العقل المتهافت بين الغزالي وكانط،

رؤية نقدية مقارنة لليقين الترانسندنتالي

الفلاحي، عبد الله محمد، “العقل المتهافت بين الغزالي وكانط ، رؤية نقدية مقارنة لليقين الترانسندنتالي” في مجلّة الاستغراب، العدد 9، السنة 3، خريف 1439/2017، ص ص 57-74.

على الرغم من اختلاف طبيعة الظروف التي أحاطت بكل من الغزالي وكانط  وبيان أثر اختلافها  لكن المنهج التاريخي والتتبعي يكشف طبيعة أثر السابق في اللاحق بقدر ما سمح  به استقراؤنا المتواضع،  أو استقراء غيرنا من مؤرخي الفلسفة الإسلامية أو الأوربية الوسيطة والحديثة والمعاصرة من المستغربين أو المستشرقين من المسلمين وغير المسلمين. مع الإشارة إلى أن أغلب هذه المحاولات انطلقت من إلايمان بحقيقة التواصل الحضاري بين الأمم وحتميته،عبر العديد من   القنوات التي شكلت الجسر الإنساني في المعرفة والثقافة، وإن بقي العديد من جوانب الاختلاف قائماً خاصة  في طبيعة النقد وأهدافه بسبب اختلاف طبيعة العصر الذي عاش به كل منهما وما ساد كل عصر من مناخات علمية وفكرية وثقافية خاصة..

ونرى فوق ذلك – وبحسب ما توافر لدينا من معلومات أو مصادر أن للغزالي دوره أو أثره في فلسفة العصور الوسطى، وكما هي كذلك في العصر الحديث بأوردة فكرية وثقافية وعلمية ساعدت على سد الفجوة بين عصري الغزالي وكانط وهي قنوات دللت بالفعل على عدم وجود ما  يسمى بالقطيعة  الابستمولوجية بين أي بناء أو نسق فكري أو فلسفي لهذا الفيلسوف أو ذاك، وبين الأنساق الفكرية السابقة أو التالية له، مثلما هي الحال بين فيلسوفنا الغزالي والفيلسوف الألماني عمانؤيل كانط.

أولاً: الشواهد التاريخية:

ويقصد بها ما وقع بين أيدي الباحثين والمهتمين بالتراث الإسلامي عموماً، والتراث الفلسفي خصوصاً، والمهتمين بنتاج الغزالي الفكري بصفة أخص،  من أدلة على انتقال فكرالغزالي وفلسفته عبر انتقال مؤلفاته المتعددة إلى الغرب اللاتيني بوساطة المترجمين والمهتمين بالتراث الإسلامي الذين تمكنوا من الوصول أو العيش داخل الحواضر الإسلامية (بغداد- القسطنطينية – دمشق -القاهرة – الإسكندرية -قشتالة – الأندلس –القيروان – سبته – طنجة-.. إلخ) والتي تجمع في مكتباتها آلاف الكتب والمخطوطات الإسلامية متنوعة المجالات والاختصاصات المعرفية والعلمية والأدبية، فتم لهم إما ترجمتها أو نقلها أو نهبها وإيصالها إلى العديد من مراكز الفكر الأوربي منذ سقوط بغداد، حتى سقوط القسطنطينية في عام 1458م. فشكلت المعين الذي لا ينضب من المعارف والتي أقبل عليها الأوروبيون بشغف، وظلت في متناول باحثيهم وأساتذة جامعاتهم حتى القرن السابع عشر الميلادي وأكثر. وما تزال متاحف أوربا ومكتباتها وجامعاتها تحتفظ بمئات آلاف منها أكثر مما تحتفظ بها المكتبات العربية والإسلامية وجامعاتها ومراكز أبحاثها، وقد اختارت الدراسة من هذه الشواهد التاريخية:

1 – الشاهد الأول: (فرضية انتقال مؤلفات الغزالي إلى الغرب اللاتيني في العصر الوسيط).

– فقد أبانت الدراسة دور الغزالي مع غيره من فلاسفة العصر الوسيط الإسلامي واليهودي والمسيحي في ردم الهوة الفاصلة بين العصريين الوسيط والحديث، وأثر الغزالي خاصة في الفلسفة الوسيطة اللاتينية والحديثة، المباشر وغيرالمباشر. فوجدت أن الغزالي فعلاً أثر في البناء الفلسفي لأشهر أعمدة الفلسفة الوسيطة أمثال: (موسى بن ميمون، وتوما الأكويني، وريموند مارتن، ويهودا حالفي) وغيرهم من رموز السكولائية اليهودية والمسيحية عبر مؤلفاته المنقولة إلى العبرية واللاتينية والتي منها، (تهافت الفلاسفة، والمنقذ من الضلال، وإحياء علوم الدين، والاقتصاد في الاعتقاد، ومعيار العلم في فن المنطق، والمستصفى في علم الأصول والمشكاة، وميزان العمل.. وغيرها)، فظهرت أفكارها في كتب هؤلاء، من مثل (دلالة الحائرين لموسى بن ميمون، والخلاصة اللاهوتية لتوما الأكويني وخنجر الإيمان لـ ريموند مارتن)، والعديد من الترجمات الأخرى،  التي مثلت قنوات اتصال بين الشرق والغرب. وأكدت الدراسة اطلاع العديد من هؤلاء على مؤلفات الغزالي وإفادتهم  منها في كثير من المسائل التي ناقشوها بصدد الفلسفة واللاهوت، كما أوضحته لنا العديد من الأبحاث والدراسات العربية أو الأجنبية.فقد نقل تراث الغزالي ومن ثم ترجمته إلى الإسبانية والعبرية، ومن ثم إلى اللاتينية،وكان على رأس المترجمين الأسقف(دومنيكس) أو (ريموند ساليف) (المتوفى 1180م) وهو من كبار رجال كنيسة طليطلة، وقد شارك في الترجمة يوحنا بن داود (Johnna – David)  المعروف بالإشبيلي وكان مما نقله للغزالي، مقاصد الفلاسفة الذي نشر عام 1506م في البندقية بعنوان – Logical et philosphia إضافة إلى كتاب التهافت الذي نشر نصه اللاتيني خلال القرن الثاني عشرالميلادي مع كتاب النفس الإنسانية بحسب بلاثيوس[2]. ويرى بلاثيوس، ومايرز أن (ريموند مارتن) الدومنيكي من علماء القرن الثالث عشر كان يفهم العربية وأدخل كثيراً من حجج التهافت في كتابه (خنجر الإيمان)، وأنه استل العديد من النصوص من التهافت والمنقذ والميزان، والمقاصد، والمشكاة، والأحياء، ويذكر صريحاً في كتابه الصراع الإيمان رداً على المسلمين واليهود)  كتباً لابن رشد ترجمت مباشرة عن العربية، وأنه اعتمد على الغزالي خاصة في الدفاع عن وحدانية الخالق.

– ويظن (أوليكن) أن بلاثيوس يحمل الكثير من الوثائق التي تدلل على أقواله وبخاصة حول إفادة ابن العبري (Bar -Hebraues) أبي الفرج من أعلام القرن الثالث عشر إلى درجة القول إنه أخذ فصولاً كاملة من كتاب الإحياء للغزالي أدرجها في كتبه.[3] وقرب بلاثيوس أكثر من غيره بين مقاطع من صراع الإيمان والخلاصة ضد الكفار وبين نصوص تكاد تكون مترجمة حرفياً عن ابن سينا والغزالي.[4] أما موسى بن ميمون وهو الذي مثل مصدراً آخر لحسن اطلاع الأكويني على الغزالي،والذي أشار إليه الأكويني في الخلاصة بأنه اقتبس من عالم ديني مسلم يدعى أبا حامد الغزالي فقد مثل تلميذاً مخلصاً للغزالي، بل إن باحثاً مثل محمد عزيز الحبابي « يرى أن موسى بن ميمون يذكر أبا حامد مرات عديدة في الصفحات 208،245،383،392 من الترجمة الفرنسية(لدلالة الحائرين) وأنه يلتقي أبا حامد في كثير من الأمور أخصها دمج الفلسفة والمنطق بالشريعة[5]

ومثّل كتاب الحمامة والأخلاق   (لباراهيراموس) اليعقوبي اللامع في القرن الثالث عشر أحد الانعكاسات الواضحة لتأثير الغزالي في يهودية القرون الوسطى، والتي قامت على السكولائية المدرسية. إذ صار اليهود المؤلفون يدرسون كتب الغزالي بلهف، ويستعيرون منها كثيراً والدليل ترجمتهم ميزان العمل إلى العبرية، واستبدلت شواهده من التوراة والتلمود بدلاً  من شواهد القرآن والسنة النبوية: مثلما فعل (يحيى بن يوسف بن باكودا) في كتابه (الهداية إلى فرائض القلوب) الذي ألفه بالعربية كما قيل، وهذا كلام مستغرب على الرغم من صعوبة المقارنة بكتاب الإحياء للغزالي، وهذا دليل آخر على أثر الغزالي في الفكر اليهودي كما يذهب إليه (اسحق هوزيك) في مؤلفه (المختارات) بخلاف رأي (بول كولوفيزوف) الذي يرى في كتابه الفكر اليهودي (ص78) أن نشاط يحيى اليهودي يقع نحو (1080م)  أي قبل انتشار مؤلفات الغزالي أو قبل وضع مؤلفاته الأخيرة.[6] ومثلما اعتمد القديس توما الأكويني ومعه ألبرت الكبير على طروحات الغزالي في تحديد قدرات العقل، وأن العقل لا يعارض النقل، وجد جملة من المسيحيين في هجوم الغزالي على الفلاسفة وجبة دسمة للكنيسة على الرغم مما أحدثته من فتنة شعواء بين أنصار الأرسطية الرشدية والغزالية التوماوية، اللاهوتية مثلت أعلي صور النزاع بين الفلسفة والدين.

ويوفق كل من (جورج فاحد وريتشارد بوبكن، ولويس جارديه) في بحوثهم بين إسحاق البلاغ والغزالي من جهة، وبين يهودا حالفي والغزالي خاصةً في مؤلفهما (الإحياء – والخوزاري) من جهة أخرى. إذ تتشابه حججهما الموجهة ضد إمكانية العلم والمعرفة المطلقة وخاصة المعرفة اللاهوتية وطبيعة الكون الكلية، والدعوة الأرسطية أو الأكاديمية والبيرونية. لا سيما وأن التهافت وكذلك الإحياء والمقاصد، قد ترجمت إلى اللاتينية كما سبق معنا وأكده كذلك فاندين بيرج) وبلاثيوس كما أشرنا وغيرهما[7]. ويبقى توما الأكويني الأكثر إفادة بين الفلاسفة المسيحيين – مثلما هي حال موسى بن ميمون من الفلاسفة اليهود – من الغزالي. وحسب مدني صالح عاش الأكويني على فتات الغزالي ولم يعترف بحقه، بل وينكر فضله كما ترى (زغريد هونكا)[8] وهكذا يكون ما قدمنا، قد اقنع القارئ بالحضور الفعلي أو المباشر للغزالي عند فلاسفة العصر الوسيط اللاتين. ويكون قد اقتنع أن(ريموند مارتن وموسى بن ميمون، وتوما الأكويني، وألبرت الكبير، وإسحاق البلاغ ويهودا حالفي)، والمدرسة الاسمية التي يتزعمها وليم أوكام أكثر من تأثر بفلسفة الغزالي، إن في أدلة وجود الله، أو في وحدانيته أو الهجوم على الفلسفة الأرسطية أو بتحديد قدرات العقل ومجالاته في المسائل الإلهية، أو إثبات حدوث العالم، وأسلوب مهاجمة الأفكار الارسطية، أو فيما يتعلق بواقعية الأسماء وعدم وجود الأشياء خارج مجال إدراكنا الحسي. وأخيرا فيما يتعلق بتكافؤ الأدلة والنقائض كما هي الحال عند ريموند مارتن، وفي الوقت ذاته مثل هؤلاء جميعاً اعظم الحلقات التي تربط الفكر الوسيط بفكر عصر النهضة والعصر الحديث[9].

2 – الشاهد الثاني: (فرضية حصول بعض الفلاسفة المحدثين على الترجمات اللاتينية لبعض مؤلفات الغزالي).

وقد حاولت الدراسة أن تتكشف ملامح تأثير فلسفة الغزالي في بعض فلاسفة العصر الحديث، من خلال الجهود التي بذلت من الباحثين السابقين العرب المسلمين، أو الأوربيين المستشرقين المهتمين منهم بالفلسفة الإسلامية  بصفة خاصة، أو من خلال الاطلاع على بعض مؤلفات فلاسفة الغرب المحدثين مباشرة، وتحليل بعض مضامينها ذات الصلة بقضايا المعرفة والوجود، واستخلاص وجوه المشابهة بين طروحاتهم، وطروحات فيلسوفنا الغزالي، بحكم تخصصنا في مرحلة الدكتوراة بهذا المجال. ووفق ما تقدم، فقد افترضنا أن فلاسفة العصر الحديث اطلعوا على فلسفة العصور الوسطى اللاتينية والتي أكدت لنا إفادتها من الغزالي أو غيره من فلاسفة الإسلام ولابد أن أفكار الغزالي قد تسربت بهذه الصورة أو تلك إلى العديد من فلاسفة العصر الحديث وحصراً ما وجدناه من تشـابه بينه وبين (مونتاني – باسكال – ديكارت – مالبرانش – ليبنتز – هيوم – كانط). على الرغم من تباين أهدافهم واتجاه فلسفتهم بين تجربيية، وعقلانية ولاهوتية وشكية. فكما  تأكد اطلاع  توما الأكويني على الغزالي وتأكد اطلاعه على أوغسطين واأسيلم، تأكد اطلاع  ديكارت على توما، ومن ثم اطلاعه على آراء الغزالي إن عن طريق مؤلفات توما نفسها، أو عن طريق مؤلفات الغزالي المترجمة إلى اللاتينية: فقد رأى د. محمد الشريف أن الغزالي وضع كل الملامح الرئيسة  للفلسفة الغربية من ديكارت إلى برجسون، ونقل عن هنري لويس (H. Lewis) في كتابه(H.of  philosophy)  عن إحياء علوم الدين ما يبرز مدى ما حمله هذا المؤلف من  كثير من العناصر العلمية التي ظهرت في مؤلفات الفلاسفة الغربيين مثلما هي الحال في كتاب (في المنهج) لديكارت. وبالغ (شريف) في القول إنه لو ترجم الإحياء لاتضح الانتحال أبرز اتضاح. وهناك من يرى أن ديكارت قد وضع بعض الخطوط أو الإشارات في عبارات اقتبسها من المنقذ ضمن مخطوطاته التي لم تنشر.[10] وما يؤكد هذا التصور هو مانقله الدكتور فيصل  السامر في كتابه (العرب والحضارة الأوربية) أن ديكارت قد اطلع على كتب الغزالي ولاسيما المنقذ فيقول « عقد الكاتب الفرنسي (شارل سومان)  فصلاً عن الغزالي وديكارت قارن فيه بين نبذٍ من مؤلفات ديكارت (مقال في المنهج) و(التأملات في الفلسفة الأولى) اللذين ضمنهما قواعد الشك الفلسفي، بنبذ من كلام الغزالي  في المنقذ وقد توصل (سومان) من هذه المقارنة إلى أن ديكارت أفاد من الغزالي، بل إنه يرى أن مدينة (ليدن) حوت في جامعتها عدداً من أصدقاء ديكارت منهم (يعقوب غوليوس) أستاذ اللغة العربية الذي عاد من الشرق مزوداً بمجموعة من المخطوطات العربية كان منها كتاب المنقذ للغزالي وذلك عام 1669م[11].

ويرى  الشريف ومحمد يوسف موسى أن تشابهاً والتقاءً بين أفكار الغزالي وديكارت  لم يأت صدفه وإنما نتيجة تعرف الثاني إلى الأول. ويمتد هذا التشابه الى ما لبرانش وهيوم، وخاصة في السببية والمعرفة المطلقة، وفصل الدين عن الفلسفة بالنظر إلى العامة مثلما هي الحال عند ابن رشد[12].

اعتماداً على ما قدمته بعض الدراسات التي عنيت بالمقارنة بين الغزالي وبعض هؤلاء الفلاسفة تم تأكيد اطلاع كثير منهم على مؤلفات الغزالي المترجمة، والاقتباس منها مباشرة، أو بصورة غير مباشرة، أو من خلال ما أبانه لنا تحليل النصوص لبعض مؤلفات فلاسفة العصر الحديث ومقارنتها مع نصوص من مؤلفات الغزالي. وأقرت الدراسة بتوالد الخواطر العقلية وتشابهها، وإقرارها بضرورة احتساب الفارق الزمني بين هذا الفيلسوف وذاك، لكن لا يمكن أن يستمر التوالد في هذه الخواطر إلى أكثر من مسألتين، ومن ثم فإن التكرار في توافق الطروحات أو المعالجات واستخدام  الطريقة نفسها للمعالجة لأكثر من هذا ليست إلا دليلاً على الاطلاع والإفادة وإن لم يؤشرها أكثر الفلاسفة. إما لاستصغار دور السابق، أو لغرض إخفاء دور الآخرين بحجة أن الفيلسوف لم يعد بحاجة إلى تأثير مصادره، أو يذكر من أفاد منهم، ولربما كانت النزعة الأنتلجنسية في (الثقافة والحضارة) للجنس السامي الأوربي قد حالت دون أن يعترف كثير من فلاسفة العصر الحديث بدور من سبقوهم من غير أبناء جلدتهم بصورة عامة، وبدور فلاسفتنا والغزالي بصفة خاصة. وهكذا نرى أن الفجوة التاريخية قد سدت بين عصري الغزالي وكانط. فمن خلال التفاعل الثقافي الذي حدث بفعل حركة الاتصال بين العصر الوسيط والحديث مثلما فعلت حركة الترجمة من الاتصال بين فلاسفتنا وفلاسفة العصر اليوناني والروماني، وواصلت بيننا وبين فلاسفة العصر الوسيط اليهودي والمسيحي. ويكفي أن نأخذ نموجين فقط من الأفكار المتشابهة بين بعض فلاسفة العصر الحديث والغزالي وهما =(السببية، والموقف من الميتافيزيقا) بوصفهما لصيقين بفلسفة الغزالي من جهة، وقريبين إلى ذهن كانط (زمانا ومكانا) من جهة أخرى.

1 – السببية: Cause

وهي النقطة الخطرة في العلم الطبيعي ونقصد بذلك الموقف النقدي السلبي  الذي وقفه الغزالي منها ورفضه قبول العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول وأثر هذا  التفسير عند هيوم  فلقد أشار بيرج(Birgh) بوضوح إلى مفهوم السببية عند الغزالي وتفسيره  لها بأنها مجرد تكرار الحوادث أو الظواهر وتعاقبها، وأن هذا القول ردده هيوم في العصر الحديث[13]. والأغرب من هذا هو موقف الفيلسوف الفرنسي (إرنست رينان) المعروف بتعصبه وإنكاره إبداع الفلسفة الإسلامية، حين رأى أن هيوم لم يقل شيئاً بخصوص الرابطة السببية أكثر مما قاله الغزالي، ويرى الدكتور فؤاد زكريا- اختلاف الأسباب والغايات، واختلاف التفكيرعند كليهما. أي الغزالي وهيوم كما أرجع الدكتور زكي نجيب محمود، الاختلاف بالموقف من الميتافيزيقا إذ حدد  الغزالي موقفه الميتافيزيقي بداية، وعن طريق العقل نفسه، ورأى هيوم بالميتافيزيقا خرافة لاسبيل اليها[14]. إن هيوم هذا يعد الموقظ لكانط من سباته الدوجماطيقي القطعي باعتراف كانط نفسه بذلك.

2 – الموقف من الميتافيزيقا والبرهنة العقلية على وجود الله

كان مما أثر به الغزالي في الأكويني عدم قبوله حجج العقل لإثبات أزلية العالم أو ابطالها، وإن العقل لاقبل له بذلك، ولاسبيل إلى البرهان على ضرورة أحد الحدين وإسقاط  الآخر، وأن أرسطو كما يرى الأكويني صرح في كتاب (الجدل) بأن مسألة قدم العالم من المسائل الجدلية التي لايمكن البرهنة عليها، وأنه يجب العودة الى نصوص الكتاب المقدس، كما يصرح الأكويني في (الخلاصة اللاهوتية)، وأن هذا ليس الا ترديداً لما قرره الغزالي في التهافت -كما سنرى- من أن حجج الفلاسفة ليست برهانية صادقة،بل متناقضة متهافتة، ليخلص إلى انتزاع الموضوع  من دائرة الفلسفة إلى دائرة الوحي[15] وأن الفلاسفة قد وقعوا بوهم حين حاولوا الاتفاق بالإلهيات مثلما اتفقوا في الرياضيات، وهم مختلفون في الإلهيات كل الاختلاف. هذا الرأي ردده ديكارت في نقد ما بعد الطبيعة، وهو ما سوف يتكرر لدى كانط في نقده الميتافيزيقا لعدم وضوح مسائلها وكثرة  أخطاء الفلاسفة في تقدير الموجودات المحضة أو العوالم الروحية[16]  ويرى كانط أن الفرض القائل بأن العالم حادث ونقيضه بأنه أزلي لا أدلة له، إذ لا يمكن أن يبدو مؤيداً بالحجج، إلا أن هذه الحجج لم تبلغ مرتبة اليقين[17]. وعلى وفق موسى بن ميمون لابد من الالتزام بحرفية النصوص لأنها تعلمنا حقيقة نقصر عن إثباتها بالبرهان.

واذا كان موسى بن ميمون هذا قد مثل حلقة الوصل الأولى بين الفلسفة الإسلامية والوسيطة والحديثة، وربط الغزالية بديكارت وسبينوزا وباسكال، فإن دراسة خاصة قد عقدت بين الغزالي وهذا الاخير أجراها (روبرت بلانشيه) ركزت على تلك القضية المعروفة (بالرّهان) وهي حجة باسكال الشهيرة التي يستخدمها لإثبات وجود الآخرة وحث غير المؤمنين بها على الايمان بها في قوله: « إذا كسبتم كسبتم كل شيء، وإذا خسرتم لم تخسروا شيئا»، تلك الحجة ذكرها الغزالي في الإحياء، واتحاف السعادة وميزان العمل والأربعين[18] ونسبها في الميزان إلى أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام حين قال: «قال علي لمن كان يشاغبه ويماريه في أمر الآخرة. إن كان الأمر على ما زعمت تخلصنا جميعاً، وإن كان الأمر كما قلت هلكتَ ونجوتُ»[19]. هذه العبارة رددها أبو العلاءالمعري شعراً بقوله:

قال المعلم والطبيب كلاهما     لا تحشر الأجسـاد قلـت إلـيكما

إن صح قولكما فما أنا بنادم        وإن صح قولي فالخسارة عليكما

وهي عينها التي رددها باسكال، والأمر لايحتاج إلى تفسير طبيعة هذا الاتفاق، فهي إما جاءت من مؤلفات الغزالي التي اطلع عليها باسكال أو من طريق ريموند مارتن في كتابه (خنجر الايمان) الذي أفاد منه باسكال كل الفائدة وهو يكتب دفاعه عن الدين[20].

ويقارن (بلاثيوس) بين النصين الواردين على التتالي في كتاب المنقذ من الضلال، وكتاب الفكر لباسكال، مشيراً إلى التماثل والتشابه في النصين وهما المتعلقان بنقيض المعرفة الحسية من خلال الأحلام، فحياتنا حلم من احلام اليقظة نصحو منه عند الموت[21].

وأخيراً فإن كانط الذي أفاد من الفلاسفة المحدثين قبله مباشرة وفلاسفة العصرالوسيط ومنهم فلاسفتنا مباشرة، وبشكل غير مباشر من خلال موسى بن ميمون في دلالة الحائرين، أو مجموعة الأكويني بوساطة سبينوزا وليبنتز، أو من خلال قراءتها مباشرة من اللاتينية  قد أفادنا بنص يوحي لنا من خلاله اطلاعه على تراث الاسلام وإعجابه به كما دونه في كتابه (الدين في حدود العقل)  ومنها قوله « يتميز الإسلام بالشجاعة، والافتخار في أنه لا يلجأ إلى العاجز في نشر دعوته، بل بأساليب تستثير إعجاب الغير، وفي أنه مستند إلى زهد متسم بالجرأة والبسالة، وتعزى هذه الظاهرة إلى مؤسس هذا الدين ودعوته إلى الإيمان بالله الواحد، يعلو على ما سواه في الكون والطبيعة… وإن روح الإسلام لاتتجسد في انقياد أعمى مجرد من الإرادة وحرية الاختيار، بل بموالاة كاملة، وصادقة لله المنزه عن الصفات البشرية، والذي هو فوق ذلك كله قدرة تتسم بطراز سامٍ ورفيعٍ من اللطف والطيبة»[22] ومثل هذا النص يدعم تلك الطروحات التي تعتقد اطلاع كانط على مؤلفات بعض الفلاسفة المسلمين بصورة عامة وبعض مؤلفات الغزالي بصفة خاصة مثلما فعل ماجد فخري، وجميل صليبا  وياسين عريبي في دراساتهم المعروفة.

ثانياً: الشواهد النظرية (الاستقرائية):

1 – الشاهد الأول: (فرضية تشابه موضوعات النقد ومسوغاته):

فيما يخص موضوع الميتافيزيقا ومسوغات نقد الترانسندنتالي (المتعالي) عند الغزالي، وتأثيره في النقد الكانطي، وعود على بدء، فإن الميتافيزيقا وإن ظهرت أنها خصم الغزالي الأول كما وقعت بهذا التصور كثير من الدراسات، -وهي غير محقة كلية – ولكنه في حقيقة الأمر قد أبان  الهدف من نقده الفلسفة أو الفلاسفة وهو: إما لتعالي الفلاسفة عن الدين أو ادعائهم أن الفلسفة تمتلك القدرة على معرفة ما هو غير مقدور عليه بمنهجها، وقد ظهر تهافت أدلتها وحججها وبراهينها العقلية وتناقضاتها في المتعالي أو الما ورائي من الوجود العام والمجرد أو الخافي من النفس الإنسانية عن الإدراك الحسي، وكذا عالم الغيب من الحياة الأخروية.  أوهي الخشية – بنظر الغزالي – ممن يتلقاها أي الفلسفة، ممن ليسوا أهلاً لها، فيقع في متاهات مباحثها، ولا يسلم من غوايتها وضلالها مما قد يضر بعقله وعقيدته معاً. وهو كذلك لم يقف عند النقد السلبي للفلسفة، ولكن- حاله حال كانط – قد وضع البديل المنهجي الذي يرى أنه يحقق اليقين فيها وقد كان منهجاً ثلاثياً (عقلياً ذوقياً –إلهامياً فيضياً – نبوياً أو قرآنياً)، وهو الذي رآه كفيلاً بإزالة الغموض وحل معضلات المنهج العقلي البرهاني الصرف في الميتافيزيقا كما هو مألوف في المسائل الميتافيزيقية، ومن ثم أقام به الفلسفة من جديد ولكن بمنهج إشراقي على أنقاض الفلسفة المشائية بمنهجها البرهاني الرياضي الصرف.

-وإذا كان قد اتضح للكثير من الباحثين أن الغزالي قد سوغ منهجه النقدي للعقل والمعرفة العقلية لصالح المسألة الدينية، فإن ما لايمكن إنكاره من خلال البحث العميق، أنه كذلك قد سوغ نقده لصالح الميتافيزيقا العقلية وحين كشف له عدم دقة البراهين العقلية المنطقية في الوصول إلى يقين في قضاياها لم يفعل مثل ما فعل كانط بإحالتها على الايمان، بل وجد لها في المنهج الذوقي أو الكشفي مخرجاً جديداً يسوغ وجودها على هذا الأساس.

– وفيما يخص موضوع الترانسندنتالي وإمكان البرهنة فيه، لقد شمل المنهج النقدي الكانطي – مثلما هو حال الغزالي – عناصر العلم والمعرفة كافة (المنهج –الموضوع –الغاية) فامتد من مصادر المعرفة ومناهج العلم والفلسفة في عصره  إلى العلوم ذاتها وتقويم سبل المذاهب والتيارات الفلسفية السائدة، ولم  يستطع كانط أن  يحصر نقده العقل ومقولاته وملكاته كما أراد في مقدمة مؤلفه النقدي (نقد العقل الخالص). ومع هذا الامتداد ركز جهده في إعادة قراءة خارطة العقل الإنساني المتصل بالمعرفة والمنطق والميتافيزيقا ورسمها، على الرغم من أن العلم الحديث وعلم البيولوجيا خاصة قد تجاوز هذا التصور الذي قدمه كانط، أو علم النفس العقلي السائد في عصره. فقد فصل المعرفة الإنسانية على وفق هذه الخارطة التي رسمها فأقام المعرفة النظرية في العقل النظري ومن خلال ملكاته الثلاث (الحساسية– الفاهمة – ملكة المبادئ) وجعل  المعرفة هذه محصورة  بالعلاقة الجدلية  بين (الملكة الأولى والثانية) وحصر موضوعاتها بالظواهر الحسيةphenomena  وأقر للعقل النظري بحق الطموح المشروع أن يمتد بتصوره  إلى  جملة المبادئ (الترنسندنتالية) أو الأفكار المتعالية تلك التي حاول كانط أن يناقشها في  الجدل الترنستدنتالي وتوصل  من  بعده  إلى أن  العقل يستطيع  تصور مثل  تلك  الأفكار (بملكة المبادئ) لكن دون أن يستطيع  التحقق  منها  في العقل النظري، ومن  دون  الوقوع  في المخادعات، والمتناقضات.

– وهكذا  بدا  العقل  النظري  على الرغم من  إشادة المعرفة  النظرية والمحصورة  بالظواهر على أساسه قاصراً وعاجزاً عن تحقيق ما يطمح  إليه من معرفة الشيء في ذاته (Numena) كما يسميه  كانط ذلك العالم المتصل بالحقائق  العليا والمثل  الترنسندنتالية أو الحقائق المطلقة التي لا تتصل  بالزمان والمكان بوصفهما الشرطين الأساسيين لكل معرفة حدسية[23].

-إن المنهج النقدي – الذي حدده كانط  في بحثه الفلسفي –  قد  حاول ومن خلال الجدل الترنسندنتالي أن يبحث في جملة البراهين التي قدمها الفلاسفة منذ قديم الزمن فهي متناقضة  ومتكافئة في حالة السلب والإيجاب، يشهد بذلك اختلاف الفلاسفة وعدم اتفاقهم على أي مسألة من هذه  المسائل التي ناقشوها، وهو نفسه استنتاج الغزالي قبله وخصوصاً تلك القضايا الشهيرة في الميتافيزيقا  أهمها (علم النفس العقلي، والكوزمولوجيا العقلية وعلم اللاهوت (العقلي). لذا  كان على المنهج  النقدي أن يبحث وفقاً لهذا الاستنتاج عن ملكة أخرى من ملكات العقل لتحقق ما لم تحقق الملكة الأولى  من اليقين وهي الملكة المسماة كانطياً (بالعقل العملي) وهي -بنظر كانط -ليست ملكة زائدة على العقل،  بل حالة من حالات العقل نفسه. ولما كانت عملية الاستدلال أو الفروض الاستدلالية المنطقية غير  مجدية في تحقيق اليقين لهذه القضايا – كما أكد الغزالي في أكثر من موضع في كتابه (تهافت الفلاسفة) وبالنص تقريباً – كان لابد من أن تتحول إلى مسلمات أو مبرهنات تتحقق اعتقادياً بالعقل العملي عند كانط، الذي  يمثل بحق عملية جوانية أشبه ما  تكون بالحالة الإيمانية الغيبية وعن طريق القلب بحسب التسمية القرآنية الصوفية.

– وأخيراً يفترض المنهج النقدي الكانطي ملكة ثالثة أسماها (ملكة الحكم) تعمل بالمشاركة مع ملكة العقل  العملي) في أمور الدين والأخلاق والقانون والجمال، وبذا يكون كانط قد ظن أنه أجاب عن الأسئلة التي وضعها في بداية النقد، وهو يرى أنها إجابة تتناسب وملكات العقل الإنساني الثلاث وهذه  الأسئلة  هي: ماذا يمكن لي أن أعرف؟  وماذا علي أن أعمل؟ وماذا يمكن لي أن آمل؟.

ـ أزالت الفلسفة النقدية ـ بحسب كانط ـ حالة التناقض القائمة بين المذاهب الفلسفية الكلاسيكية الكبرى (الحسية –العقلية) من خلال افتراضها ثنائية جديدة تميز عالمين (عالم الظواهر، وعالم الأشياء في ذاتها)، وبهذا التمييز وقف كانط في وجه المادية التي تنكر كل وجود روحي أو حقائق عليا أو مثل  ترنسندنتالية.  وفتح باب الإقرار بها من خلال المنهج العملي الأخلاقي وصار (وجود الله، وحرية الإرادة، وخلود النفس) من الأمور الاعتقادية قائمة في أخلاقنا العملية، ولا يمكن  لنا أن ندلل عليها بعقلنا النظري، وبأقيسته المنطقية دونما وقوع في المخادعة والمناقضة. وبذا يكون كانط  قد أغلق الباب في وجه الاتجاه المثالي الذي  يقر بالأشياء في ذاتها ويرى أن في إمكانه إثباتها  ببراهين العقل النظرية. وبدلاً من أن يكون الله الضامن لنا في الوصول إلى اليقين بصدد هذه القضايا، صار القانون الأخلاقي هو الضمان الأكيد لإثباتها داخل كياننا ووجداننا.وهو نفسه نور البصيرة الذي يقذفه الله في قلب العبد فيخرجه من حالة الحيرة والشك والضلال إلى حالة اليقين والطمأنينة، بحيث ينكشف معه المعلوم انكشافاً لايقبل نقضه بدليل أو برهان مهما بلغت درجة يقينه، حتى لو جاء به  من يقلب العصا حية أو من يمشي على الماء أو يطير في الهوا ء– بحسب الفيلسوف الغزالي[24].

ـ إن المخرج الذي قدمته الفلسفة النقدية لتناقضات العقل النظري من  خلال العقل العملي هو عملية غير مسوغة أو مفتعلة بحد ذاتها، فلقد أصبح العقل العملي الذي هو ملكة من ملكات العقل نفسه أشبه بعصا سحرية تلقف ما يأفك العقل النظري من براهين وحجج ظهرت  عند كانط والغزالي قبله متناقضة، ولم يستطع كانط إقناعنا – وبطريقة علمية – كيف عالج العقل العملي أخطاء العقل النظري، اللهم إلا إذا جعلنا من شماعة العقل العملي مصدراً لراحة ضميرنا وطمأنة نفوسنا نركن اليها ونخلد لها عندما نعجز عن مواصلة نشاطنا الذهني لحل مشكلاتنا عموماً،  إنها  المسألة الإيمانية أو الاعتقادية وهي كثيرة الشبه بإيمان العجائز بكل ما جاءت به العقيدة المسيحية وعلى لسان يسوع، والذي بدون الوحي عليه، لن يكون لله أية حقيقة بالنسبة للإنسان، وأن الوصول  إلى الله لن يكون إلا بالطاعة والإيمان، ولكن مع ذلك – حسب فلسفة كانط – مزجت بين المبادئ الثلاث (الله-حرية الإرادة – خلود النفس) من خلال القانون الأخلاقي الذي عينه العقل بوساطة الإرادة على نحو متصل بلسلوك الإنسان نفسه. فاستحال أن يعرف الإنسان أو يؤدي واجبه إلا إذا  كان  حراً أو أن يحقق القداسة إلا إذا كان خالداً، أو أن يرقى إلى مستوى الخير الأعظم إلا إذا كان الله  موجوداً[25].

2 – الشاهد الثاني: (تشابه نقائض العقل وتهافت أدلته النظرية عند الغزالي وكانط.)

-تشير الدراسة – ووفق المنهج التحليلي المتأني  للمسائل الميتافيزيقية التي خالف الغزالي من خلالها براهين الفلاسفة الرياضية والمنطقية بشقيها (المشائي الأرسطي، والإشراقي الأفلو طيني الغنوصي ) ممثلين بالفارابي وابن سينا من فلاسفة الإسلام، وذلك في كتابه المشهور (تهافت الفلاسفة)، وكذا تحليل نقائض العقل النظري عند كانط في كتابه المشهور أيضاً، (نقد العقل الخالص) والتي من خلالها أراد تقويض المذهب الدوجماطيقي القطعي في الفلسفة الحديثة، وبخاصة المذهب العقلاني الذي حمل لواءه الفليلسوف الفرنسي (رينة ديكارت) ومن جاء من بعده من أمثال (باسكال –مالبرانش –أتباع الغزالي في الغرب – سبينوزا- ليبنتز -) إلى جملة من الحقائق والاستنتاجات، والتي منها:-

1 – ما يخص (مسوغات النقد عند كل من الغزالي وكانط) تبين الدراسة أن مشكلة المنهج العقلي في تحقيق اليقين في الماورائيات عامة والإلهيات خاصة، والدفاع عن العقيدة وحمايتها من شطط الفلاسفة وغلوهم، وإفساح المجال لقدرات عليا فوق عقلية، وتجسيد مبدأ النقد يين الفرق والمذاهب المختلفة، هو الهدف الذي من أجله ومن خلاله هفت الفلسفة المشائية الأرسطية وأقام الفلسفة الإشراقية على أنقاضها.وعلى وفق ما رسمه الغزالي في (التهافت)، وكذا عدم التسليم بكل ماهو مقدّم في الثقافة والفلسفة والعلم، ومحاكمة الموروث محاكمة نقدية،وتحطيم أصنام الوثوقية الدوجماطيقية العقلانية في الفلسفة الحديثة، هو الهدف الذي من أجله هفت براهين العقل النظري، وأقام على نقائضه براهين العقل العملي، وعلى وفق ما رسمه في كتابه (نقد العقل الخالص).

وأن كانط قد بين من خلال مسوغاته النقدية، أنه مدفوع بفعل الحركة النقدية في عصر التنوير، ومدفوع بمؤثرات دينية وفكرية ومعرفية فكانت المراجعة العلمية لطروحات العقل على وفق ملكاته، وتعيين الحدود الدقيقة التي يصلح في نطاقها استخدام العقل في المعرفة، وكان البحث عن إمكان قيام  الميتافيزيقا على أساس علمي من عدمه، وكانت المراجعة والمحاكمة الحقيقية لكل نزاعات العقل  ودعاواه، وتحديد نهاية البناء الذي يمكن أن يصل إليه العقل في جدله الترنسندنتالي في الميتافيزيقا  وقضاياها، هي الأمور المحركة للفلسفة النقدية أو المنهج النقدي في الفلسفة الكانطية، وقد أبان له النقد  المجالات التي يمكن للعقل أن يحقق طموحه المعرفي منها. فحدده بعالم الظواهر أو الميتافيزيقا النظرية، وأبان له كذلك أن الميتافيزيقا بتلك الصورة القديمة غير ممكنة أن تصير علماً. ولأهمية الإبقاء عليها وإدخال حالة الديمومة فيها كان لابد  من تصور البديل الميتافيزيقي، وكان هذا البديل هو ميتافيزيقا الأخلاق التي تتجاوز كل حالات العوق  التي سببها لها الأنصار والخصوم على حد سواء، والذي كان الغزالي قد عبر عنه بلغة أخرى حين أسماه البديل الكشفي النوراني الإلهي، بوصفه الضمان الحقيقي لكل يقين عقلي – بتعبير ديكارت قبل كانط -.[26]

2 – فيما يخص (النقائض وجذورنشأتها)، تبين بالتحليل والتتبع التاريخي،أن كلاً من الغزالي وكانط – بوصفهما  أكثر من ناقش هذه القضية – قد اعترفا بأسبقية غيرهما في اكتشاف النقائض، فأرجع الغزالي بذور المسألة  إلى أرسطو وأسبقية جالينوس في القول بتعادل الأدلة، وإفادته من رد يحيى النحوي على حجج برقليس وأرسطو في قدم العالم، واعترف كانط بأسبقية زينون الإيلي في كشف النقائض، وأن دوره يختلف عن دور زينون السلبي فيها. كما بنيت الدراسات والبحوث، تخلل هذه المسألة بين ثنايا مؤلفات أفلاطون في البارمنيدس وردود أرسطو بصورة أو بأخرى، وقول الفارابي في تكافؤ الأدلة من الناحية المنطقية، وورودها في مؤلفات بعض فلاسفة العصر الوسيط اليهودي والمسيحي بعد الغزالي، من أمثال: (موسى بن ميمون، وتوما الأكويني، وريموتد مارتن، وغليون ألاقرائي) كما يذكر لنا ذلك بعض المستشرقين من الفلاسفة المحدثين والمعاصرين، من أمثال: (أرنست رينان، وأرثر كولير، وديفيد هيوم، ونهاية بكانط، الذي اعترف بذلك،وذكره في مقدمة كتابيه:(نقد العقل الخالص، ومقدمة لكل ميتافيزيقا يمكن أن تصير علماً). فقد كان (ريموند مارتن) من فلاسفة العصر الوسيط اللاتيني أكثر من أشار إلى القول بتكافؤ الأدلة وتعادل الحجج العقلية متأثراً بطرح الغزالي وسابقيه، إذ قرر أن مجموع الحجج الثماني عشرة المبرهنة على قدم العالم، لها ما يكافئها من الحجج المناقضة أو المعادلة لها بالقوة المساوية لها، وأن الفوز بقضية حدوث العالم من خلال البراهين الخمسة الاحتياطية ليست دامغة تماماً، والإيمان هو الذي يستطيع أن يمنحنا اليقين.[27]

ولعل سلسلة القائلين بتعادل الأدلة تنتهي حتماً عند هيوم الذي تنبه على نقائض العقل قبل كانط – كما سنرى لاحقاً – ومن ثم كان حكمه على البراهين العقلية بأنها غير منتجة كونها تعنى بالقضايا القبلية التي يصعب البرهنة عليها[28].

وأن الغزالي أو كانط قد أفادا من هذه الإشارات في بناء النقائض،وصياغة الأدلة النظرية المتعادلة أو المتهافتة وتركيز جملة هذه النقائض  حصراً  بالكونيات عند كانط والطبيعيات والإلهيات كذلك عند الغزالي.

3 – إن الدراسة هذه أوصلتنا إلى نتيجة أخرى مهمة في تأكيد التأصيل الغزالي لكانط، مفادها، أن النقائض الشهيرة التي حددها كانط في الجزء  الخاص  بالجدل  الترنستندنتالي  ((بالكونيات)  تتفق بحسب تحليلنا  النصوص والمقارنة مع المسائل الأربع من كتاب التهافت  للغزالي، وعند  مناقشة هذه النقائض وجدنا القضايا التي عرضها الغزالي بلسان الفلاسفة تقابل النقائض[29] عند كانط والعكس بالعكس، والاختلاف بطريقة الصياغة كما في النقيضة الأولى، وهي: 1 – ((العالم بين الأزلية والحدوث، أو نقيضة الكم)) وصورتها عند الغزالي = القضية: «إذا كان للعالم بداية في الزمان، فهو ليس متناهياً في المكان» ونقيضها:= «إذا كان العالم محدوداً في المكان، فهو ليس متناهياً في الزمان». وأما صورتها عند كانط فتساوي القضية: «للعالم بداية في الزمان، وهو محدود أيضاً في المكان» ونقيضها يعني «ليس للعالم بداية الزمان، ولاحد في المكان، فهو لامتناه في الزمان والمكان معاً» وتأكد من خلال  المقارنة التطابق  التام بين القضية الأولى ونقيضها بين الغزالي وكانط مع  اختلاف مسوغات الأدلة في القضية أو  نقيضها بينهما، وكشفت كذلك أن كليهما استخدم قياس الخلف في مسوغات الأدلة ونقائضها وكليهما اعترف بصعوبة الخروج بحل حقيقي لهذه  النقيضة، وعلى الرغم من أنهما قد حاولا معالجة ذلك من خلال تصور متشابه للزمان والمكان وعلاقتهما بالعالم والأجسام المتناهية على وفق مذهب أرسطو وكذا  تصوره للحركة وقدم المحرك الذي لايتحرك وعدم تناهيه.

– وفي حين أقام الغزالي أدلة القضية الثانية:= ((العالم مركب من جواهر بسيطة بذاتها، لايتصور انعدامها، ولاسبب معدم لها، لأنها قائمة بنفسها، وكل ما هو قائم بنفسه لايتصور انعدامه))  ونقيضها: ((العالم مركب من جواهر وأعراض، ولايوجد في العالم جواهر مستقلة بذاتها، والأعراض تفنى بنفسها، والجواهر تبقى ببقاء زوائد على وجودها))، على أساس من نفي الصفات عن المركب  والجنس أو إثباتها، وافتراض ألا وجود في المكان إلا للأعراض، وأن الجواهر غير متحيزة في المكان أو هي  كذلك، واعتماد النقيض مبدأ تناهي الأجسام (جواهرها وأعراضها)  أقام كانط  دليل القضية:= -(كل جوهر مركب في العالم من أجزاء بسيطة، ولا يوجد في محل سوى البسيط، وما يتركب منه))-، على النظرية الذرية، وقانون بقاء المادة، وجبرية الحركة في الطبيعة، والعلاقة الرياضية بين الجواهر الروحية كما يصورها ليبنتز، وأقام النقيضة: -((لا شيء مركب في العالم يتكون من أجزاء بسيطة، ولا يوجد في أي محل في العالم أي بسيط))- على أساس افتراض استحالة معرفة الجواهر من داخل  الوجود ومن ثم لا وجود إلا للمركب وهو ما ثبتّه الغزالي في النقيضة أيضاً، وإن  جملة  الافتراضات للأجزاء البسيطة ليست إلا فروضاً عقلية لا واقع لها كما يرى أصحاب النقيضة وحسب.

– ويتفق كانط مع الغزالي في النقيضة الثالثة، ((العلية بين الحرية والجبرية))  أو نقيضة الإضافة وهي ((العالم قديم دائم النسبة إلى الله علته الأولى)) ونقيضتها: ((العالم حادث، وفاعله لايكون سبباً إلا بوقوع الفعل منه على سبيل الإرادة والاختيار)) في التمييز بين الفاعل بالطبع والفاعل بالإرادة، إذ الأول:  ينسب إلى قوانين الطبيعة، والثاني:  ينسب إلى الفاعل العاقل أو العلة الحرة التي هي الله، ولكن الخلاف بينهما أن كانط أراد أن يميز صورتين للعلية (جبرية) كما في قوانين الطبيعة وحرية كما في الحقائق الثابتة غير المتصلة  بالزمان والمكان. بينما الغزالي وهو الذي اتفق مع هيوم في تصورهما العلاقة بين العلة والمعلول أراد أن يزيل التناقض بين مفهوم الجبرية والحرية في الإرادة الإلهية، والتي تفعل فعلها في العلل القريبة والبعيدة على حد  سواء، ومن  ثم فهي  حرة في كلا الحالتين، في حين عند كانط يمكن أن تكون ضرورية   ويمكن أن تكون حرة، ومن ثم كانت القضية ونقيضها صادقتين، والحال نفسها في النقيضة الرابعة.أونقيضة الجهة،وهي عند كانط: القضية:((يوجد كائن ضروري في سلسلة علل العالم بوصفه جزءاً منه أو علة له إطلاقاً)) وننقيضها: ((لاشيء ضروري في هذه السلسلة، بل كل ما فيها ممكن خارج العالم أو داخله))، وعند الغزالي: القضية: ((توجد علة نهائية في سلسلة علل العالم يسمى المبدأ الأول، يتلازم ضرورة مع معلوله،ويجوز أن تكون هناك حوادث لا أول لها، بل إن بعضها علة لبعضها الآخر، ولا يجوز أن تنتهي إلى علة لاعلة لها))، نقيضها: ((توجد علة ضرورية أولى لحوادث العالم جواهره وأعراضه،هي خالقة له وعلته،وأي تجوز لحوادث لا أول لها، يؤدي إلى القول بعلل لانهاية لها، واستحالة الوصول إلى إثبات العلة الأولى، ولو ارتفعت الضرورة عن الأشياء لارتفعت الحكمة في الصانع وفي المخلوقات))[30].  وأهم صور الاتفاق  بينهما، في وجود  النقائض  بحد ذاتها وتشخيص القضايا المتناقضة التي حصر سببها كانط في محاولة إثبات اللا مشروط بمنهج المشروط وموضوع اللامشروط غير متحقق بالإدراك الحسي، وذلك لأن الإدراك  الحسي يتطلب أن يكون موضوعه مشروطاً بالزمان والمكان وجملة العوالم العلوية أو الأشياء في ذاتها غير محصورة بزمان ولا مقيدة في مكان. وعلى هذا فإن أي محاولة للتدليل بالعقل المجرد سوف لا توصلنا إلا الى مماحكات ومغالطات. وبتعبير الغزالي إنها  مجرد مقابلة إشكالات بإشكالات.

4 – أشارت الدراسة وبمنهجها التحليلي المقارن إلى مدى التماثل والتطابق النقدي بين الغزالي وكانط في مناقشة أدلة العقل النظري المتعلقة بالنفس الإنسانية والمنحصرة بأربعة أمور تمثلت بجوهرية النفس، وصلتها بالبدن وتمايزها عنه، وخلودها بعد انفصالها عن الجسد.

واتضح من خلال البحث في الجوانب الأخرى المتصلة بالجدل الترنسندنتالي ونقائضه- بتعبير كانط -، أو تهافت أدلته النظرية البرهانية – بتعبير الغزالي -،أنهما متفقان على وجود النفس وجوهريتها وخلودها، وأن النقد تركز على أن العقل غير قادر على إثبات ذلك بأدلته النظرية المجردة أو القائمة على الاستدلال والقياس، وكذا الاستدلال من خلال الشعور الذاتي بوجود النفس،- كما هو عند ديكارت – وكان الخلاف بينهما في طرق تهفيت هذه الأدلة.

-فقد أرجع الغزالي السبب في ضعف البراهين إلى نقص في الاستقراء وبعد موضوع النفس عن التجربة الحسية، وخاصة للتأكد من حالها بعد الموت، وأن جملة الأدلة المستندة على انقسام الجواهر بانقسام أماكنها أو الاعتماد على البواعث والانفعالات والرغبات، أو تباين التفكير بين الحيوانات والإنسان، كلها غير قادرة على مواجهة نقائضها، أو أنها تفتح باب الاحتمال لتفسيرات أخرى موازية أو معادلة لها ومن ثم لابد من الاستعانة بالشرع أو الاعتماد على ما جاء به الرسل لضمان يقيننا  بها، في حين أن كانط أرجع ضعف البراهين بهذا الصدد إلى افتراضنا مقدمات نسلم بها ومن خلال القياس نتوصل إلى نتائج ملزمة عنها. فالاعتماد على التحليل لا يكف، والانتقال من مبدأ تحليلي لفكرة (الأنا)، إلى إثبات موضوع تركيبي غير ممكن إذ لا نستطيع الانتقال من اللا مشروط إلى مشروط، أو إلى حدس تجريبي كما فعل ديكارت وقبله ابن سينا وبعض الفلاسفة العقليين، ومن ثم كان علينا أن نحيل المسألة برمتها على العقل العملي ونتقلبها مسلمةً أو برهنة مسلمة أخلاقية. أو أن على العقل أن يستعين بعامل خارجي يتمثل بالوحي أو ما جاءت الرسل كما يرى كانط في  مؤلفاته اللاهوتية[31].

5 – وأما فيما يخص أويتصل بمناقشة (أدلة وجود الله والموقف النقدي منها)، فقد  أكدت الدراسة بدءاً، انفراد كانط بمناقشة الدليل الأنطولوجي (أو دليل الكائن الكامل) كما قدمه أفلوطين، وأوغسطين وأنسيلم، وديكارت) وهو الذي لم يناقشه الغزالي لعدم تعرض فلاسفتنا قبله إلى مثل هذا الدليل، عدا إشارة عرضية في معرض حديثه عن دليل الصانع أو النظام. في حين اتفق الغزالي مع كانط عند مناقشتهما دليل الواجب والممكن (أو دليل العلية)، والدليل الغائي =(أو دليل النظام)، في أهمية هذين الدليلين وشهرتهما، بل إن الغزالي قد  استخدمهما بصورة متفاوتة في كتبه الكلامية، ويشيد كانط بهما أيما إشادة بوصفهما الدليلين الموروثين والمتعاقبين عبر تاريخ الفلسفة والأديان والعلوم، وأن دليل النظام هو الذي يستحق دائماً أن يذكر.وهذا دليل على إفادة كانط من الفلسفات السابقة عليه بهذا الجانب ومنها فلسفة الغزالي ومن جاء من بعده من فلاسفة الإسلام أو المسيحيين أو من غيرهم.وقد تركز نقد الغزالي وكانط هذين الدليلين المتشابهين أو المتضاربين في (المسوغات أو المقدمات والنتائج) على أمرين[32]:

ا) تناقض القول بقدم العالم مع القول بعلة أولى له، مع تجويز حوادث  لا أول  لها، وأن تلازم العلة مع معلو لها لا يوصلنا إلى علة واحدة، بل ربما إلى  علل كثيرة كما  رأى الغزالي بالنسبة لدليل العلية أو أن قيام هذا الدليل على استنتاج علة أولى من امتناع التسلسل اللامتناهي في العلل في العالم الحسي، لا يسمح لنا العقل أن نستدل على هذا النحو في التجربة، وأن نمده إلى ما بعد التجربة فإن عملية كهذه تشكو من المخادعة، ولربما الوقوع في الدور مرة أخرى كما يرى كانط بالنسبة أيضاً لهذا الدليل.

ب) إن الاحتجاج بالنظام في دليل الصانع لا يستطيع إثبات علة هي الله، بل ربما علل أخرى، وإن إقامة هذا الدليل مع نفي الإرادة يوصلنا إلى ممكنات، مثل أن لكل شيء محركاً يحركه، فربما كان المحرك من جنسه، وأن النظام قد يكون من جنس المنظم أو مفارقاً له ومعناه جواز القولين على حد سواء، كما يرى الغزالي، ويوافق كانط الغزالي في هذا النقد من أن الاعتماد على مسألة النظام قد لا توصل إلى الله كما هو وإنما توصلنا إلى مهندس وصانع أو مشكل للمادة، وليس خالقاً لها، مثلما أن التدرج في العلل لا يوصل إلا إلى تصور موجود يملك كل كمال وعزة، ولا يقدم تصوراً عن ذاته، ولا يبرهن التخطيط والنظام كغائية في الطبيعة على واقعية العلة القصوى للعالم[33].

ويتفق الغزالي مع كانط إجمالاً في أن الهدف من النقد هو بيان حالة الضعف والخداع أو الوهم اللذين يعتريان الأدلة النظرية على وجود الله، لأننا بمثل ما نستطيع  إثبات وجود الله بهذه الأدلة، يمكننا ألا نثبته أو نثبت موجوداً غيره بها أيضاً، لأن معرفتنا الحقيقية مقتصرة على كل ما ينسب إليه حال من الوجود المتعين زماناً ومكاناً[34].

لقد أوصلتنا جملة الاستنتاجات السابقة في هذه الدراسة إلى أن الغزالي وفق ظروف عصره ومن دون حتى احتساب فارق للزمن،  مثل مرحلة متقدمة في العقلانية مهما أطلقت الأحكام على طبيعة فكرنا العربي الإسلامي وقتئذ، وأن من محامد هذه العقلانية النقدية أنها وضعت حداً  للمطلق الأفلاطوني الأرسطي وأنها فصلت بين المذاهب والتيارات الفكرية بعد الغزالي، فامتازت الفلسفة المشائية ممثلة  بابن رشد وابن باجة عن الفلسفة الإشراقية الممثلة بابن طفيل، وامتاز التصوف الإشراقي عن الفلسفة ممثلاً بابن عربي وابن سبعين، وامتاز علم الكلام بمناهجه ورجاله عن الفلسفة ممثلاً بابن حزم وغيره، ولم يكن الغزالي أو أفكاره المسؤولين عما أصاب العقل العربي من تراجع وانحطاط في العصور التالية، بقدر ما كانت أفكاره قد اتخذت وسيلة لمقاومة كل عقلانية من قبل آخرين جاؤوا من بعده هم بالأساس ضد العقل والعقلانية، لكن اتضح لنا فيما بعد أن رموز الحركة اللاعقلانية التي ظهرت في عصور متأخرة عن الغزالي قد اتهمته بالعقلانية والمروق والزندقة،لا فرق بينه وبين خصمه ابن رشد إلا بدرجات بسيطة، بل رفضت كل طروحاته الفقهية والكلامية بحجة العقلانية[35].

ولئن كانت العقلانية هي، أرجوزتنا المنشودة في الفكر العربي الإسلامي، وندعي أن الغزالي قد حط من قدرها ومكانتها، فالسؤال الآن ‍ ‍ هو إلى أي حد ما يزال المطلق العقلي هو الحاسم في المعرفة الإنسانية وفي التطور الحضاري والفكري؟، ولعل جزءاً من هذا الجواب سيكون بالسلب إذا ما نظرنا سريعاً إلى عالم اليوم، فإننا نجد ضآلة الدفاع عن المطلق العقلي بعد أن حلت النسبية ليس في العلم والفلسفة وحسب، بل طالت معظم المجالات الأخرى، كالاقتصاد والسياسة، والقانون، والأخلاق، وبقية المجالات الإنسانية المتجددة.

ولم يعد كانط في عالم اليوم مذنباً كما اتهمه الألمان بأنه حرمهم من نعمة الميتافيزيقا، ولم يعد  مطلوباً منه تصحيح أخطاء الإبستمولوجيا أو الميتافيزيقا التي أقيمت على أساس من العلم والهندسة والرياضيات في عصره المنهار أي في عصر النسبية  أو الاحتمالية التي جاءت  من بعده في هذه العلوم الأخرى.

[1]*ـ  أستاذ الفلسفة بكلية الآداب ـ جامعة إب ـ الجمهورية العربية اليمنية.

[2]- Ernst , Cassirer, kants life and his thought , trans. By: james hoden

Ed. by: New Haven , london. u. press. 1981,p.78-80

[3]- نازلي إسماعيل، النقد في عصر التنوير، (كانط)، ط2 دار النهضة العربية، القاهرة، 1976م ص 7-9، ولها كذلك: مقدمة المقدمة لكل ميتافيزيقا مكن أن تصير علماً لكانط، ط1 دار الكاتب العربي، القاهرة، 1976م، ص 7 وما بعدها.

[4]-  جوستيان غاردر (عالم صوفي) تر:حياة الحويك، ط2، دار المنى، السويد، 1991م  339، وما بعدها.

[5]-  إميل بوترو، فلسفة كانط، تر: عثمان امين، ط1 الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1971، ص11.

[6]-  فؤاد كامل، وآخرون، الموسوعة الفلسفة (المترجمون) مصدر سابق، ص 329.

[7]-  روزنتال، وي يودين، الموسوعة الفلسفية، مصدر سابق، ص 387.

[8]-  جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، ط دار الطليعة، بيروت، 1987م، ص 482.

[9]-  In la espirtuolided ,de. Al -gazelx susentedo Oristiono.  عن [أولكن] أثر الغزالي في أوربا (بحث في مجلة  المورد)،ص412 وبلاثيوس، الرشدية، ص317،324، عن لويس جاردية، وقنواتي، فلسفة الفكر الديني بين المسيحية والإسلام،ج2 ص229، ومايرز، الفكر العربي،ص51.

[10]-  ماري تريزا، الغزالي في الغرب اللاتيني، ضمن (المؤتمر الثاني للأكاديمية المغربية)،ص397. وقارن: لويس جارديه، المصدر السابق، ص324.

[11]-  في بحثه: موسى من ميمون من قنوات انتشار الغزالي في أوربا،(ضمن أعمال المؤتمر الأكاديمي) ص381.

[12]-  دكتور عمر فروخ، عبقرية العرب بين الفلسفة والعلم، ط3 المكتبة العصرية، بيروت،1969،ص141.

[13]- زينب الخضيري، اثر ابن رشد،ص10، وقنواتي، وجارديه، فلسفة الفكر الديني،ج2،ص240. وقارن:

R.H.popkin,sub.sk. in Ency. of ph. vol 7.p.451, And -F.Rahmans,sub.Islamic.Ph.in   Ency. Of.ph. vol4, p.222 وكذلك  Birgh. Altahfut ,Vol ,I.p.33

[14]- مدني صالح، الغزالي، ص41و42. وزغريد هونكا، شمس العرب تسطع على الغرب.تر: كمال الدسوقي،ط1 المكتبة التجارية، بيروت،1964،ص204.

[15]- انظر  M.M.Sharief.، الفكر الاسلامي، منابعه، وآثاره، ت: أحمد شلبي ط2، دار النهضة المصرية، القاهرة،1966،ص98،99، وكذلك، عرفان عبدالحميد، الفلسفة في الإسلام،ط1 دار التربية للطباعة والنشر، بغداد، ب.ت.،ص147،148،وبدوي، دور العرب في تكوين الفكر الأوربي، ط1 دار الآداب، بيروت 1965م،ص39،وفلسفة العصور الوسطى، ص136.ولويس جارديه، فلسفة الفكر الديني،ج1،ص124.

[16]-  M.M.  Sharief الفكر الإسلامي، ص99،100.

[17]- الموسوعة الصغيرة، (1) ص29-30، عن: اوليكن، الغزالي في اوربا، (بحث)، مصدرسابق،ص400.

[18]- محمد يوسف موسى، بين الفسفة والدين في رأي ابن رشد وفلاسفة العصر الوسيط ط2 دار المعارف بمصر، 1968م،ص227. والشريف، المصدر السابق ص100.

[19]-  Birgh, Althafut ,Vol(1,p.30 andJ.R.Wienberg, Sub. Necolas, In: Ency.of.ph. Vol5,p.500.

إذ أضاف إلى أسبقية الغزالي دور نيقولاس الذي رفض هيوم الاقتراب  منه لأنه اغلق السببية بصورة نهائية. وقارن:رينان،ابن رشد والرشدية،ص112وفؤاد زكريا، قراءة نقدية في مشكلة الفكر والثقافة، ط1الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة،1975م،ص19. وزكي نجيب محمود، المعقول واللامعقول،ط3 دار الشروق، القاهرة، 1978م، ص354،342.

[20]-  راجع:. Birgh, Althafut ,Vol(1,p.30 andJ.R.Wienberg, Sub. Necolas, In: Ency.of.ph. Vol5,p.500

[21]-  عرفان عبدالحميد، الفلسفة في الإسلام،ص147-149. وبدوي، دور العرب،ص41،213. وعمرفروخ،عبقرية   العرب،ص142.

[22]-  Henry Corbin,Sub.Al-Ghasali. in: Ency.of ph.Vol.3 p.327.

[23]- Articale: Eternity, In G.Book..Vol.p.440,441.

[24]-  الحبابي، موسى بن ميمون، من (البحث) مصدر سابق،ص385. وقارن: بدوي، دورالعرب، ص35 ويذكر رقم المؤلفات وصفحاتها على الترتيب:ج3،ص365.ج8،ص429،ج4،ص43، وص213.

[25]- بدوي، المصدر السابق، ص36.

[26]-  أيضاً، ص36.

[27]-  عن: أوليكن، أثر الغزالي، مصدر سابق، ص415.

[28]-  Kant,La Relegion dans les limites de La Simple Raison. عن أوليكن المصدر السابق،ص415.

[29]-  د. عبد الله محمد الفلاحي، نقد العقل بين الغزالي وكانط، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2003م، ص. ص، 173-194.

[30]-  نقد العقل الخالص، ص 375-378. ود. عبد الله محمد الفلاحي، نقد العقل بين الغزالي وكانط، ص.ص،172-195.

[31]-  د. عبد الله محمد الفلاحي، المرجع السابق، 182- 187. وص 409- 430.

[32]-  أرنست رينان، ابن رشد والرشدية،تر:عادل زعيتر،ط1 دار إحياء الكتب العربية،القاهرة،1957،ص258.

[33]-  هيوم،ديفيد، محاورات في الدين الطبيعي، ص215.

[34]- جملة النقائض التي أوردها كانط في جدله الترانسندنتالي في نقد العقل الخالص، ثماني مسائل: أربع مثبتة، وأربع منفية، وهي تتفق تقريبا مع المسائل الأربع الأولى في كتاب التهافت للغزالي، وهي التي بدورها تنقسم إلى أربع مثبتة =(رأي الفلاسفة)، وأربع منفية،=(رأي المتكلمين)، والتي حصرها كانط في الطبيعيات. وكل مسألة من المسائل الأربع في تهافت الغزالي، تقابل نقيضة من نقائض كانط الأربع، وإن لم يفصلها الغزالي، لكن دراستنا في الدكتوراة تثبتت من ذلك، وبينت وجوه التماثل والتخالف بين التصورين. كما وجدت دراستنا أنه مثلما جعل الغزالي من القضايا (رأي الفلاسفة) ونقائضها (رأي المتكلمين)، جعل كانط من القضايا =(رأي القطعيين) وجعل من النقائض =(رأي التجريبيين) وكلاهما أي (الغزالي، وكانط) يرفضان  تبني رأي أحد الطرفين  أصحاب القضايا وأصحاب النقائض. للمزيد من التفاصيل: أنظر: د. عبد الله محمد الفلاحي، نقد العقل بين الغزالي وكانط، ط1، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2003م، ص. ص، 310 – 348.

[35]-  أ د. عبد الله الفلاحي، نقد العقل، مرجع سابق، ص، 348 – 360.

العقل المتهافت بين الغزالي وكانط،

رؤية نقدية مقارنة لليقين الترانسندنتالي

https://makhlabiali.info/wp-content/uploads/2020/02/العقل-المتهافت-بين-الغزالي-وكانط-،-رؤية-نقدية-مقارنة-لليقين-الترانسندنتالي.pdf