤسس للحداثة؛ إذ هو عنده يسير على ذات النهج الذي بدأه (ديكارت). يستند (كانط) إلى شكل من الذهن الاعتقادي واعتبار الموضوع. وخلافاً لـ (هوسرل)، يذهب (مارتين هايدغر)[16] إلى الاعتقاد أن (كانط) هو الباعث الأول للحداثة الفلسفية[17]. وهو يرى أن سعي (كانط) في إظهار محدودية الوجود الإنساني من خلال محدودية إمكانية معرفته، مسألة جديدة. لقد أسهم بحث كانط في محدوديات العقل الإنساني وفاعلياته في رفع عقبة كبيرة من أمام الفلسفة الحديثة.

لا شك في أننا إذا عددنا (إيمانويل كانط) أب الحداثة ـ كما يذهب إلى ذلك كل من (هايدغر)، والفيلسوف المعاصر (جان فرانسوا ليوتار)[18] ـ يجب أن نبحث عن جذور العلمانية في فلسفته النظرية والعملية. إذ إن الحداثة ـ كما تقدّم ـ تمثل واحدة من خصائص العلمانية والدنيوية. قال جان فرانسوا ليوتار: (إن كانط يمثل بداية الحداثة ونهايتها في وقت واحد، وحيث كان نهاية الحداثة، فهو بداية ما بعد الحداثة أيضاً)[19]. الغرض أن ماهية هذه الفلسفة بحيث تؤدي إلى تغييرات مفهومية وإلى إعادة تقييمات تفوق مجرّد رواية كيفية تطوّر تلك المفاهيم على طول التاريخ. كان (إيمانويل كانط) يؤكد استقلال العلم في بيان طبيعة الأخلاق واستقلالها في حقل العمل والغايات الإنسانية، وهذا في الحقيقة هو معنى العلمانية والدنيوية. فعمد إلى تحويل الدين إلى الأخلاق، واعتبر الله بوصفه فرضية لا محيص عنها. وبعد أن حصلت الأسس الأخلاقية على استقلالها عن الدين، وطرح الدين الطبيعي، فقد الله صفة الآمر المطلق، كما فقدت الأديان السماوية والكنيسة مكانتها بوصفها مؤسسة مقدسة، وتمت إزاحة الشريعة (المناسك والتعاليم) جانباً، وتم التأكيد على أن الدين حالة داخلية، وأخذ ينظر إلى الإنسان بوصفه غاية، وليس مجرّد أداة أو وسيلة.

إن الفلسفة التنويرية هي حصيلة جهود ثلاثة أجيال وثيقة الصلة من الفلاسفة، إذ بدأت هذه الفلسفة بـ (مونتسكيو)[20]. ويقع (كانط) في الجيل الثالث من هؤلاء الفلاسفة. وقد بيّن مراده من التنوير بشكل واضح في مقال له بعنوان: (ما التنوير؟). وقد عرّف التنوير بأنه: (خروج الإنسان من مرحلة الطفولة). إذ يرى أن هذه الطفولة تحول دون توظيف الإنسان فهمه وعقله في مواجهة العالم. فهو يرى أن الجبن والكسل يدفعان بالكثير من الأشخاص ـ على الرغم من بلوغهم واجتيازهم مرحلة الطفولة ـ إلى البقاء في مرحلة الصغر، وأن يوفر ذلك الفرصة لغيرهم كي يُنصّبوا أنفسم قيّمين عليهم، واستغلالهم من هذه الناحية.

لقد نجح (كانط) في بيان هذه المسألة بوضوح في مقاله (ما التنوير؟)، إذ يقول:

(التنوير هو تحرر الفرد من الوصاية التي جلبها لنفسه. الوصاية هي عدم قدرة الفرد على استخدام فهمه الخاص من دون توجيه من الآخر. ليس القصور العقلي سبباً في جلب الوصاية، بل السبب انعدام الإقدام والشجاعة على استخدامه [أي العقل] من دون توجيه من الآخر. تشجّع في استخدام عقلك لتعلم!… هذا هو شعار التنوير: (فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك الخاص)!… إن الكسل والجُبن هما سببا بقاء شريحة كبيرة من البشر قاصرة مدى الحياة، حتى بعد أن حررتهم الطبيعة من أيّ وصاية خارجية، وهما سببا سهولة أن يُنصّب الآخرون أنفسهم أوصياء على هذه الشريحة. من السهل أن يكون المرء قاصراً. حين يكون عندي كتاب يفكر بدلاً مني، وقسيس يؤنبه ضميره بدلاً مني، وطبيب يقرر لي تغذيتي، وهكذا دواليك… فلا حاجة لأن أجهد نفسي! لا أحتاج لأن أفكر؛ ما دمت أستطيع دفع الثمن، فسيقوم الآخرون بهذه المهمّة الشاقة من أجلي… التنوير لا يتطلب إلا الحرية، وأبسط ما يمكن تسميته حرية هو أن يكون الفرد حرّاً لاستخدام عقله الخاص علنياً في كل الأمور. لكنني أسمع من الجميع مقولة: (لا تجادل!.. الضابط يقول: لا تجادل، نفّذ!.. جامع الضرائب يقول: لا تجادل، ادفع!.. القسيس يقول: لا تجادل، آمن!.. لا يوجد في العالم إلا حاكم واحد يقول: جادل كما تشاء وعمّا تشاء، ولكن أطع!).. نجد في كل مكان قيوداً على الحرية. ولكن أيّ هذه القيود يعيق درب التنوير؟… أجيب: إن استخدام الفرد عقله علناً يجب دوماً أن يكون غير مقيّد، هذا وحده ما يجلب التنوير)[21].

ثم جاء دور (فريدريش نيتشة)[22] ليعدّ التدين مرادفاً لمعنى الطفولة. وفي ردّ فعل منه تجاه مضمون النص المقدس الوارد على لسان المسيح عيسى (ع): (الحق أقول لكم: إن كنتم لا تتغيّرون وتصيرون مثل الأطفال، فلن تدخلوا ملكوت السماوات)[23]، ردّ بالقول: نحن لا نريد ملكوت السماوات، لأننا بلغنا مبلغ الرجال، وإنما نريد ملكوتاً أرضياً.. وعليه فإن التنوير يعني الوصول إلى مرحلة البلوغ والتحرر من قيود الجهل والضياع. فمملكة الله ـ من وجهة نظر نيتشه ـ عبارة عن تغيير داخلي يحل لدى الفرد، وليس أمراً زمانياً / تاريخياً[24]. لقد رأى فلاسفة التنوير ـ ومنهم (إيمانويل كانط) ـ أرباب الكنيسة في مقابلة العقل؛ إذ إنهم قالوا بمرجعية العقل في تفسير الطبيعة والإنسان والمجتمع، ومما قاله (كانط) في هذا الشأن:

(إني أضع المعطى الرئيس للتنوير ـ بمعنى خروج الإنسان من مرحلة الطفولة التي اختارها لنفسه ـ ضمن الأمور الدينية. وإنما أقوم بذلك لأن حكامنا لا يبدون ـ في المسائل الفنية والعلمية ـ أدنى رغبة في الإشراف على أتباعهم. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاستناد الديني أكثر ضرراً وإذلالاً من جميع العوامل الأخرى)[25].

جذور العلمانية في نقد العقل العملي

إن آراء (كانط) في حقل فلسفة الأخلاق لا تقتصر على كتاب واحد من أعماله ومؤلفاته. فبالإضافة إلى كتابه (نقد العقل العملي)، له الكثير من الكتب والأعمال الأخرى من قبيل: (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق)، و(دروس في فلسفة الأخلاق)، و(الدين في حدود مجرّد العقل)، ومقالات من قبيل: (ما التنوير؟)، و(نهاية جميع الأشياء)، فقد كتبت بأجمعها في معالجة هذا الموضوع. ولا يخفى أن الخوض في جميع هذه المؤلفات والأعمال في غاية الصعوبة، ومن ناحية أخرى فإن عنوان بحثنا يقتضي الاقتصار على مجرّد أسس العلمانية في العقل العملي فقط. ومن بين العنوانات المتقدمة سيكون استنادنا في الغالب إلى كتابي: (تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق)، و(الدين في حدود مجرّد العقل). والكتاب الأول بالمقارنة إلى كتاب (نقد العقل العملي) يؤدي ذات الدور الذي اضطلعت به (التمهيدات) بالمقارنة إلى (نقد العقل المحض) مع فارق أنه كتب قبل سنوات من (نقد العقل العملي).

وقبل كل شيء نواجه السؤال القائل: ما نسبة كتاب (نقد العقل العملي) لـ (كانط) بكتابه الآخر (نقد العقل النظري) وما علاقته به؟ هل يعدّ نقد العقل العملي لكانط نوعاً من العودة إلى مرحلة ما قبل نقده، أو أنه عمل هناك على أساس المنهج النقدي أيضاً؟ هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأن فلسفة كانط النقدية تنحصر بنقد العقل النظري فقط. فقد كتب (نقد العقل العملي) ـ على حدّ تعبير الشاعر الألماني هاينرش هاينه[26] ـ إرضاءً لخادمه (لامبيه)، وإلا فإنه لم يكن ملتزماً بالأخلاق ووجود الله وبقاء النفس. إن الآراء الأخلاقية لـ (كانط) ـ بزعمه ـ لا تختلف عن مرحلة ما قبل النقد، لذلك يجب البحث عن فلسفته الأصيلة في نقد العقل النظري.

يرى (كانط) أن العقل شيء واحد، ولكن له ناحية نظرية، وأخرى عملية. وإن العقل العملي هو العقل بالمعنى الكلي للكلمة وهو المجهّز بالإرادة. وبعبارة أخرى: هو الذي يعمل على توجيه الإرادة. وفي الحقيقة فإن عدم إمكان معرفة الله بوساطة العقل النظري يفتح الطريق أمام معرفة من نوع آخر، أي المعرفة من طريق العقل العملي وعلى أساس الأخلاق. من هنا أخذ الإنسان يدرك في داخله ما كان يتوقع معرفة من السماء المفعمة بالنجوم دون أن يدركه. لا يمكن للإنسان أن يتعرّف إلى ما وراء الطبيعة في نقد العقل النظري. لا نرى في نقد العقل العملي سعياً إلى بسط وتوسيع دائرة معرفة الإنسان، وإنما هو مجرّد سعي إلى إقامة أصول لا تستند إلى ما بعد الطبيعة (الأعم من الدينية وغير الدينية). للتفريق بين العقل النظري والعقل العملي يجب الفصل بين الفاعل المعرّف والفاعل الأخلاقي. فالعقل الأول يسعى إلى الحصول على المعرفة الحقيقية، ومثل هذا الأمر غير ممكن في الميتافيزيقا: (إن الفاعل الأخلاقي ـ دون أن يكون له شأن بالمعرفة ـ يرى نفسه مسؤولاً ويجد القانون الأخلاقي في ذاته، ويتجه سعيه نحو تحقيق العمل الأخلاقي)[27].

التربية الدينية لكانط

ولد كانط في أسرة تعتنق آراء الفرقة التقويّة[28]. وهي فرقة بروتستانتية ظهرت في النصف الثاني من القرن السابع عشر للميلاد، لمواجهة الكنيسة الرسمية ذات الطابع السطحي والقشري. وكانت هذه الفرقة تدعو إلى التقوى والطهر، وتعلي من شأن القلب والحياة الباطنية. وإن الحياة الأخلاقية من وجهة نظر أتباع هذه الفرقة ذات بعد فردي وشخصي. وخلاصة القول إن أسرته وأساتذته كانوا بأجمعهم شديدي التمسّك والاعتقاد بتعاليم هذه الفرقة، وتؤكد الشواهد أن (كانط) نفسه كان وفياً لتعاليم هذه الفرقة إلى حدّ التضحية والتفاني. ومن هنا لم يكن (دان كيوبيت) مجانباً للواقع عند وصفه  (كانط) بالبروتستانتي المتطرّف[29]. تذهب الفرقة التقوية إلى القول إن القوانين الإلهية لا تقبل التغيير والتبديل، وكان (إيمانويل كانط) شديد التمسّك بتعاليم هذه الفرقة، فقد ذهب في دينه الطبيعي ـ أي الأخلاق المستقلة والمتحرّرة من الدين ـ إلى التأكيد على وجود القوانين العامة والكلية. إن منشأ هذه القوانين هو العقل البشري، ولذلك فإنها لا تتغيّر بتغير الزمان والمكان. ومن هنا فإن هذه القوانين تتمتع بقيمة مطلقة، من دون القيمة النسبية.

وقد نجحت البروتستانتية في تشذيب العالم من الخرافة؛ حيث لا مكان في هذا المذهب للتقديس والرمزية والمعجزة. فحيث تذهب الكاثوليكية إلى وجود الكثير من القنوات التي يمكن للفرد أن يرتبط من خلالها بالأمر القدسي، عمدت البروتستانتية إلى قطع الحبل المتصل بين السماء والأرض. وقد ذهب (إرنست كاسيرر)[30] إلى القول بتأكيد عصر التنوير على هذه المسألة. وقد ذهب فلاسفة تلك المرحلة إلى الاهتمام بسعي الفرد ونشاطه بدلاً من تعليق الآمال على السماء وانتظار العون منها. لم تكن إزالة الخرافة من العالم أمراً مقصوداً. إن هذا المذهب إنما أبعد العالم عن مقام الألوهية، ليؤكد عظمة الخشية من الله تعالى، ودفع بالإنسان نحو الضياع التام، ليجعله في معرض الفيض الإلهي المطلق. إن القناة الرفيعة الوحيدة للارتباط بالأمر المقدس كانت تتمثل بكلام الله: (حسبنا الكتاب المقدس). يقول بيرغر: (لم يكن ظهور العلمانية بحاجة إلى شيء غير قطع هذه القناة الرفيعة الرابطة بين السماء والأرض)[31]. فهو يرى أن إزالة الخرافة من العالم قد بدأت بالعهد القديم. إن الخصيصة المشتركة بين الحضارة المصرية وحضارة ما بين النهرين تكمن في التعرّف إلى العالم بمعنى الارتباط بين الظواهر الطبيعية وما فوق الطبيعية. وكان طغيان نهر النيل مرتبطاً بشكل وثيق بالتمرّد على إرادة الفرعون. إن اقتران (إعلاء) الله بـ (إزالة الخرافة من العالم) حوّل التاريخ إلى ساحة للأعمال البشرية. يقول (شارل لارمور): (إن الله من العظمة بحيث يجب ألا يكون). وهذا الكلام من اللوازم المنطقية للرؤية المتقدمة. خلاصة القول: إن العالم أخذ يخلو من الله بالتدريج، وتمّ وضع خط فاصل وسدّ منيع بين الدنيا والأمر المقدس.

ترتبط العلمانية بتعريف الدين ارتباطاً وثيقاً. وبعبارة أخرى: إن تعريفنا العلمانيةَ يتوقف على تعريفنا الدين. والتعريفات المقدمة للدين لا تخرج من إحدى حالتين: فهي إما تعريفات جوهرية، أو تعريفات تطبيقية. فإن التعريف الذي يقدمه للدين كل من (تشارلز تيلور)[32] و(إميل دوركهايم)[33] ـ على سبيل المثال ـ هو من التعريفات الماهوية، بمعنى أن هؤلاء المفكرين يسعون إلى تعريف ذات الدين وماهيته. فقد عرّف (تيلور) الدين بـ (الكائنات الروحانية)، وذهب (دوركهايم) إلى اعتبار تمييز الأمر المقدس من غير المقدس بوصفه جوهر الدين. فهو يرى (أن الدين عبارة عن سلسلة من المعتقدات والأعمال المرتبطة بالأمور المقدسة). إن التعريفات التطبيقية تنظر إلى الدور الذي يلعبه الدين، ولا تنظر إلى جوهره. وفيما يلي علينا أن نرى إلى أي هذين النوعين من التعريفات ينتمي التعريف الذي يقدّمه (كانط) للدين. يبدو أن تعريف (كانط) الدين هو من النوع الأول. ولكن كما يقول ـ مؤلف كتاب سوسيولوجيا الدين ـ (دانيال هيرفيه ليجيه): (إن الحداثة تعمل على إيجاد دينها الخاص). فإن (كانط) من خلال تعريفه الدين، جاء بدين مختلف عن الأديان السماوية، وقد أطلق على هذا الدين مصطلح (الدين الطبيعي).

لقد عمد (إيمانويل كانط) إلى تعريف الدين بقوله: (إن الدين يعني معرفة جميع التكاليف بوصفها من الأوامر الإلهية)[34]. إن هذا التعريف بحاجة إلى الإيضاح من ثلاث جهات في الحد الأدنى:

1 ـ إنه لا ينظر إلى الدين بوصفه موضوعاً للمعرفة النظرية، بل الدين من وجهة نظره موضوع للرغبة الأخلاقية[35]. من هنا يجب أن نصوغ التعريف المتقدم على النحو الآتي: (الرغبة الأخلاقية لمراعاة جميع الوظائف والمسؤوليات بوصفها أوامر إلهية)[36].

2 ـ ليس هناك من ضرورة لأن تكون لنا تكاليف خاصة تجاه الله لكي نكون متدينين. فالدين لا يحتاج إلى أي تكاليف وراء التكاليف الذي ترفضها علاقتنا بالآخرين[37].

3 ـ إن (كانط) ينكر ضرورة جميع أنواع معرفة الله النظرية للدين؛ إذ إن هذا النوع من المعرفة خارج متناولنا. وفي الحقيقة ليس من الضروري أن نؤمن بوجود الله لكي نكون متدينين، بل يكفي أن نفترض وجوده[38].

إن لازم الدين ما يلي:

1 ـ ثمة وظائف وتكاليف مترتبة عليّ.

2 ـ هناك نوع معرفة عندي عن الله.

3 ـ يمكن لي تصور التكاليف بوصفها شيئاً أراده الله، ثم أقوم بامتثالها.

وبهذا المعنى يمكن أن أكون متديناً، حتى إذا كنت في الواقع لاأدرياً. إن وعيي الوظيفة يكتسب حيويته من التصوّر القائل: إذا كان الله موجوداً إذن تكون التكاليف الملقاة على عاتقي أوامر إلهية. ولكن لماذا يجب علينا أن نتصور أن التكاليف الملقاة على عاتقنا هي كما لو أن الله أمرنا بها؟ إن (كانط) بإنكاره أخلاق اللاهوت القائمة على الدين، ردّ الرأي القائل إن للدين دوراً تشريعياً في معرفتنا التكاليف أو في بعثنا وتحفيزنا إلى أداء التكليف[39]. يقول (كانت: إن تصوّر التكاليف بهذا الأسلوب ينسجم إلى حدّ ما مع بحثنا عن الخير الأسمى. يجب أن تغدو تكاليفنا كما لو أنها أوامر صادرة عن الخير الأسمى؛ إذ إننا إنما نستطيع أن نعقد آمالنا على الخير الأسمى من طريق الإرادة الأخلاقية الكاملة، وإنما يمكن لنا الحصول على هذا الأمل من خلال التناغم مع هذه الإرادة. وحيث إن تصوّرنا الإرادة الإلهية مقتبس ـ بحسب الفرض ـ من تصوّرنا الأخلاق، يجب أن نعدّ تكاليفنا منسجمة مع الإرادة الإلهية. ولكن لماذا يجب أن نعدها كما لو كانت من التكاليف الإلهية؟ هذه هو الموضوع الذي سنبحثة قريباً.

يرى (كانط) أن الدين السماوي في صورته الأولى قد بدأ باليهودية، ولكن حيث امتزجت اليهودية بالقومية، فإن هذا الدين لم يتحوّل إلى ديانة عالمية. وبعد اليهودية حازت المسيحية شأناً عالمياً، واصطلح عليها (كانط) تسمية الدين الكنسي والعالمي. لقد كانت المسيحية في الواقع تبلوراً أخلاقياً للديانة اليهودية بعد تشذيبها من المفاهيم القومية والقبلية. لقد لعبت الحكمة اليونانية دوراً ملحوظاً في إحلال المسيحية محل اليهودية. ولم يمض طويل وقت حتى شابت المسيحية بعض الرذائل الأخلاقية، ومن بين تلك الرذائل: الزهد الكاذب، والرهبانية المبتدعة، وترك الدنيا، وقتل الطاقات، والحروب الدينية، وتفتيش العقائد، وصدور أحكام الردّة، وتكفير الناس. يذهب (كانط) إلى الاعتقاد بضرورة تجاوز الأديان التاريخية والسماوية من أجل الالتزام بالأصول الأخلاقية؛ إذ إن تلك الأديان قد جنحت نحو الفساد بمرور الزمن، على الرغم من تأسيسها من قبل رجال من أمثال السيد المسيح، بذلوا كل ما في وسعهم من أجل ترسخ القواعد والأسس الأخلاقية. وحين تعرّضت المسيحية للانحراف وابتعد أتباعها عن الأخلاق ـ التي كانت هي الغاية الرئيسة من ذلك الدين ـ عمد بعض المفكرين من أمثال: (نيقولا ميكافيللي)[40]، و(سيغموند فرويد)[41]، و(كارل ماركس)[42]، إلى الوقوف بوجه المسيحية. ولم يقتصر هؤلاء الأشخاص على القول بعدم وجود أيّ صلة بين الدين والأخلاق فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ إذ قالوا إن الدين مفسد للأخلاق. إذ يذهب (ديفد هيوم) إلى القول إن أتباع الدين يسعون من خلال رعاية الشريعة وأداء المناسك أو العقائد اللاعقلانية، من أجل الاستفادة من اللطف الإلهي. وعلى هذه الوتيرة يتحول الدين إلى منشأ لفساد الأخلاق. يقول ميكافيللي إن دعوة المسيحية الناس إلى الصبر وتحمّل الأذى، محطمة للروح الإنسانية، ودعوة للإنسان كي يتقبل العبودية. يجب أن نبحث عن جذور هذا الانفصال في عصر التنوير. إن الحروب الدينية دفعت المفكرين إلى إقامة الآراء الأخلاقية وبنائها على العقل أو الدوافع العامة بين جميع الناس تقريباً. يذهب (فرويد) إلى ضرورة إبعاد الدين عن مسرح الحياة كلياً؛ لأنه يُضعف المسؤولية الأخلاقية لدى الأفراد، بل ربما شجّع في بعض الموارد على السلوك اللا مسؤول أخلاقياً من خلال الوعد بالمغفرة والصفح عن العصاة والمذنبين. إن المجتمع الذي يكون الدافع الوحيد فيه إلى التمسّك بالأخلاق هو الخوف من العقوبة الأخروية، ما إن يصل إلى مرحلة متقدّمة من التعقل حتى يزول عنه ذلك الخوف السابق، ولا يعود يحترم حقوق الآخرين. من هنا يجب الاتفاق على قواعد عقلية مشتركة لبناء العالم الأخلاقي[43].

وقد شكك كل من (أوتو) و(شلايرماخر) في الصلة بين الدين والأخلاق، لكنهما ـ خلافاً لسيغموند فرويد، وكارل ماركس ـ لم يعملا على توهين الدين لمصلحة الأخلاق، وإنما قدّما صورة للدين مستقلة عن أي أهمية أخلاقية. فقد عرّف (شلايرماخر) الدين بأنه الشعور بالتبعية للأمر المطلق. وقد بلغ (كيركيغارد)[44] الذروة في ذلك، إذ عدّ الأصول الأخلاقية تابعة للتعاليم الدينية لا العكس. فإن النبي إبراهيم ـ مثلاً ـ لم يكن يفكر إلا بالقيام بما عليه من التكليف الديني، ولم يراع في هذا الشأن أي ناحية أخلاقية؛ لأنه يزعم (أن التكليف هو الإرادة الإلهية)[45].

وقد ذهب (كانط)؛ للأدلة المتقدمة ـ بدلاً من التأكيد على الأخلاق المتمحورة حول الدين ـ إلى التأكيد على الأخلاق المتمحورة حول العقل والمنبثقة عن التعقل. فأكد الاستقلال المنطقي للمعايير الأخلاقية للتعاليم الدينية. وتعود جذور هذه المسألة إلى رسالة (أوطيفرون) لـ (إفلاطون)[46]. وفي هذا النهج يجب أن يكون العقل والوجدان هو الفيصل في الحكم على صواب الناحية الأخلاقية أو خطئها، بل حتى المعايير الدينية والأحكام الإلهية يجب أن تخضع لمحك العقل والوجدان المستقل. إن موضوع البحث في رسالة (أوطيفرون) هو تعريف التدين والإلحاد. وقيل في التعريف المذكور: إن ما تحبه الآلهة يوافق الدين، وما تبغضه الآلهة يخالف الدين. ولكن بالنظر إلى الحروب الطاحنة التي تزخر فيها الأساطير القديمة بين مختلف أنواع الآلهة، وهي حروب تنبثق عن اختلاف هذه الآلهات في تحديد القيم الإنسانية، يمكن لشيء واحد أن يكون محبوباً ومبغوضاً بالنسبة إلى هذه الآلهات. من هنا لا يمكن لهذا المعيار أن يكون معياراً دقيقاً لتمييز التدين من عدم التديّن، وعلينا العثور على معيار آخر يقول: إن العمل الذي تحبه جميع الآلهات يوافق الدين، وما تبغضه جميع الآلهات يخالف الدين، ومثل هذا الشيء غير ممكن. ومن هنا لا مناص من القول: إن التديّن يرتبط بنمط سلوكنا تجاه الآلهة. وفي الحقيقة فإن الدين نوع من الخدمة التي يقدمها الناس للآلهة. إن التدين يعني علم الدعاء وتقديم الأضاحي، وبعبارة أخرى: تقديم الهدايا إلى الآلهة وطلب الحاجة منها. وبعبارة ثالثة: إن التدين يعني علم التجارة والأخذ والعطاء. وعليه يكون التدين وسيلة لاستمالة قلب الآلهة واستدرار عطفها، وليس الشيء الذي تحبّه الآلهات أو النافع لها. وباختصار: يتضح من مجموع المسائل الواردة في رسالة (أوطيفرون) أن الأصول الأخلاقية حتى إذا قامت على أساس الدين والآلهات، لا تكون أصولاً ثابتة ودائمة. في حين أن الأخلاق المنبثقة عن العمل والوجدان ثابتة بالنسبة إلى جميع الأفراد في كافة العصور والأزمنة. لا يخفى أن المسألة الأولى قد وردت صراحة، بيد أن المسألة الثانية ـ أي قيام الأصول الأخلاقية على العقل ـ واردة على نحو الإشارة والتلويح[47].

وقد سبق لـ (جان جاك روسو) قبل (إيمانويل كانط) أن سعى إلى اتخاذ خطوات ـ وإن كانت خطوات ناقصة ـ في سياق استقلال الأصول الأخلاقية؛ إذ قال: (انظروا إلى جميع شعوب العالم، ونقبوا في جميع التواريخ، تجدوا في كل مكان نوعاً من الأصول الأخلاقية، ونوعاً من التصوّر للخير والشر). وقال في موضع آخر: (هل هناك على وجه الأرض بلاد تعدّ العقيدة والإيمان والرحمة والأصالة جريمة، ويكون فيها المحسن ممقوتاً، والمسيء ممدوحاً؟!)[48].

لقد عمد (كانط) أولاً إلى نقد الآراء التي سلكت طريقاً آخر في حقل منشأ الأخلاق ودراستها. ورأى أن (مونتي) قد أقام الأصول الأخلاقية على الأسس التربوية. وأقام (مندويل) الأسس الأخلاقية على القوانين الأساسية. وأقامها (أبيقور)[49] على أساس اللذة، وأقامها (هاجيسن) على الإحساس الأخلاقي. وذهب (كروزيوس) إلى إقامة القانون الأخلاقي الملزم على أساس الإرادة الإلهية. وقد عمد (كانط) إلى ردّ جميع هذه الآراء؛ إذ لا يمكن لأي واحد منها أن يوفر الأصول الأخلاقية السامية والملزمة[50]. فلو قيل على سبيل المثال: إن إرادة الله هي القاعدة والمناط الأخلاقي؛ يمكن لنا أن نتساءل ونقول: لماذا تجب إطاعة الإرادة الإلهية. إن (كانط) لا يقول بعدم وجوب التبعية للإرادة الإلهية، وإنما يقول إن إطاعة الله من جملة واجباتنا، ولذلك يجب علينا ـ بوصفنا كائنات عاقلة ـ أن نضع القوانين قبل إطاعة الله. وعليه فإن حاكمية الإرادة الأخلاقية تعد الأصل الأسمى في التخلق. يرى (كانط) أن الأخلاق لا تحتاج إلى أيّ شيء آخر، وإنما تقوم على أساس العقل فقط.

إن الأخلاق حيث تقوم على تصوّر الإنسان بوصفه كائناً… لا تحتاج إلى مفهوم شيء آخر يكون حاكماً عليها، وتحصل منه على تكليفها، ولا تحتاج إلى دافع آخر غير قانون العقل الذي يريد مراعاته… إن الإنسان لا يحتاج إلى الدين في تنظيم شؤون حياته أبداً، وإنما يكفيه العقل العملي الخالص؛ لأن القوانين الأخلاقية ـ بوصفها الشرط الأسمى لجميع الغايات ـ إنما ترتبط بصورة القوانين العامة للقواعد. إذن لا تحتاج الأخلاق إلى أي أرضية مادية حاسمة للاختيار الحرّ. ليست هناك أيّ غاية يمكنها أن تكون منشأ لمعرفة التكليف أو أن تكون دافعاً وحافزاً لأداء التكليف، بل عندما يكون أداء التكليف مطروحاً، يمكن للتكليف ـ أو يجب عليه ـ أن يتجرد من أيّ غاية[51].

تقوم روح التفكير (الكانطية) على استقلالية الأصول الأخلاقية؛ إذ إن الأخلاق إذا كانت قائمة على الدين، فإن شرط نظام التكليف المتمثل باختيار الإنسان وحريته لن يكون متوافراً. إن مقتضى استقلالية الإنسان يستدعي أن تكون الأصول الأخلاقية ناشئة عن ذاتها. من هنا يجب أن يكون الدين تابعاً للأخلاق، دون العكس. يؤكد (كانط) هذه النقطة دائماً، وهي أن الإنسان ليس مخلوقاً لله، بل هو مولود منه. ومعنى هذا التحوّل عبارة عن ارتقاء الإنسان وصعوده، لا تنزل الله وهبوطه. يعد ارتقاء منزلة الإنسان في اتخاذ القرارات ووضع الأصول والقواعد الأخلاقية، وكذلك التأكيد على حرية الإنسان واختياره من جهة، وعزل الله عن القيام ببعض الأمور وإعطائها إلى الإنسان، وكذلك منح بعض آليات الدين إلى العقل البشري من جهة أخرى، من أهم معطيات عصر التنوير. وفي الحقيقة إننا إذا اعتبرنا الله منشأ للأصول الأخلاقية، فإننا سنواجه السؤال القائل: لماذا يجب أن نكون أخلاقيين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تدفعنا إلى القول باستقلال مقولات الأخلاق الأساسية عن الأوامر والنواهي الإلهية. إن خصائص الدين العقلاني أو الطبيعي على النحو الآتي:

1 ـ ذاتية الدين الطبيعي

إن الدين من وجهة نظر (كانط) ـ كما سبق أن ذكرنا ـ ليس منشأ للأخلاق، بيد أن الارتباط بينهما يكمن في أن القوانين الأخلاقية تستخدم في معرفة الله. إن كل دين لا ينتمي إلى الأخلاق، سوف ينتسب إلى المناسك والطقوس الصورية والظاهرية. إن التقاليد الدينية هي من إبداعات البشر، وتعمل على تعزيز وتحفيز الروح الأخلاقية. إن كل دين هو في الأصل ذاتي وداخلي. إن الدين القائم على المناسك، وبعبارة ثانية: الدين الدائر مدار الشريعة، وبعبارة أخرى: الدين الخارجي ينطوي على مفهوم متناقض. يمكن للأعمال أن تكون لها ناحية ظاهرية وخارجية، ولكن الأعمال الظاهرية ليست هي منشأ الدين. لو أن ديناً تغلبت فيه التقاليد والمناسك على الأسس الأخلاقية، فإن ذلك الدين سيكون مآله الفساد والانحطاط. إن تأكيد (كانط) ذاتية الدين واعتباره أمراً شخصياً، قد مهّد الأرضية لأولئك الذين يؤكدون التجربة الدينية، ومن هنا يتخذون مواقف تدعو إلى التعددية مقابل الأديان[52].

2 ـ الإنسان بوصفه غاية

إن قيمة الأشياء عارضة ونسبية، فهي لا تكون ذات قيمة إلا بالنسبة إلى الذين يطلبونها، سواء لما يترب عليها من الفوائد والمنافع لهم، أو لأسباب عاطفية لا أكثر. وعليه إذا كان يجب أن يكون هناك أوامر مطلقة، يجب أن يكون هناك شيء يحتوي على قيمة ذاتية ومطلقة، بمعنى أن يكون ذا قيمة في نفسه وبما هو. ومن بين جميع المخلوقات نجد الإنسان هو الوحيد الذي يتمتع بقيمة ذاتية، ولذلك يُدعى شخصاً، ويجب اعتباره غاية بالنسبة إلى كل فرد. فإن إنسانيتنا هي وحدها التي جعلتنا نتصف بهذه القيمة: (إن كل شخص يُعدّ غاية في حدّ ذاته). وإن اعتبار كل كائن عاقل بوصفه غاية في حدّ ذاته، قد وفّر الأرضية لهذا الأصل العملي القائل: (أسلك كما لو أنك تعدّ الإنسانية في شخص أو في شخص آخر بوصفها غاية، لا أن تعتبرها مجرد وسيلة لا أكثر)[53]. إن اعتبار الإنسان بوصفه غاية، وعدم التعاطي معه بوصفه وسيلة للوصول إلى متعلق مشتهيات النفس، يؤدي إلى المفهوم القائل: (إن إرادة كل كائن عاقل، تؤسس لقانون عام).

3 ـ التأكيد على وجود الكنيسة اللامرئية

في الدين الطبيعي تضمحل المؤسسات الدينية، ولا يكون هنك شيء باسم الكنيسة. وعلى حدّ تعبير (كانط) هناك نوعان من الكنيسة، وهما: الكنيسة المرئية، وهي الكنيسة التي نشاهدها في الديانة المسيحية، وفي المقابل هناك الكنيسة اللامرئية. والكنيسة اللامرئية لا تقوم في موضع أو مكان خاص، بل هي موجودة في قلوب الناس. وفي الحقيقة يجب علينا البحث عن الروحانية الواقعية والحقيقية في هذه الكنيسة. وإن الخدمة الدينية في الكنيسة اللامرئية تكون من خلال أداء التكاليف الأخلاقية على أساس الأصول العقلانية[54]. كما يذهب جان جاك روسو إلى القول إن (القلب الطاهر هو المعبد الحقيقي للذات الإلهية). وإن الأديان سوف تكون محترمة ومقدسة بمقدار دفعها الإنسان إلى هذا الاتجاه، وأما إذا اقتصرت على مجرّد القيام بالعبادات والمناسك وأدائها بلغة خاصة وثوب معيّن ومكان خاص، وحركات بعينها، فهذا ما لن يكون جديراً بالبحث والنقاش[55].

4 ـ إن الدين الطبيعي يسعى إلى كمال الأفراد لا إلى إسعادهم

إن حسن العمل يكمن في مطابقته الشعور الباطني بالتكليف، بمعنى أنه لا ينبثق من مطابقته للقانون الأخلاقي المقتبس من تجربتنا الشخصية، بل هو مقدم على أعمالنا السابقة والراهنة والآتية. إنما الخير المطلق هو الإرادة الصالحة فقط، بمعنى إرادة التبعية للقانون الأخلاقي دون النظر إلى المنافع أو الأضرار الشخصية لنا. (لا تسع أبداً وراء سعادتك الشخصية، وإنما ليكن كل همّك هو القيام بما عليك من الواجبات)[56].

لنطلب السعادة من أجل الآخرين فقط، وأما بالنسبة إلى أنفسنا فلنطلب الكمال لا غير، سواء أدى ذلك الكمال إلى سعادتنا أو بؤسنا. (اعمل من أجل كمال نفسك وسعادة الآخرين بحيث تكون الإنسانية ـ سواء في شخصك أو في الآخرين ـ هي الغاية والغرض الرئيس، لا مجرد وسيلة وأداة)[57].

5 ـ استحالة التأسي بالسلوكيات الأخلاقية

لا وجود للقدوة والأسوة في الدين الطبيعي؛ لأن الأساس والركيزة فيه ـ وهي أصل السلوك ـ يجب أن يكون مستقرّاً في العقل، ولا يمكن استنتاجه على نحو مسبق. إن القدوة ليست للتقليد، بل للتنافس. وإن أرضية السلوك الأخلاقي يجب ألا تستنتج من التأسي بالآخرين، بل يجب استنتاجها من القاعدة الأخلاقية[58]. من وجهة نظر (كانط) (لا طاقة لذات العمل أن يتحول إلى أسوة وقدوة يمكن تقليدها). إنه يضرب لذلك مثلاً برجل يضحي بنفسه من أجل إنقاذ رفاقه في سفينة تشرف على الغرق، أو شخص يفدي روحه في الدفاع عن الوطن. إن (كانط) على الرغم من تثمينه هذا العمل، يقول مع شيء من التردد: هل يعدّ هذا الموقف واجباً كاملاً، بحيث يكرّس الفرد نفسه طوعاً وبكامل رغبته وإرادته من أجل القيام به، أم لا؟).

6 ـ استحالة اتهام الأفراد بالكفر والردّة في الدين الطبيعي

فيما يتعلق بإصدار الأحكام الأخلاقية في مورد كون الأفعال حقاً أو باطلاً، هناك تدخل من قبل قوتين ذهنيتين، وهما: العقل والوجدان. وإن التمييز بين الحق والباطل من شؤون العقل، أما الوجدان فهو مبدأ إدراك التكليف الأخلاقي. وحيث تكون دائرة أفعالنا في حقل الإمكان، فإن إدراك الضرورة في الأفعال يكون فوق حدود قدرة العقل. وكما كان أرسطوطاليس يقول في (الأخلاق إلى نيقوماخوس): إن علم الأخلاق يفتقر إلى الدقة العلمية والقضايا الضرورية. ومن هنا يزعم (كانط) استحالة الحكم الحتمي والضروري فيما يتعلق بالاعتقاد الديني لدى الأفراد. إذن لا يمكن أن نسلب حياة شخص بسبب اعتقاده الديني، كما أنه لا يمكن إكراه شخص على عقيدة دينية بوصفها عقيدة صادقة وثابتة.

7 ـ الله بوصفه فرضية

إن التنزل بالله عن مقامه وعزله في بيان الطبيعة والتشريع يعدّ واحداً من أهم خصائص الدين الطبيعي أو الأخلاق بمعزل عن الدين عند (كانط). وفي الحقيقة فإن هذه الخصيصة أكثر تأثيراً من أيّ شيء آخر في التأسيس للتفكير العلماني، وعملت على تغيير القيم التقليدية إلى حدود كبيرة واقترحت بدلاً منها قيماً جديدة. ومنذ ذلك الحين تربّع الإنسان على عرش الإله، وأخذ يصدر أحكامه بدلاً منه.

إن السعي إلى حفظ الدين وإلغاء دور الله يمثل روح العصر الحديث، ويعدّ الأرضية للدين الإنساني بدلاً من الدين الإلهي في تفكير (كانط). وبعبارة أخرى: أنسنة الدين وتشذيبه من العنصر الإلهي باسم أصالة الإنسان. وعلى الرغم من أفول الفكر اللاهوتي في عصر التنوير، ظل الاعتقاد الشخصي بالدين باقياً على حاله. وهذا ما نراه جلياً في آراء (رينيه ديكارت)، و(توماس هوبز)[59]، و(باروخ سبينوزا)[60]، و(ديفد هيوم). وأما (ديكارت) فهو من جهة يبدي تمسكه بالمسيحية، ومن جهة أخرى يخرج المعتقدات الدينية من دائرة المعرفة.

ولكي نقدم في الدين الطبيعي صورة للمقنن والمشرّع المقدس، والحاكم الخيّر، والقاضي العادل، لسنا بحاجة إلى دين آخر. يمكن تصوّر هذه الصفات في موجود باسم الله، وإن فرض وجوده ضروري في اللاهوت فيما يتعلق بأساس الدين الطبيعي، هذه هي صفات الله الأخلاقية[61]. لقد عمد (كانط) ـ بزعم (لوك فيري)[62] ـ إلى إلغاء تلك النسبة التي كان الفلاسفة المتقدمون عليه قد حافظوا عليها بشكل وآخر بين الإنسان وبين الله، وذلك بشكل جذري. لقد كان يبدي تجاه الله اهتماماً نسبياً. وقد أدرك (هايدغر) هذه المسألة بوضوح وهي أن (كانط) في تقييمه (مجرّد العقل) أثار نظريات من التناهي في قبال الفلسفة الديكارتية، يدفع بالمؤمنين بالله نحو النسبية. إن التفكير الفلسفي في القرون المتقدمة كان ينظر إلى الإنسان بوصفه عبداً، وأنه مجرّد وجود متناه يتعاطى مع الحس والجهل والمعصية والموت. لقد أسس (كانط) لنوع من التفكير الدنيوي الذي (لا نزال نبني أفكارنا على أساسه). وفي الحقيقة فقد عمد (كانط) إلى عكس النسبة. إن الموجود المتعالي أضحى فرضية من صنع البشر. لقد أضحى ذهن الإنسان موضوعاً متعالياً (يخلق تطلعه الأخلاقي على شكل إله)؛ بمعنى أن الإنسان هو الشرط في إمكان الحياة الأخلاقية. لكننا لا نرى تنظيم هذه المسألة بهذا الشكل في نقد العقل العملي. فربما حصل الله هناك على مكانة موجود أقل إيهاماً، بيد أنه حافظ على الصورة المثالية الأخلاقية للإنسانية، وهو الأصل الموضوعي الذي يتم تقديمه في آلية مقتضيات الوجود المتناهي للإنسان في إطار الأخلاق. إن الله هو الشرط في القدرة الأخلاقية لدى الإنسان. هناك نافذة مفتوحة ولكن بشكل معاكس للفضاء الدنيوي الذي نعيش فيه حالياً. إن حقيقة فلسفة (كانط) تنطوي على مفهوم علماني. إذ لا تقتصر دعوة (كانط) لنا على فصل السياسة والحقوق عن الدين فحسب، بل يدعونا كذلك إلى القول بفصل الأخلاق والثقافة عن الدين أيضاً. وذلك لأنه مفكر حداثوي[63].

يقول (لوك فيري): (لقد استحوذت النظرية النقدية لـ (كانط) على اهتمامي لسببين. السبب الأول: أنها تنطوي على تفكير قوي فيما يتعلق بالعلمانية؛ لأن فلسفة (كانط) تمثل مرحلة من الفلسفة يتحمل فيها ذهن الإنسان ـ مرغماً وللمرّة الأولى ـ ثقل المعرفة والأخلاق على عاتقه أيضاً، ويمكن اعتبار ذلك تبلوراً للتفكير العلماني. لأن فلسفة (رينيه ديكارت) تبقى ـ بشكل ما ـ حبيسة الرؤية الدينية للفلسفة؛ لأنها تبدأ بالله، ثم تبحث لاحقاً بشأن الإنسان، في حين يبدأ (إيمانويل كانط) بالإنسان، ثم يخوض في البحث عن الله بوصفه واحداً من مفاهيم العقل الإنساني)[64].

ويذهب (دان كيوبيت) إلى عدّه (كانط) و(هيجل) مصدر النزعة الإنسانية المتطرّفة (سيادة الإنسان في حقل المعرفة والأخلاق)، لكنه يرى (هيجل) أكثر علمانية ولادينية من (كانط). فهو يعبر عن (كانط) بالقول: (البروتستانتي المعتق والمتطرّف الصلب)؛ إذ إن (كانط) بزعمه يذهب إلى الاعتقاد (بأن الإحسان الأسمى لا يمكن تحققه في الداخل)، بل لا بد من النظر إلى ما وراء العالم، وأما (هيجل) فهو على الرغم من مسيحيته، قد أجاب عن جميع الأسئلة النهائية من الداخل[65].

وقد اتخذ (فتغنشتاين)[66] رؤية مماثلة لرؤية (كانط). فهو يعتقد بدوره استحالة إثبات وجود الله بالأدلة الطبيعية. فإن المعرفة محدودة بالقضايا المتعلقة بشأن الطبيعة. يجب عدم تحويل الله إلى موجود خارجي أو تحويله إلى كائن حقيقي. وهو يرى أننا كلما ركزنا على الماهية الإنسانية البحتة للغة الدينية، سوف ندرك بوضوح أن معارفنا الدينية هي معارف عملية بأجمعها، وأنه يجب التخلي عن التطلعات الميتافيزيقية، والعودة إلى الدائرة البشرية، والإحساس بالحرمة، والتوكل، والحياة، وحبّ الجار. وعليه يجب للدين أن يكون إنسانياً ليكون ديناً، وإن هذا التناقض يدفع بالدين إلى حدود النزعة الإنسانية اللادينية. يقول (فتغنشتاين): (إن المفكر الديني الصادق هو تماماً مثل البهلوان الذي يمشي على الحبل. يبدو للناظر أنه يسير في الهواء. إن نقطة ارتكازه دقيقة جداً حتى أنها لا تبدو شيئاً يذكر، ولكنه مع ذلك يستطيع مواصلة السير عليها)[67]. إنه شخص غير واقعي. كما أنه يقول: (إن الطريقة التي تستعملون فيها كلمة (الله) لا توضح ماهيته، بل لا نعلم ما الذي تقصدونه بهذه الكلمة. تقوم الفرضية على أن ذات الله تضمن وجوده، وهذا الكلام يعني في الحقيقة عدم وجود شيء في البين)[68].

بعد التخلي عن الله ما الذي يحلّ محله؟ وبعبارة أخرى: ما هو الشيء الذي يمكن له أن يشكل رافعة للأخلاق؟ هناك جوابان يمكن تصوّرهما عن هذا السؤال:

1 ـ إن جذور الأخلاق تكمن في جبلّة الإنسان وطبيعته. وهو الجواب الذي نافح عنه كل من (صموئيل كلارك)[69]، و(آن هاتشينسون)[70].

2 ـ إن للأخلاق أساساً عقلانياً، وإن جذورها تمتد في العقل العملي. ولكن كيف يمكن للعقل العملي أن يشكل قاعدة للأخلاق؟

في التفسير الأول يكمن الدور الجوهري للعقل العملي في كشف القواعد الأخلاقية، في حين أن دور العقل في التفسير الثاني يتلخص في وضع القوانين والأصول الأخلاقية. هذا وإن لكل من (يورغن هابرماس)[71]، و(ديفد كاسيرا) رؤية كانتية، وعمد (توماس نيجل)[72] إلى بسط نظرية (غلارك)[73].

إن للعلمانية والدنيوية ـ كما سبق أن ذكرنا ـ ارتباطاً وثيقاً بالدور الذي نراه لله في تفسير الطبيعة والتشريع وتقنين الأصول والقواعد الأخلاقية. لقد عمد (كانط) إلى خفض دور الله في تشريع الأصول الأخلاقية إلى حد فرضية لا يمكن التنصّل منها. ولكن هل كان يسعى في الواقع إلى تجاهل وجود الله ودوره في مسرح الحياة؟ وبعبارة أخرى: هل كان يسعى إلى إلغاء دور الله أو أنه كان يريد تغيير الرؤية التقليدية السائدة بشأن الله؟ هناك من يعتقد أن لله مكانة رفيعة ومنيعة، ولذلك يجب تقديس مكانته السامية واحترامها ورفع مسؤولية تفسير العالم وتشريع الأصول الأخلاقية عن كاهله. فلا ينبغي التقليل من شأنه من خلال التنزّل به إلى مستوى الآمر الناهي الذي يشجع الناس إلى سلوك بعينه. تعرّض (تشارلز لارمور) في كتابه (ما وراء الدين والتنوير) إلى أساس الله ودوره في الأخلاق. وقد بدأ كلامه بهذه العبارة الكنائية؛ إذ يقول: (إن الله من العظمة بحيث يجب ألا يوجد)، ويرى بزعمه أن هذا هو جوهر العلمانية الحديثة.

لو تبنينا هذه الرؤية عن الله فإننا لن نجد العلمانية متعارضة مع الدين فحسب، بل سنجد الدنيوية ـ التي تعني استقلال الإنسان في تفسير الطبيعة (العلم) وتشريع الأصول الأخلاقية ـ ملازمة للدين، ومنبثقة من صلب المسيحية، وأنها في الحقيقة الوليد الشرعي للأديان. إذ إن الأديان بشكل عام ـ ولا سيما الأديان التوحيدية منها ـ تؤكد سموّ شأن الله، وخاصة اليهودية والبروتستانتية التي لا ترى قداسة في عالم الطبيعة. وباختصار: لقد عمد بعض الفلاسفة في عصر التنوير ـ ومنهم (إيمانويل كانط) ـ إلى التخلي عن بعض الآليات والوظائف التي رصدها أتباع الأديان وأرباب الكنيسة للدين ولله، وفي الوقت نفسه واصلوا الاعتقاد بأن الإيمان بالله وحتى افتراضه يمثل مصدر الحياة المعنوية والروحية للإنسان. وقد عمد (لوك فيري) في كتابه (الله والإنسان أو معنى الحياة) إلى إثارة هذه المسألة وهي أن الحداثة والعلمانية ـ التي بدأت منذ القرن السابع عشر للميلاد ـ لم تكن تشاكس مفهوم الإله والأمر المقدّس، وإنما كانت ترصد تغيير المعتقدات الراسخة فقط. وقد عمدوا في هذا المسار إلى أنسنة بعض الشؤون الإلهية، وتأليه بعض الشؤون الإنسانية[74]. كما ذهب (دان كيوبيت) في كتابه (بحر الإيمان) إلى الاعتقاد بأنه يجب ألا يُفهم من رؤية (كانط) القائمة على استقلال الأصول الأخلاقية عن الدين أنه لا يرى في فلسفته أي مكانة لله وللدين؛ إذ إن (كانط) يعدّ (حياة الإنسان نوعاً من السير والسلوك، وأنه نفسه كان بروتستانتياً متطرّفاً، وكان دينه زاخراً بالمثالية والتعاليم…. إذ لا يزال الله فارضاً نفسه في فلسفة (كانط)، وعلى الرغم من أن نسيج الأشياء لا يؤخذ على ما هو عليه، لا يزال الهدف المتعالي المنشود للمتدينين قائماً)[75]. لو أننا قمنا بخفض تعاليم الدين وشؤون الله إلى تفسير الطبيعة وتشريع الأصول الأخلاقية، فإننا سنشاهد نوعاً من التقابل والتعارض بين العلمانية والدين. وأما إذا عمدنا إلى تحديد آليات الدين بالموارد المتقدمة، فإننا سنقوم بالمواءمة بينهما. وقد قدم أتباع (كانط) تفسيراً عن المسيحية يلبي جانباً كبيراً من أهداف فلاسفة التنوير ـ ومن بينهم (كانط) ـ في تكريم الإنسان وإعلاء شأنه. وهذا هو النهج الذي سار عليه علماء اللاهوت من البروتستانتيين ولا سيما منهم (شلايرماخر)، و(ديتريش بونهوفر)[76]. فقد زعما أن العلمانية منبثقة من التعاليم المسيحية ذاتها. لقد ذهب (بونهوفر) إلى القول إن الإنسان يمكن له أن يعمل على تسيير العالم حتى من دون الله أيضاً؛ فقد خلق الله العالم وألقى بمسؤولية صيانته وإصلاحه على عاتق الإنسان، وهذا هو مضمون العلمانية[77].

وقد أدرك (فريدريك نيتشة) بثاقب نظرته أن فلسفة (كانط) لا تؤدي إلى إلغاء الدين ودور الله فحسب، بل إنها تستدعي نوعاً من العودة إلى الله. وفي الحقيقة فإن (كانط) لم يستطع الخلاص من شراك الدين. يرى (نيتشة) أن (كانط) ما هو إلا مسيحي محتال، يسعى مستميتاً إلى التمسك بما تبقى من الميتافيزيقا. إن الذات المعقولة عبارة عن مفهوم متعلق بصلب الذات الاستعلائية تحلّ محل الإيمان الديني. إن الأمر المطلق مع تجديد التأييد للتعهّد والمسؤولية يستوجب (العودة إلى الإله). وفي موضع آخر عمد (نيتشة) إلى تشبيه (كانط) بثعلب ماكر ضلّ سبيله، ليعود مجدداً ويسقط في القفص. على الرغم من إقراره بأن ذكاء (كانط) هو الذي أسقطه في هذا الفخ[78].

وفي الحقيقة يمكن القول: إن (كانط) لم تكن لديه خصومة مع الدين ولا سيما الدين المسيحي، وإنما كان يرى الفهم السائد للتعاليم المسيحية يقع في الطرف المواجه للأخلاق. فقد تنبأ في مقال له تحت عنوان (نهاية جميع الأشياء) نشره سنة 1794 م في شهرية برلين قائلاً: (لو تمّ قمع الحرية الفكرية في المسيحية بإجراءات تعسفية، فإننا سنشهد نهاية الأخلاق). لو حدث أن فقدت المسيحية شعبيتها ـ وذلك سيكون عندما تستبدل المسيحية بروحها اللطيفة الروح السلطوية المغرورة ـ فإن الاعتراض والتمرّد عليها سيكون هو المهيمن على تفكير الناس[79].

جدير بالذكر أن المعاصرين لـ (كانط) لم يكونوا يرونه غير متدين فحسب، بل كانوا يرون أفكاره وآراءه مخالفة ومحاربة للتعاليم والمؤسسات الدينية أيضاً، ولم يكونوا يوفرون أيّ ردّ فعل تجاه آرائه وأفكاره. وعلى حدّ تعبير (هاينريش هاينه): (لقد قام (كانط) بقتل الإله ومعه قتل تلك الأدلة الإلهية الفلسفية السامية أيضاً)[80]. (ما الفرق البارز بين الظهور الهادئ والرزين لهذا الفيلسوف وبين أفكاره الهدّامة والمثيرة للفوضى في العالم؟!). إن آراء (إيمانويل كانط) أثارت حفيظة القساوسة الألمان بشدّة، ومن هنا صاروا بصدد الانتقام منه؛ فأخذوا يطلقون اسمه على كلابهم. وقد وصل الأمر إلى مستوى وضع كتابه (الدين في مجرّد العقل) ضمن قائمة الكتب المحظورة، الأمر الذي اضطرّ (كانط) إلى طبعه في مدينة (ينا)، وحصل في الوقت نفسه على رسالة تأديبية من ملك بروسيا، وألزمه فيها التعهّد بالتزام السكوت مادام متربّعاً على عرش السلطة. وقد جاء في الكتاب الملكي التأديبي لـ (كانط) ما يلي: (إن الذات الملكية السامية ممتعضة بشدّة من توظيفك فلسفتك في تقويض الأسس والتعاليم المهمة والرئيسة للكتاب المقدس وتضييعك المبادئ المسيحية الثابتة)[81].

إن (هانس كونج) من المفكرين الكبار الذي على الرغم من انتقاداته الجادّة لرجال الكنيسة، واعتزاله من الكنيسة، قد أورد الكثير من الانتقادات المهمة للعلمانية والحداثة بوصفها واحدة من أهم خصائصها. وهو يوافق (كانط) في القول باستحالة إثبات وجود الله بالعقل النظري. ولذلك فإن براهين إثبات وجود الله قد فقدت اعتبارها. إن وجود الله ـ من وجهة نظره ـ عبارة عن اختيار يختاره المرء في حياته بوصفه ضرورة، فلا يمكن التوصّل إليه بالأدلة العقلية والمنطقية[82]. إنه على الرغم من ذهاب الكثير من المفكرين الغربيين إلى الاعتقاد بأن العلمانية ستؤدي في نهاية المطاف إلى زوال الدين، يؤكد ضرورة بقاء الدين في العالم الراهن. فهو يرى أن وظيفة الدين ـ التي تتمثل بإضفاء المفهوم والمعنى للحياة ـ لا تزال قائمة إذا لم نقل إنها برزت على نحو أشد، وأن ما يُتصور من الرؤية المطلقة إلى العلم والتكنولوجيا والصناعة هي التي تجنح نحو الأفول[83]. يقول (هانس كونج) في نقد الحداثة: لا شك في أن العثور على قاعدة جديدة للفلسفة كان أمراً ضرورياً، كما كان من الواجب أن يكون هناك نوع من النقد العقلاني للكنيسة والدولة والدين في القرن السابع عشر للميلاد. بيد أن الإنسان لا يحيى بمجرّد العقل فقط. فالإنسان لا يمتلك بعداً عقلياً فقط، بل هو يمتلك الأبعاد العاطفية والأحاسيس أيضاً، وإن العقل لا يستطيع تلبية متطلبات الأبعاد الأخرى وحده. لا يمكن بمجرّد الأسلوب العقلي القائم على التقابل بين الموضوعات[84] والأشياء[85]، الإجابة عن جميع الأبعاد الإنسانية والتعرّف إليها. إن خطأ الإنسان في المرحلة الحديثة يكمن في اعتماده المطلق على العقل وتجاهل سائر الأبعاد الأخرى[86].

إن من بين إشكالات التنوير الخاصة برؤية (كانط)، تجاهل حقيقة أن العقل أمر تجريدي وانتزاعي، وقواعده  صورية، ولذلك لا يمكنه أن يقدّم لنا قواعد أخلاقية. إن دور العقل يكمن في نقد المعتقدات الأخلاقية ودراستها. إننا مدينون في عقائدنا الأخلاقية إلى تقاليدنا وتاريخنا وبيئتنا الثقافية. وهذا هو الإشكال الذي تقدم به (لارمور). إذ يؤدي اتجاهه إلى المعرفة الأخلاقية وحتى العلمية البراغماتية[87].

[1]*ـ باحث في الفلسفة والإلهيات المقارنة ـ إيران.

ـ  تعريب: علي حسن مطر.

[2] – هانس كونج (1922 ـ؟ م): من مواليد سورزيه في مقاطعة لوتسرن في سويسرا. آخر ما درسه اللاهوت المسكوني في جامعة إيبرخارد كارلس. وحتى عام 2013 م كان كونج رئيس الجمعية التي أنشاها وهي (مؤسسة الأخلاق العالمية). وهو من أشهر علماء اللاهوت المعروفين بانتقادهم الكنيسة قديماً وحديثاً. خاصة ما يتعلق بعصمة البابا حيث نزع البابا (يوهانس باول) الثاني الصلاحية الكاثوليكية منه بعد عام من نشر كتابه (هل يوجد إله؟). المعرّب.

[3] – See: Immanuel Kant, Critique of Pure Reason, Trans. Norman Kemp Smith, London. Macmillan, 1964. p. 29.

[4] – See: Ibid, p. 38.

[5] – See: Ibid, p. 38.

[6] – انظر: يوستوس هارتناك، نظريه معرفت در فلسفه كانت، ترجمه إلى الفارسية: غلام علي حداد عادل، ص 177، انتشارات فكر روز، طهران، 1376 هـش.

[7] – انظر: لمصدر أعلاه، ص 78.

[8] – See: Immanuel Kant, Critique of Pure Reason, p. 92.

[9] – ديفد هيوم (1711 ـ 1776 م): فيلسوف واقتصادي ومؤرّخ اسكتلندي، يعدّ شخصية مهمة في الفلسفة الغربية وتاريخ التنوير الإسكتلندي. المعرّب.

[10] – رينيه ديكارت (1596 ـ 1650 م): فيلسوف ورياضي وفيزيائي فرنسي، يُلقب بـ (أبو الفلسفة الحديثة). كما كان الشخصية الرئيسة لمذهب العقلانية في القرن السابع عشر للميلاد. وهو صاحب المقولة الشهيرة: (أنا أفكر؛ إذن انا موجود). المعرّب.

[11] – intellect.

[12] – Reason.

[13] – Kung, Hans, Christianity, Essence, History and Future, Continum New York: 1995. p. 670 – 2.

[14] – جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770 ـ 1831): فيلسوف ألماني. يعدّ أحد أهم مؤسسي المثالية الألمانية في الفلسفة في أوائل القرن الثامن عشر للميلاد. المعرّب.

[15] – إدموند هوسرل (1859 ـ 1938 م): فيلسوف ألماني. مؤسس الظاهريات. درس الفلسفة على يد (فرانس برنتانو)، و(كارل شتومف). وكان له تأثير على فلاسفة من بينهم: ماكس شيللر، وجان بول سارتر. وكان أستاذاً لـ (مارتين هايدغر). المعرّب.

[16] – مارتين هايدغر (1889 ـ 1976 م): فيلسوف ألماني. تتلمذ على يد (إدموند هوسرل) مؤسس الظاهريات. وجّه اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة وغيرها من المسائل. من أبرز مؤلفاته: (الوجود والزمان). تميز بتأثيره الكبير في المدارس الفكرية في القرن العشرين. من أهم إنجازاته أنه أعاد توجيه الفلسفة الغربية بعيداً عن الأسئلة الميتافيزيقية؛ ليقدم عوضاً عنها أسئلة نظرية الوجود، وهي أسئلة تركز على معنى الكينونة (Dasein). اتهم بمعادات السامية بسبب انتسابه إلى الحزب النازي الألماني. المعرّب.

[17] – انظر: بابك أحمدي، معماي مدرنيته، ص 20، نشر مركز، طهران، 1377 هـش. (مصدر فارسي).

[18] – جان فرانسوا ليوتار (1924 ـ ذ998 م): فيلسوف وعالم إجتماع ومنظّر أدبي فرنسي. اشتهر بأنه أول من أدخل مصطلح (ما بعد الحداثة) إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعية في أواخر سبعينيات القرن العشرين. كما اشتهر بنقده الحداثة التي أدت إلى الكثير من الكوارث ومن بينها الهجوم النووي الأمريكي على كل من هيروشيما وناكازاكي. المعرّب.

[19] – انظر: كريستوفر وات، كانت، ترجمه إلى الفارسية: حميد رضا آبك، ص 159، انتشارات شيرازه، طهران، 1379 هـش.

[20] – شارل لوي دي سيكوندا المعروف باسم مونتسكيو (1689 ـ 1755 م): فيلسوف فرنسي. صاحب نظرية (فصل السلطات) الذي تعتمده غالبية الأنظمة حالياً. درس الحقوق وأصبح عضواً في البرلمان الفرنسي سنة 1714 م. المعرّب.

[21] – انظر: شيدان وثيق، لائيسيته جيست؟ ص 9 ـ 68، نشر اختران، طهران، 1384 هـش، (مصدر فارسي).

[22]  ـ فريدريش فيلهيلم نيتشه (1844 ـ 1900 م): فيلسوف ألماني، وناقد ثقافي، وشاعر ولغوي، وباحث في اللاتينية واليونانية. كان لعمله تأثير عميق في الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث. يعدّ ملهماً للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة في مجال الفلسفة والأدب في أغلب الأحيان. المعرّب.

[23]  ـ إنجيل متى، الإصحاح: 18، الفقرة: 4.

[24] – انظر: نيتشه، ص 146، 1377 هـ ش.

[25] – انظر: لوسيان غولدمان، فلسفه روشنگري، ترجمه إلى الفارسية: شيوا كاوياني، ص 33، انتشارات فكر وروز، طهران، 1375 هـش.

[26] – هاينرش هاينه (1797 ـ 1856 م): شاعر وناقد وصحفي ألماني شهير. تعود شهرته لتأليفه الكثير من القصائد في صورة أغاني، ويعود إليه تأليف منطوق السلام الوطني الألماني الذي استخدمه النازيون في عهد أدولف هتلر، وهو المنطوق القائل: (ألمانيا فوق الجميع). وقد ابتعد الألمان عن هذا المنطوق بعد الحرب العالمية الثانية. المعرّب.

[27] – انظر: كريم مجتهدي، فلسفه نقادي كانت، ص 106، انتشارات أمير كبير، طهران، 1378 هـش. (مصدر فارسي).

[28] – التقويّة (pietism): حركة دينية لوثرية نشأت في ألمانيا في أواخر القرن السابع عشر للميلاد وامتدت إلى منتصف القرن الثامن عشر للميلاد وما بعده، وأكدت دراسة الكتاب المقدس والخبرة الصوفية. المعرّب.

[29] – انظر: دان كيوبيت، درياي إيمان (بحر الإيمان)، ترجمه إلى الفارسية: حسن كامشاد، انتشارات طرح نو، طهران، 1376 هـش.

[30] – إرنست كاسيرر (1874 ـ 1945 م): فيلسوف ألماني ينتمي إلى ما يسمى بمدرسة (ماربورج) في الفلسفة الكانطية الجديدة. اشتهر كأبرز شارح ومفسر للفلسفة االكانطية في القرن العشرين. المعرّب.

[31] – انظر: هادي جليلي، تأملاتي جامعه شناسانه در باره سكولار شدن، ص 66، انتشارات طرح نو، طهران، 1383 هـش (مصدر فارسي).

[32] – تشارلز مارغريف تيلور (1931 ـ؟ م): فيلسوف كندي. يعدّ واحداً من أبرز الفلاسفة المعاصرين في مجال الفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية. ترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة. المعرّب.

[33] – إميل دوركهايم (1858 ـ 1917 م): فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي. أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، فقد وضع لهذا العلم منهجية مستقلة تقوم على النظرية والتجريب معاً. المعرّب.

[34] – Kant, The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant, Religion and Rational Theology, Trans. Allen w. wood. Cambridge: 1996. P. 137.

[35] – Ibid, p. 133.

[36] – Ibid.

[37] – Ibid.

[38] – Ibid.

[39] – Guyer, paul, ed., The Cambridge to Kant: Cambridge University Prees, 1993. P. 407.

[40] – نيقولا ميكافيللي (1469 ـ 1527 م): مفكر وفيلسوف إيطالي إبان عصر النهضة. مؤسس التنظير للسياسة الواقعية. أشهر كتبه على الإطلاق (الأمير) وقد نشر بعد موته، وإليه ينسب مفهوم الغاية تبرر الوسيلة. المعرّب.

[41] – سيغموند فرويد (1856 ـ 1939 م): اسمه الكامل والحقيقي (سيغيسموند شلومو فرويد)، طبيب نمساوي من أصل يهودي. يعتبر مؤسس علم التحليل النفسي الحديث. المعرّب.

[42] – كارل هانريك ماركس (1818 ـ 1883 م): فيلسوف واقتصادي وعالم اجتماع ومؤرّخ وصحفي اشتراكي ألماني. لعبت أفكاره دوراً مهماً في تأسيس علم الاجتماع وفي تطوير الحركات الاشتراكية، من أهم كتبه (بيان الحزب الشيوعي)، و(رأس المال). المعرّب.

[43] – انظر: ميرشا إليادة، فرهنك ودين، ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرّمشاهي وآخرون، ص 3، طهران.

[44] – سورين كيركيغارد (1813 ـ 1855 م): فيلسوف ولاهوتي دنماركي كبير. كان لفلسفته تأثير حاسم في الفلسفات اللاحقة، لا سيما في ما يعرف بالوجودية المؤمنة (في قبال الوجودية الملحدة المنسوبة إلى الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر). المعرّب.

[45] – انظر: المصدر أعلاه، ص 24.

[46] – أفلاطون (427 ـ 347 ق م): هو أرستوكليس بن أرستون. فيلسوف يوناني كلاسيكي رياضياتي. كاتب لعدد من الحوارات الفلسفية. يعدّ مؤسساً لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي. معلمه سقراط وتلميذه أرسطوطاليس. المعرّب.

[47] – انظر: إفلاطون، رسالة أوطيفرون.

[48] – آندره كرسون، فلاسفة بزرك، ترجمه إلى الفارسية: كاظم عمادي، ص 537، انتشارات صفي علي شاه، طهران، 1363 هـش.

[49] – أبيقور (341 ـ 270 ق م): فيلسوف يوناني قديم. صاحب مدرسة فلسفية عرفت باسمه (الأبيقورية). قام بكتابة ما يقرب من ثلاثمئة منجز لم يصلنا منها غير النزر القليل. المعرّب.

[50] – انظر: فريدريك كابلستون، تاريخ فلسفه، ترجمه إلى الفارسية: إسماعيل سعادت ومنوشهر بزرجمهر، ص 40 ـ 193، انتشارات علمي وفرهنكي وسروش، طهران، 1372 هـش.

[51] – انظر: إيمانويل كانط، دين در محدوده عقل تنها (الدين في مجرّد العقل)، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صانعي دره بندي، ص 40 ـ 41، انتشارات نقش نكار، طهران، 1381 هـش.

[52] – انظر: إيمانويل كانط، درس هاي فلسفه أخلاق، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صانعي درّه بيدي، ص 9 ـ 143، انتشارات نقش ونگار، طهران، 1378 هـش.

[53] – انظر: كريستوفر وات، كانت، ترجمه إلى الفارسية: حميد رضا آبك، ص 74.

[54] – انظر: إيمانويل كانط، دين در محدوده عقل تنها (الدين في مجرّد العقل)، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صانعي دره بندي، ص 4 ـ 202.

[55] – انظر: آندره كرسون، فلاسفة بزرك، ترجمه إلى الفارسية: كاظم عمادي، ص 537.

[56] – انظر: فريدريك كابلستون، تاريخ فلسفه، ترجمه إلى الفارسية: إسماعيل سعادت ومنوشهر بزرجمهر، ص 250.

[57] – انظر: إيمانويل كانط، بنياد ما بعد الطبيعة اخلاق، ترجمه إلى الغة الفارسية: حميد عنايت وعلي قيصري، ص 74، اننتشارات خوارزمي، طهران، 1369 هـش.

[58] – انظر: إيمانويل كانط، درس هاي فلسفه أخلاق، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صانعي درّه بيدي، ص 153.

[59] – توماس هوبز (1588 ـ 1679 م): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي. يعد أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر للميلاد بإنجلترا. المعرّب.

[60] – باروخ سبينوزا (1632 ـ 1677 م): فيلسوف هولندي. من أهم فلاسفة القرن السابع عشر للميلاد. المعرّب.

[61] – انظر: إيمانويل كانط، درس هاي فلسفه أخلاق، ترجمه إلى الفارسية: منوشهر صانعي درّه بيدي، ص 113.

[62] – لوك فيري (1952 ـ؟ م): فيلسوف فرنسي. شغل منصب وزير التربية والتعليم ما بين عامي 2002 ـ 2004 م. وهو من الفلاسفة الجدد الذين أحدثوا تحوّلاً عميقاً في الأوساط الفلسفية السائدة برموزها المعروفين، من أمثال: (جاك دريدا)، و(جاك لاكان)، و(جيل دولوز)، و(ميشال فوكو). المعرّب.

[63] – انظر: مجله نامه فرهنك، العدد: 31. (مصدر فارسي).

[64] – رامين جهانبكلو، نقد عقل مدرن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين سامعي، ص 7 ـ 8، نشر فرزان، طهران، 1377 هـش.

[65] – انظر: المصدر أعلاه، ص 180.

[66] – لودفيغ فتغنشتاين (1889 ـ 1951 م): فيلسوف نمساوي. درس على يد (برتراند راسل). يعد واحداً من أكبر فلاسفة القرن العشرين. كان لأفكاره أثرها الكبير في كل من (الوضعانية المنطقية وفلسفة التحليل). اختار العزلة في المرحلة الأخيرة من حياته متفرغاً للكتابة. المعرّب.

[67] – المصدر أعلاه، ص 278.

[68] – المصدر أعلاه.

[69] – صموئيل كلارك (1675 ـ 1729): فيلسوف ولاهوتي إنجيليكاني إنجليزي. أخذ على عاتقه إثبات الدين المسيحي ببراهين في دقة الهندسة وقسوتها. المعرّب.

[70] – آن هاتشيستون (1591 ـ 1643 م): سيدة بروتارية ومستشارة روحية. شاركت في جدل القوانين التي هزّت الوضع في ماساتشوسيت وتناقضها. ساعدت شعبيتها على  خلق شقاق اللاهوتية التي هددت بتدمير التجربة الدينية المتشددة في نيو إنجلند. تمّ نفيها مع العديد من أتباعها. المعرّب.

[71] – يورغن هابرماس (1929 ـ؟ م): فيلسوف وعالم اجتماع ألماني معاصر. يعدّ من أهم علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر. يعد من أهم منظري مدرسة فرانكفورت النقدية. وهو صاحب نظرية الفعل التواصلي. المعرّب.

[72] – توماس نيجل (1937 ـ؟ م): فيلسوف أمريكي. تشمل اهتمامات نيجل الفلسفية كلاً من موضوعات فلسفة العقل وفلسفة السياسة والأخلاقيات. المعرّب.

[73] – Larmore, Charles, Beyond Religion and Enligtenment, The Morals of Modernity, Cambridge.

[74] – انظر: لوك فيري، انسان وخدا يا معناي زندگي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عرفان ثابتي، انتشارات ققنوس، طهران، 1383 هـش.

[75] – انظر: دان كيوبيت، درياي إيمان (بحر الإيمان)، ترجمه إلى الفارسية: حسن كامشاد، ص 170.

[76] – ديتريش بونهوفر (1906 ـ 1945 م): قس لوثري وعالم لاهوتي مناهض للنازية. لعبت كتاباته ـ التي تناول فيها دور المسيحية في العالم العلماني والتي نادى فيها بما يسمى بـ (المسيحية غير المتدينة) ـ دوراً كبيراً ومؤثراً في تلك المدة. ألقي عليه القبض من قبل جهاز الاستخبارات النازي (الجستابو)، ليعدم لاحقاً شنقاً قبل أقل من شهر على استسلام ألمانيا. المعرّب.

[77] – See: Michalson Carl, Secularism in New Dictionary of Christian Ethics.

[78] – انظر: كريستوفر وات، كانت، ترجمه إلى الفارسية: حميد رضا آبك، ص 162.

[79] – Kant, The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant, Religion and Rational Theology, Trans. Allen w. wood. Cambridge: 1996. P. 137.

[80] – انظر: ول ديورانت، تاريخ الفلسفة، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس زرياب خوئي، ص 248، سازمان انتشارات وآموزش انقلاب اسلامي، طهران، 1369 هـش.

[81] – المصدر أعلاه، ص 254.

[82] – Kung Hans, Christianity and World Religions, pp. 67 – 70.

[83] – Kung Hans, On Being a Christian. New York: Doubleday, 1976.

[84] – objects.

[85] – subjects.

[86] – Kung Hans, Christianity. Essence, History and Future, Continum New York: 1995. P. 767.

[87] – Larmore, Charles, Beyond Religion and Enligntenment, The Morals of Modernity, Cambridge.

الجذور العلمانية في فلسفة كانط،

الحداثة بدنيويتها الصارمة

https://makhlabiali.info/wp-content/uploads/2020/02/الجذور-العلمانية-في-فلسفة-كانط-،-الحداثة-بدنيويتها-الصارمة.pdfClick here to add your own text