الميتافيزيقا كما يراها كانط،

معها وضدها في اللحظة عينها

بومان، أرتشيبال أ.، “الميتافيزيقا كما يراها كانط ، معها وضدها في اللحظة عينها”، في مجلّة الاستغراب، العدد 9، السنة 3، خريف 1439/2017، ص ص 37-55.

سيكون بعض مفكري الحاضر على استعداد للتأكيد على وجود بالمعنى الذي توجد فيه العلوم مجموعة من المبادئ واضحة المعالم، التي يمكن للإنسان في كل مكان، بمعزل عن قناعاته الخاصة، أن يفهم أنها ميتافيزيقا. في الوقت نفسه هناك كثيرون ممن يريدون تفسير الخصائص المميزة في الموقف الفلسفي من خلال الرجوع إلى ما يعرف بالـ «ميتافيزيقي» “metaphysical”. إن هذا التكرار للمنعوت بمصطلحات توصيفية مشكوك فيها هو من خصائص التغير الذي طرأ على الفلسفة في زمن كانط، وقد تمّ التعبير عنه بكرهٍ عام لكل محاولات تنميط ما هو فلسفي مقابل التجربة والمعرفة البشرية الشاملة. غير أن الأمر لم يكن كذلك في المرحلة السابقة، ففي الأنظمة الثورية الأكثر أصالة، استمر الجهاز السكولاستي، وإن عٌدّل في التطبيق، في نقل بعض التمايز العقدي الغريب عن التفكير الحديث إلى الفلسفة. من هنا بدأنا نربط الميتافيزيقا بشكل خاص بالعصر ما قبل النقدي. وحتى بالنسبة لهيغل، الذي يمثل أكثر من غيره التراث الميتافيزيقي في أزمنة ما بعد الكانطية، تعدّ الميتافيزيقا بوصفها منظومة مفاهيم محددة ومميزة بشكل ثابت شيئاً من الماضي – يسميها “die alte Metaphysik” الميتافيزيقا القديمة ؛ ويستبدل بها تصوراً للحقيقة التي تلجأ باستمرار للتعبير الوصفي المادي في مفرداتها، المنطقية والفكرية. كما أن هيغل لم يكلّ أو يملّ في الإشارة إلى أن مضمون الفلسفة هو تماماً المادة المشتركة بين التجربة، وما يراه الناس ويفكرون فيه ويجدونه متشكلاً بالنسبة لهم في المعارف الدينية والمألوفة؛ وإذا تمّ الإبقاء على فرق بين «المعرفة الفلسفية» من جهة ومعرفة الحياة العادية أو العلوم من جهة أخرى، فإن التمييز، كما يعبّر هيغل، محدود بالفرق في طريقة حصول المعرفة[2].

يتبيّن مما قيل أن رفض كانط المختصر الميتافيزيقا لا يحل المسألة، حتى بالنسبة لكانط. بل خلاف ذلك، إذ بسبب التمييز الذي تمّت الإشارة إليه، أصبح من المهم الالتفات بدقة للشيء الذي رفضه كانط. بالنسبة لهذا الأمر يمكن أن يكون هناك بعض الشك. هيغل نفسه هو الذي لم يقبل «ميتافيزيقا الماضي» المماثلة. بمعنى آخر، كانت الميتافيزيقا كما فهمت في السابق؛ والرفض المؤكد لها هي ما ترك بلا ريب عدداً من الأسئلة الأساسية من دون إجابة مثل: هل ينطوي نفي الميتافيزيقا على استبعاد ما سمّيناه بالميتافيزيقي؟ أو أنها خلاف ذلك، تذوّقت بذاتها طعم الإطلاقية العقدية بوصفها ميزة ثابتة لمضمون «ميتافيزيقا الماضي» الهيغلية ذات الطبيعة المتغيّرة؟ وهل يمكن التأكيد على إمكان اشتمال الفلسفة النقدية في مضمونها رفضاً منطقياً للميتافيزيقا وفي الوقت ذاته تكون بذاتها ميتافيزيقا منطقية؟ هل يصح ألا يكون الرفض مفهوماً إلا عن طريق الاستذكار، أو هل ينطوي جوهرها العقدي على حكم استشرافي حول «ميتافيزيقا مستقبلية»؟

يمكن اختصار كل هذه الأسئلة في استفهام ثنائي. أولاً علينا التفكّر في موقف كانط ذاته تجاه الميتافيزيقي، بوصفه متميِّزاّ عن الميتافيزيقا التي يرفضها. ثانياً، من الضروري تقييم نتائجه بموضوعية، وبشكل خاص مقارنتها مع تطورات لاحقة، ودراستها من أجل تحديد الأهمية المطلقة لموقفه بالنسبة للأسئلة التي تعد ميتافيزيقية بعامة. سيشغلنا الاستفهام الأول في المقالة الحالية: أما الثاني فإننا سنؤجله لمعالجة تالية. وأي بحث شامل حول رأي كانط حول الموضوع سيكون خارج مجال مقصدنا الحالي. فأنا أريد أن ألفت الانتباه إلى جانب من المسألة التي لا تبدو أنها جذبت انتباه، (في انكلترا على الأقل)، كل المستويات  على الرغم من أهمية الموضوع وما فيه من دلالات.

بيد أن المسألة التي نعالجها هي التالية: على الرغم من الشك الملحوظ في كل ما له طبيعة تأملية دوغمائية، فإن الرفض المقولي للميتافيزيقا ليس المعلم البارز في تفكير كانط المبكر. بل هو النتاج الخاص للمرحلة النقدية من فلسفته، التي يمكن وصفها بأنها الجانب الاحتياطي أو السلبي من تلك الظواهرية التي أمل أن يتمّ التعبير عنها بشكل كافٍ في نقد العقل المحض. ففي المرحلة ما قبل النقدية، المتمثلة بمقالة متأخّرة كأطروحته عن صورة ومبادئ العالمين الحسي والمعقول الصادرة عام 1770 On the Form and Principles of the Sensible and Intelligible World، [التي سيشار إليها في البحث بالأطروحة]، تمّ التسليم بالميتافيزيقا. وهذا ما سيقودنا لتوقع وجود فارق أساسي في المواقف الخاصة بين الأعمال التي سبقت نقد العقل المحض، وأي تصريح تال في الموضوع، ويوحي بالتساؤل إذا كان يمكن تمييز وجود أي فرق جذري حقيقي.

إن رأي الأطروحة Dissertation، المحدد بوضوح، هو أن الميتافيزيقا تتعلّق بالواقع كما ينكشف للفكر في أكثر جوانبه عمومية. ومن الأمثلة التي يعطيها كانط على المفاهيم الميتافيزيقية، الإمكان، والوجود، والضرورة، والجوهر، والسبب  ـ مع أضدادها أو لوازمها؛ في الواقع هي اللائحة الجزئية لهذه المفاهيم التي تظهر في نقد العقل المحض على شكل المقولات. لأن هذه المفاهيم ليست جزءاً من أي تصوّر حسّي، وبالتالي لا يمكن عدّها مجردة من المقولات، بل نحن نجردها من القوانين العقلية الموروثة من خلال ملاحظة نشاطها في التجربة. فهي بهذا ليست فطرية، بل مكتسبة[3].

قصدية التجريد ومعناه

من المهم أن نلحظ المعنى الذي يفهم فيه تجرّد مفاهيم الفكر. وفقاً لكانط هناك غموض في مصطلح التجريد. فنحن نتحدث عن التجريد من شيء وعن تجريد الشيء. والفرق هو أننا في الحالة الأولى نستعمل المفاهيم من دون الوصول إلى بعض الأشياء التي يمكن أن تكون موصولة بها؛ في حين أننا في الثاني نفصل العناصر المعطاة فقط في تركيب متماسك. «هكذا يجرّد المفهوم الفكري من كل شيء حسي؛ فهو ليس مجرداً من عناصر حسية، وربما كان وصفه بالمجرِّد أفضل من المجرَّد. لهذا السبب الأفضل أن نسمّي المفاهيم الفكرية أفكاراً محضة، والأفكار التي انتزعت تجريبياً، مجرَّدة»[4].

يبدو أن ما يعنيه كانط هو أن هناك بعض المفاهيم التي يتم الحصول عليها من مضامين مجرّبة واقعاً من خلال استبعاد بعض مظاهرها؛ في حين أن هناك مفاهيم أخرى يتمّ اكتسابها، ليس من خلال الفصل الذهني لمظاهر مضمون مستقل متماسك، بل من خلال تجاهل أي سياق خاص يظهر فيه المضمون. إن التصور الوارد (في القسم 8) عن قوانين العقل الموروثة هي في غاية الأهمية، والأسلوب المستعمل، عندما يضاف إلى الموجود (في القسم 6)، يشكّلان كلاماً واضحاً ودقيقاً. وإذا جمعنا القسمين معاً، فإننا سنحصل، بلغة الوعي السلبية والإيجابية، على تحديد للشروط التي تشكّل أساس وعي المفهوم الذي نتعامل معه. (1) إننا لسنا معنيين بالأشياء التي يمكن أن ترتبط بشكل او بآخر بالمفهوم. (2) إنّما نحن معنيّون بأنشطة المفهوم (أي ما يفعله العقل واقعاً) عندما تتيح لنا التجربة الفرصة. لا بد لنا أن نلحظ، أن التجربة تتيح فرصة لاكتساب المفاهيم العقلية. إنها لا تزود من مضمونها شيئاً لمضامين المفاهيم العقلية. هنا بالضبط مورد الاختلاف بين المفهوم الفكري والمفهوم الأمبريقي. فمحتوى المفهوم الفكري يتحدّد من خلال النشاط الذهني المتصل به.

من جهة أخرى هناك نقطة إضافية ذات أهمية، وهي تمييز الاستعمال المنطقي من الاستعمال الواقعي للفكر. فالاستعمال المنطقي للفكر يرتبط فقط بتنظيم المفاهيم في المراتب المناسبة، باستقلال عن المصدر الذي انتزعت منه؛ في حين أن الاستعمال الحقيقي للفكر يرتبط بالانتزاع الواقعي للمفاهيم، سواء منها مفاهيم الأشياء أو مفاهيم العلاقات.[5] والميتافيزيقا تُعنى بالاستعمال الحقيقي لا بمجرد الاستعمال المنطقي للفكر – وبهذا يمكن أن نفهم أن المفاهيم الأصيلة للأشياء والعلاقات، وكذلك البديهيات، معطاة في الأصل من العقل المحض نفسه.[6] فمصطلح معطى في هذا السياق يعني بوضوح «معطى على أنه موضوعات». بهذا يكون العقل هو الملكة الذاتية التي تتبدّى لها المفاهيم العقلية مباشرة باعتبارها موضوعها الجوهري.[7] وبالنسبة لطبيعة هذه الموضوعات يجب أن نرجع إلى التوصيف الوارد؛ وهو توصيف يبدو بعيداً عن توصيف كانط، إنه يقع في صنفين من الأشياء والعلاقات.[8] لا نستطيع القول إذا كان المعني بالصنف الأول أي شيء من طبيعة المقولات الجوهرية، وبالصنف الثاني كل ما يمكن أن يسمّى علائقياً أو شكلياً، أو من جهة أخرى، أي مقولة سواء أفهمت بالمعنى الجوهري أم الظرفي. تمّ اقتراح التفسير الأخير من خلال وضع السبب الغامض إلى حد ما، وبالتالي كما ندرس هذا باعتباره جوهراً يعزز العلاقة أو (في حال نقد العقل المحض) باعتبار أنه العلاقة نفسها كما ترى من منظور أحد لوازمها.[9] فالخاصية المهمة هي أن المفهوم العقلي، سواء في شكله الجوهري أو لا، وفي كل حالاته يقتضي الاستعمال الواقعي للعقل. يبدو كأن موقف كانط في هذه الجزئية كان شبيهاً بموقف الواقعي الذي يفهم الأشياء والعلاقات مباشرة عن طريق الوعي بوصفها موضوعات طبيعية له، وكلاهما حقيقي وإن بطريقتين مختلفتين.

مفهوم “النومان” الكامل

مهما كان حجم الغموض الذي يمكن أن يلحق بميزة بعض الأمثلة التي استشهد بها كانط في (القسم 8)، لا يمكن أن يوجد أي غموض لاحق بالمفهوم الذي تمّ التعامل معه في القسم التالي. هنا يميّز كانط النهايتين اللتين ترتبطان بالأفاهيم العقلية – ما يسميه نهاية نقضية ونهاية دوغمائية. فهو يؤكّد أنه وفقاً للنهاية الدوغمائية «المبادئ العامة للعقل المحض، كالتي تتجلّى من خلال الأنطولوجيا أو السيكولوجيا العقلية (من ثم من خلال الميتافيزيقا، بالمعنى الكانطي)، تنتهي في نموذج مثالي، لا يمكن فهمه إلا عن طريق العقل المحض وينفع كقياس عام لكل الأشياء بقدر ما هي حقائق.» يسمّي كانط هذا «النموذج» النومان الكامل Perfectio Noumenon، الذي يتماهى في دلالته النظرية مع الكائن الأسمى أو الله. وكما يتّضح أن اعتبار كانط العالم موضوعاً فكرياً آخر بالمعنى الجوهري (الذي ينكشف للعقل ككل مصمم حتماً من أجزاء جوهرية) يمثّل نصف موضوع المقالة. لا شك أن رأي كانط حول ما يشكل موضوع علم الميتافيزيقا يشتمل على الموضوعات التي يؤكّدها بخاصة في نقد العقل المحض.

الكائن الأسمى، الذي ذكرناه في الفقرة السابقة، هو نومان كامل كما يُفهم بالمعنى النظري. لكن يمكن تفسير نفس الكمال النوماني عملياً، وهو الحدث الذي تنشا منه فكرة الكمال الأخلاقي.[10] يضيف كانط، «إن الفلسفة الأخلاقية، بقدر ما تزوّد بالمبادئ الأولى للحكم الأخلاقي، لا يمكن أن تعرف إلا من خلال العقل المحض، وهي ذاتها تنتمي للفلسفة المحضة…» المقطع الذي أمامنا لا يبيّن بشكل قاطع إذا كان يمكن أن تندرج «الفلسفة الأخلاقية» ضمن الميتافيزيقا. يمكن أن يفهم ذلك من خلال التفسير الطبيعي للكلمات، نظراً لأن التفسير النظري والعملي كليهما يخضعان لسلطة النومان الكامل، المحدّد كغاية لحقول ميتافيزيقية مثل الأنطولوجيا والسيكولوجيا العقلية. علاوة على ذلك فإن عالم التمايزات الأخلاقية ينتمي للحقل الذي يسميه كانط حقيقياً، في التمييز بالتضاد للاستعمال المنطقي للفاهمة؛ لكن التمييز الذي يرسمه بين المثالي، من جهة، كمعيار للقياس ومبدأ للمعرفة، والله، من جهة أخرى، بوصفه موجوداً بالفعل، وبالتالي مبدأ للمعرفة والوجود، ليس مناسباً في هذا السياق.

متابعة لتصميمنا على مقارنة بعض عبارات كانط قبل النقدية حول موضوع الميتافيزيقا مع بعض تصريحاته المتأخرة، نرجع الآن إلى المصدر الذي ترك تنقيحه غير الكافي، على الرغم من عدم فقدانه الأهلية، لزمن مقداراً غير محدد من هذه العبارات. فإن كتاب، محاضرات إيمانويل كانط حول الميتافيزيقا Immanuel Kant’s Vorlesungen ibber die Metaphys Immanuel الذي صدر عام 1821 من دون ذكر لاسم المؤلف، ثم صدر باسم محرر الطبعة الثانية عام 1830، البرفسور في لايبزيغ بوليتز Politz تعامل معه المفسرون بتحفّظ[11]. كما أهملت المحاضرات بشكل واضح من جانب هارتنشتاين Hartenstein في طبعته الثانية لكانط (1867)، وأشار فاهاينغر Vaihinger إلى لزوم الحذر في استعمالها.[12]لكن القيمة الأساسية لمطبوعة بوليتز أثبتت بوضوح على يد ماكس هاينز Max Heinze في كتابه، الذي نشر عام 1894: محاضرات كانط حول الميتافيزيقا Vorlesungen Kants uber Metaphysik aus drei Semestern، في الكتاب «وصف» قيّم لخمس مخطوطات وفّرت في جزء منها بالتأكيد لبوليتز النسخة الأصلية، وفي جزء آخر زوّدته بدليله الإثباتي الأساسي. والذي يساويه في الأهمية دراسات إميل أرنولدت Emil Arnoldt، التي نشرت مجتمعة في نفس العام الذي نشر فيه كتاب هاينز، وهي توفّر للقارئ دليلاً قيّماً لاستعمال المادة.

تتوّقف قيمة المحاضرات التي تلقي الضوء على المغزى الحقيقي لفلسفة كانت النقدية، كما تتوقّف قيمة المادة المكمّلة الأخرى، على عاملين، أولاً، يجب التفكّر بالمضمون من خلال الرجوع الإلزامي إلى التعبير عن آراء كانط المنشورة رسمياً.[13] ثانياً، (وهو موضوع يشتمل من جديد وإلى حد ما على دليل على المضمون[14]) سيكون لتاريخ المحاضرات أهمية أساسية في تحديد مغزاها.

حول هذه النقطة الأخيرة كان هناك خلاف في الرأي. فالمخطوطات الثلاث التي يرمز إليها هاينز ب ل1، ك1، وهـ1، والتي تحوي في طياتها مضمون كتاب بوليتز، وعلى الرغم مما فيها من تشعبّات،[15] يمكن نسبتها بوضوح إلى مصدر نهائي واحد.[16] يرى أردمن Erdmann الذي سبق أن «وصف» ك1،[17] لكنه كان يجهل وجود هـ، أن تاريخ المخطوطة ليس قبل شتاء 1733 – 1774، وأنه «قد يكون بعد ذلك بكثير»؛ لكن أرنولدت وهاينز، وبدليل يبدو مقنعاً، حدّدا التاريخ نحو نهاية العقد.[18] وانسجاماً مع هذا يؤكّد هاينز التطابق العام بين المحاضرات وبين نقد العقل المحض، بينما يؤكد أردمن الاختلاف، الذي يربط بين موقف كانت وزمن الأطروحة Dissertation 1770.[19]

من المخطوطات الأخرى[20] ل2 التي يعتقد هاينز Heinze أنها «مخطوطة»[21] كان يمكن البرهنة بدليل ظني قوي أنها تعود للعام 1790 أو 1791؛ في حين أن ك2، التي يمكن أن تكون صورة طبق الأصل[22]، تقوم على دليل خارجي يعود لبدايات التسعينيات [من القرن الثامن عشر]، وربّما لعام 1793 – 1794.[23] بمعزل عن الخطة المحددة للفصل الدراسي، قدّم ما يكفي من الأدلة على أن في هذه المخطوطات تعرضاً للميتافيزيقا يعود لمرحلة كانط النقدية المتأخرة وإلى سنواته الأكاديمية المتاخّرة.

المغزى الدقيق الذي يمكن ربطه بالمحاضرات كتعبير عن موقف كانط، لا سيّما بالنظر إلى حقيقة أنه لأهداف توضيحية اتبع تقسيم بومغارتنز Baumgarten للموضوع، سيرتبط في النهاية بالاعتبارات السابقة – المواقف التبادلية للمحاضرات والعمل المنشور.[24] في واقع الحال يجب التسليم بضرورة تكييف مذهبه مع كتاب تعليمي يمثل وجهة نظر مختلفة نتج منها تشوّهات وعدم اكتمال في الإيضاح[25].

ثمّة نقطتان محددتان جديرتان بالملاحظة. الأولى سيتّضح قبول كانط المطلق بتقسيم بومغارتن Baumgarten باعتباره كافياً للهدف الذي كان يصبو إليه، في أنه انطلق، عندما كان في مرحلة مبكرة تحت تأثير المنهج التجريبي، من هذا التصنيف[26]، ورجع إليه في النهاية.

ثانياً، يجب السؤال بجدية إذا كان تقسيم بومغارتن Baumgarten على أسس جوهرية لا يتكيف بسهولة مع الآراء التي يحق لنا وصفها بأنها كانطية من خلال ملامحها الأساسية – هل أن موضوع «هندسة العقل المحض» لم يكن مضاهياً في أهميته منطقَ موقف كانط الشامل.

جهِد كانط في إيضاح اتحاد مشكلة الميتافيزيقا في بعض مراحلها مع مشكلة المعرفة؛ لكن هذا لا يعني أن النظرية النقدية في المعرفة توفّر حلاً تاماً (قد يكون سلبياً أو غيره) للمشكلة السابقة. إن نقد العقل المحض الذي يشدد على تقييد المعرفة بموضوع الحواس، طبيعي أن يقوم بخير تمييز بين إمكان المعرفة وإمكان التفكير، يكون موضوع علم الميتافيزيقا مستبعداً عن مجال إمكان المعرفة ومقتصراً على إمكان التفكير.

هنا يستعمل أردمن Erdmann التشديد على هذا التمييز، أو العكس، وهو المعيار الذي نختبر به قرب المحاضرة المخطوطة بالنسبة لنقد العقل المحض أو بعدها[27].

من أجل استعمال هذه الخاصية المميزة بوصفها مؤشّراً خاصاً على موقف كانط في نقد العقل المحض لا يمكن استثناء أي شيء. لكن غياب التمييز في شكل تلك الأطروحة النقيضة الحادة التي تميّز بها نقد العقل المحض أو ظهور الأطروحة النقيضة الأخرى البديلة منها، التي تؤكّد مثلاً، لا على تمييز ما هو قابل للمعرفة وماهو قابل بشكل أقل للتفكير، بل تمييز الجوانب النظرية والعملية للمعرفة، لا يمكن اعتباره بذاته مؤشّراً على أي أولوية مهمة لتحديد تاريخها. ولكي نستفيد من هذا الاستنتاج من الضروري أن نبيّن أن كانط، بعد تعريف المعرفة كما عرّفها في نقد العقل المحض، من خلال الإشارة القاطعة لما يمنحها الواقعية أو إماكنية التطبيق في التجربة من جهة، وشمولية العلم من جهة أخرى، يستمر في تفسير الفهم حصرياً بهذا المعنى التخصّصي للغاية. وهذا ينطوي على رفض لتطبيق مصطلح معرفة أو علم بشكل جدي على أي علم أو مفاهيم محضة – مثلاً، على علم كالمنطق، وعلى ما له أهمية أعظم وهو العلم الذي كان بالنسبة لكانط النموذج المناسب للمعرفة الحقة – الرياضيات. والواضح هنا أن احتجاج أردمن يستبطن الادعاء بأن كانط يستعمل كلمة «معرفة» تحديداً كما هي مقرّرة في الأجزاء الأولى من نقد العقل المحض.

على سبيل المثال، إنه يدافع عن تقدير القرب النسبي للمحاضرات التي يناقشها من الأطروحة Dissertation من خلال قوة المقاطع التي يقتبسها، كما يلي: «إن الاستعمال الخالص للعقل… هو تطبيقه على الموضوعات التي لا تكون موضوعات للحواس» وهنا يقول، «القاعدة لم تُثبت من خلال التجربة». يقول في مقطع آخر «ومن ثم يمكننا القول، فيما يتعلّق بالمادة، لا شيء في الفاهمة لم يكن حاضراً في الحواس، لكن عندما نتفكّر في الصورة تكون المعرفة عقلية محضة لا علاقة لها بأي موضوع من موضوعات الحواس.» وهكذا يكون «أيضاً مبدأ المعرفة من خلال الأفاهيم التي لا تحوي أي عناصر مستقاة من الحواس. بمعنى آخر، لدينا معرفة بالموضوعات، من دون أن نكون متأثرين بأي شكل بالحواس. هذه مفاهيم عقلية.»[28].

يتبيّن تفسير أردمن هذه المقاطع من خلال التالي: ’هذا وعلى الرغم من المصطلحات الكلية التي عُبّر فيها عن حصر المقولات بموضوعات التجربة المحتملة، وعلى الرغم من نفي أي استعمال ترنسندالي عن المقولات، فإن كانط يربطها بالمعرفة العقلية للأشياء في ذاتها من خلال أفاهيم الفاهمة… يجب أن نستمر في التأكيد أيضاً على أن قابلية التفكير بالموضوعات عموماً في نقد العقل المحض كأشياء في ذاتها من خلال الفهم الخالص ما زالت موجودة. ما نجده هنا هو تناقض شبيه بالقيود النقدية للفاهمة. الفرق الوحيد هو أن التناقض في العمل السابق أكثر حدة وقساوة. فحيث إن في نقد العقل المحض فقط قابلية التفكير بالموضوع الإشكالي التي يستمر كانط بالتأكيد عليها في المحاضرات، فإنه ما زال يؤكّد بشكل خاص قابلية معرفة الأشياء في ذاتها من خلال الاستعمال المحض للفاهمة.»

الميتافيزيقا وقابلية المعرفة

الآن، وكما تمّت الإشارة سابقاً، إن درجة القوة التي يمكن ربطها بالأطروحة النقيضة التي جعل كل شيء يرجع إليها، تتوقف بشكل كبير على استعمال كانط مصطلح «المعرفة» erkenntnis اللاحق لنقد العقل المحض، وهذا ما لا يمكن التشكيك فيه. وفيما يرتبط باستعمال كانط، لا حاجة لجعل التناوب شاملاً بين المعرفة التي تحددها الحواس وفكرة «الموضوع ببعامة» أو الشيء في ذاته. في المقالة حول تطوّر الميتافيزيقا Ueber die Fortschritte der Metaphysik، مثلاً، الأطروحة النقيضة الثابتة ليست حول قابلية المعرفة وقابلية التفكير، بل حول المعرفة النظرية والمعرفة العملية، أو بين المعرفة بالمعنى النقدي والمعرفة بالمعنى الذي يشتمل على موضوعات الميتافيزيقا الإشكالية.[29] لو أخذنا هذا بعين الاعتبار يبدو أنه سيوفر لنا الأساس للتقليل الجدي من أهمية الفوارق التي يؤكّدها أردمن بين موقف نقد العقل المحض وأنطولوجيا مخطوطة كورف Korff.

لهذه الأسباب المختلفة، المتعلّقة بالتسلسل الزمني وكذلك بالمضمون الأكاديمي لمحاضرات كانط، يجب أن نستنتج أن الاستعمال الحذر لكتاب بوليتز، البعيد جداً عن قلة القيمة، لا شك أنه أساسي لحل المشكلة التي يتركها نقد العقل المحض في كثير من الغموض.

والآن بالعودة الى المحاضرات نفسها، فإننا نلحظ بالدرجة الأولى أن التقسيم العام فيها، كما رأينا سابقاً، ينسجم تماماً، مع التقسيم في «هندسة العقل المحض» «Architectonic of Pure Reason». ومن جهة أخرى ثمة ما يستحق الملاحظة أكثر فالكوزمولوجيا العقلية في المحاضرات تسبق الفيزيولوجيا العقلية فيها والقسمين التاليين من الفيزيولوجيا العقلية: الفيزياء العقلية والسيكولوجيا العقلية، فالأخيرة فقط اختصت بمعالجة تفصيلية. والأكثر أهمية هو أن المعالجة تأتي مباشرة بعد معالجة الديالكتيك، ليس فقط في تفصيل الإيضاح، بل في الخاصية العامة للحكم الذي يصدره كانط على قوة حجة البراهين ذات الصلة. الفرق الحقيقي الوحيد هو فرق في التأكيد، ففي نقد العقل المحض يؤكّد كانط ضعف الحجج حين تفسَّر على أنها معرفة موضوعية مبرهنة. أما في المحاضرات فإنه يشدد على الاعتماد على الأسس الذاتية لليقين. وفي هذا السياق لا بدّ من اقتباس المقطع التالي: «إن معرفة الله لم تكن، قط، أكثر من فرضية ضرورية للعقلين النظري والعملي.» [المهم هنا أن الأسس النظرية والعملية للإيمان بالله وضعت في المستوى نفسه.] لكن على الرغم من أن هذه المعرفة لا تساوي أكثر من مسلّمات عقلية ضرورية، تتمتع بيقين عملي، أو درجة من الصدقية على الرغم من عدم القدرة على البرهان، فمن الضروري لمن يرغب في استعمال عقله وإرادته الحرة أن يفترض هذه المعرفة مسبقاً، إذا لم يكن لديه رغبة بالتصرّف كوحش أو كمجرم. لكن المسلمات الضرورية لعقلنا بالنسبة لكل المقاصد والنوايا لا تختلف عن الحقيقة الضرورية.[30] بالتالي تكون الأسس الذاتية للمسلّمات الضرورية واقعية بقدر واقعية الأسس الموضوعية لليقين. وهذه الفرضية الضرورية تسمى اعتقاداً أو إيماناً. وعلى الرغم من عجزنا عن البرهنة على وجود الله وعلى عالم المستقبل، فإن الأساس الذاتي لافتراض ذلك ما زال موجوداً… الاعتقاد الثابت، إذا سلّمنا فقط أنه يعبّر عن شرط ضروري، يكون راسخاً جداً، ويرتكز قطعاً على أسسه الذاتية، ذلك أن لا شيء يرتكز على اعتبارات موضوعية يمكن أن يثبت في النفس أكثر.

«إن قوة هذه المسلّمة فيما يتعلّق بالذات، وربّما بالموضوع، تضاهي قوة البرهان الموضوعي الأول في الرياضيات»[31].

سيتبيّن لاحقاً أن علم اللاهوت الميتافيزيقي كما قُدّم في المحاضرات لا يدّعي خاصية موضوعية المعرفة كما عرّفها نقد العقل المحض. وهذا ما يجعل الانسجام قائماً بين مبدأ المحاضرات وبين الإبستمولوجيا النقدية بالتحديد عند كانط. من جهة أخرى فإن المحاضرات تتبنّى موقفاً محدداً من مسألة التوجّه العام. الإيمان بالله ثابت بقدر ثبات معرفة الأشياء، ما يختلف هوالأسس فقط. إذاً ما طبيعة العلاقة التي تربط بين المعرفة والاعتقاد أو الإيمان؟ نتيجة التحليل، تبيّن، أنها نوعاً ما، متماهية مع العلاقة التي اكتشفناها في الأطروحة Dissertation. هناك رأينا كانط يقدّم النومان الكامل كنموذج مثالي تصل فيه مبادئ العلوم الميتافيزيقية الأنطولوجية والسيكولوجيا العقلية إلى أعلى مراتبها. هذه هي «غاية» الأفاهيم العقلية، فالأفهوم الأقصى هو الذي يعطيها معنى. بهذا اللحاظ هناك انسجام فعلي مع المحاضرات. هنا يشير كانط بشكل واضح إلى أن اللاهوت العقلي هو «الغاية والدافع الأخير للميتافيزيقا.»[32] ثم يتابع: «إن هذا العالم هو موضوع تجاربنا وأفاهيمنا الأمبيرية كلها؛ لكن معرفتنا، لا تصل إلى حدود أبعد من التي توصلنا إليها التجارب. لكن في هذه المعرفة نستطيع أن نصل إلى حدود هذه التجارب. فحدود هذا العالم لا تمتد إلى أبعد مما توصلنا إليه التجربة؛ فحدود هذا: العالم من جهة الأزل، وحدود هذا العالم من جهة الأبد، هما الله والعالم الآخر. وهكذا يكون الله هو الحدّ الما قبلي، وعالم المستقبل هو الحدّ الما بعدي. لكن بالنسبة لهذه الحدود تكون كل التأمّلات الميتافيزيقية هباء ولا فائدة منها على الإطلاق. فكل تأمّلات الفلسفة مرتبطة بهذين الأفهومين المحدِّدين؛ لهذا السبب لن تكون هذه التأملات ضرورية إذا لم نستطع أن نتعلم منها ما قبل العالم وما بعده. كل ما هو خارج العالم هو سبب العالم ونتيجته وهما شيئان مترابطان بشكل وثيق. فدراسة العالم بشكل عام تمّت في الكوزمولوجيا، ونتيجة العالم في السيكولوجيا العقلية، وسبب العالم سيدرس في اللاهوت العقلي. وهكذا تكون معرفة الله الدافع النهائي والغائي للميتافيزيقا. بالفعل يمكننا القول: الميتافيزيقا هي علم العقل المحض الذي نحاول من خلاله تحديدأن يكون بمقدورنا أن نفهم سبب العالم.»

إن ما يقوله كانط هنا هو أن اللاهوت العقلي إلى جانب ذلك الجزء من السيكولوجيا العقلية التي تبحث في خلود النفس هو نقطة الذروة في الميتافيزيقا – التي تضفي الأهمية على سائر الفلسفة؛ أي على الكوزمولوجيا العقلية. لكن المضمر في كلماته هو على ما يبدو فكرة، وهي في الواقع أساسية في فكره، على الرغم من أنه لا ينجح في إعطائها التعبير الدقيق، لدرجة أنه ليس الميتافيزيقا فقط، بل التجربة والمعرفة التي يحددها كانط بالنسبة للتجربة، تبلغ ذروتها في علم يبحث في مسألتي الله وعالم المستقبل. تكمن أهمية التمييز بالنسبة لبحثنا في حقيقة أنه نظراً لأن السؤال المثار هو هل كان كانط يعترف، أصلاً، بالميتافيزيقا بوصفها علماً حقيقياً، وإلى أي حدّ كان يعترف بها، لا يساعدنا كثيراً في أن يقال لنا إن الميتافيزيقا تبلغ ذروتها في بعض المبادئ، فالمسألة مختلفة تماماً إذا استطعنا أن نفهم أن المعرفة، بالمعنى الذي يفهمها فيه كانط، تكتسب معناها من هذه المبادئ نفسها، وبالتالي من الميتافيزيقا. واذا كانت المسألة على هذا الشكل، يبرز هذا السؤال الملحّ: هل كان بمقدور كانط أن يمنع اسم المعرفة عن المبدأ العلمي (وهو يعترف أنه علمي) الذي تستمدّ منه نفس المعرفة هذا المعنى والوضوح، كما تمّ تعريفها من حيث ارتباطها بالتجربة، في نهاية المطاف؟

قبل تفاؤلنا بالإجابة عن هذا السؤال، ثمّة نقطة إضافية تحتاج إلى توضيح. فحين يصف كانط «معرفة الله» بأنها غاية الميتافيزيقا وهدفها، فهو يتكلم كما لو كان الجزء الباقي من الموضوع مشمولاً في الكوزمولوجيا العقلية،[33] والسسب في ذلك واضح. فمسألة الله تنشأ بشكل طبيعي جرّاء وعينا حدود العالم. لكن لا يمكن عدّ الموضوع محسوماً إلا بعد عدّ الميتافيزيقا كُلاً (وبالتالي الأنطولوجيا) بالنسبة للمبدأ الذي قيل إنها ستبلغ ذروتها فيه. وبالتالي، فإن مشكلتنا الأخيرة تتعلّق بفهم كانط للأنطولوجيا باعتبارها الجزء المتمّم للميتافيزيقا.

ثلاثية الله ـ الحرية ـ الخلود

يحدّد كانط موضوع علم الميتافيزيقا في نقد العقل المحض، بأنه الله، والحرية والخلود، وبهذا يتبيّن أنه يحدّ الميتافيزيقا بأفاهيمها البالغة ذروتها – إذ يشير في الأطروحة Dissertation إلى أن «غاية» كل مبادئها، هو النومينا الكامل Perfectio Noumenon. لكن الواضح أن هذه «الغاية والهدف» ليست موضوع الميتافيزيقا كله. ففي الأطروحة هناك قسم متمثل جزئياً بأفاهيم الإمكان، والوجود، والضرورة إلخ؛ أمّا في «هندسة العقل المحض» كما في المحاضرات Lecttures، فيبقى عليه أن يفسّر الأنطولوجيا. إضافة إلى ذلك، يتبيّن أن لائحة الإيضاحات الموجودة في الأطروحة التي تشير إلى موضوع العلم نفسه قد تمّت معالجتها تحت عنوان الأنطولوجيا في نقد العقل المحض وفي المحاضرات. حتى الآن كل شيء بسيط ومفهوم. فمن الممكن تفسير الفوارق التي يمكن رصدها بين الأعمال السابقة والأعمال اللاحقة بسهولة على أنها تطوّر. العنصر الغريب في الحقيقة هو موقع الأنطولوجيا في نقد العقل المحض. لكل من العلوم الميتافيزيقية الثلاثة الأخرى قسم يتناسب معه من الديالكيتيك، الذي تمّت فيه معالجة العلم المفترض من وجهة النظر النقدية تحديداً. وكذلك وجدنا سبباً للاعتقاد، بعدم وجود انحراف أساسي عن وجهة النظر هذه في المحاضرات. من هنا ينشأ السؤال الآتي: لماذا لا يوجد مجال في الديالكتيك لمعالجة الأنطولوجيا، مماثل لذلك الذي أتيح للكوزمولوجيا العقلية، والسيكولوجيا واللاهوت؟ الجواب هو أن الأنطولوجيا إجمالاً ترادف التحليل الترانسندتالي. فلنرَ كيف يكون ذلك.

لا يوجد أي نقص في وضوح العبارات بالنسبة لتفسير كانط للأنطولوجيا أو كما يسمّيها هو الفلسفة الترانسندالية. في المحاضرات نجد التالي: «الأنطولوجيا مبدأ محض لعناصر معرفتنا القبلية a priori كلها. بتعبير آخر، إنها تشتمل على مجموع الأفاهيم الخالصة التي يمكن أن نكوّنها عن الأشياء قبلياً». «الأنطولوجيا هي مبدأ العناصر التي تكوّن كل ما يمكن أن يحصل من أفاهيم قبلية في فاهمتي.»[34] «السؤال الأول والأكثر أهمية في الأنطولوجيا هو: كيف يمكن أن تكون المعرفة القبلية ممكنة؟ يجب أن تحلّ هذه المسألة في المقام الأول؛ لأن الأنطولوجيا كلها ترتكز على الحل.»

لكن فور إطلاقنا هذه العبارة تواجهنا مشكلة علاقة الأنطولوجيا بنقد العقل المحض. كلمات كانط في الصفحة 18 لا تحمل أي إشارة لأي فرق، فهو يعلن أن العلم الذي يجيب عن سؤال كيف تكون المعرفة القبلية ممكنة هو أن ننقد العقل المحض. وهذا يوحي، في ظاهره، بأن كانط يقول بالتطابق بين النقد والأنطولوجيا. لكن الواضح أنه لم يقصد هذا. لأنه، في الجملة التي تلي، يتابع الحديث عن الفلسفة الترانسندتالية كما لو كانت شيئاً مختلفاً.[35] «الفلسفة الترانسندالية هي نظام معرفتنا المحضة القبلية كله. إنها معروفة عموماً بالأنطولوجيا. وعليه، فإن الأنطولوجيا تتعامل مع الأشياء عموماً. إنها تُجرِّد من كل شيء…» [… يضيف أرنولدت Arnoldt «تجريبي أو من كل شيء معطى من خلال التجربة.» ].

أصالة المعرفة القبلية

يستمّر كانط في التمييز بين الأحكام التحليلية والأحكام التوليفية مشيراً إلى أهمية الأولى في الفلسفة، وبشكل خاص في الأخلاق،[36] ثم يختم بهذا السؤال: «كيف يمكن للأحكام التحليلية أن تكون قبلية؟» والسؤال متبوع بآخر: هل يوجد في الفلسفة أحكام توليفية قبلية؟ لقد تمّت الإجابة عن هذا السؤال من خلال افتراض أن هذه الأحكام تحصل في الفلسفة «من خلال الأفاهيم»، وفي الرياضيات «من خلال بناء الأفاهيم». من هنا فصاعداً، يتبيّن أن كانط يصوغ الموقف النقدي للتحليل في أكثر الخلاصات اختصاراً: إن التجربة تتألف من أحكام توليفية، «المعرفة القبلية غير ممكنة من خلال التجربة. بل خلاف ذلك، لا تكون التجربة ممكنة إلا من خلال المعرفة القبلية.» كل المعارف تشتمل على الأفاهيم والحدوسات، التي يفترض أحدها الآخر مسبقاً.[37] «لكل الأفاهيم مصدر قبلي في الجانب الشكلي من استعمال الفاهمة.» ثم يلي جدول المقولات. الحدوسات والمفاهيم يجب أن تحصل معاً قبلياً كشرط للمعرفة، «نحن نشير من خلال تفسير إمكانية الأفاهيم الخالصة للفاهمة إلى الاستنتاج. الاستناج بعامة، هو الجواب عن السؤال ما القانون المطبّق؟ إن استنتاج المفاهيم الخالصة للفاهمة هو دليل على واقعية المفاهيم الخالصة للفاهمة.»

في القسم التالي الموسوم «حول الأساس» يظهر مجدداً تمييز الأطروحة Dissertation بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المنطقي للأفاهيم في التمييز الأوّلي بين الأساس والتالي ground and consequent من جهة والسبب والنتيجة من جهة أخرى. الخاصية المثيرة للاهتمام هي أن كانط هنا يقدم مجدداً التمييز على أنه واحد بين المنطق والميتافيزيقا. ينتمي أفهوم الأساس إلى الميتافيزيقا فقط في صورة أفهوم سببي، وهذا يشير فوراً إلى أن التمييز بين المنطق والميتافيزيقا، كما يفهمه كانط هنا، هو مجرّد تمييز بين المنطق الصوري والمنطق الترانسندتالي– الذي سيفضي، بعامة، إلى تأكيد مماثلتنا بين الأنطولوجيا (الفلسفة الترانسندتالية) وجوهر الأناليطيقا Analytic.

في سياق التمييز بين الأساس المنطقي والأساس الحقيقي يقحم كانط السؤال النقدي تحديداً (بالمعنى الضيق) المتعلق بإمكان الأحكام التوليفية قبلياً؛ ومعالجته هذا السؤال هي النقطة المفصلية التي يدور حولها كل شيء. وتبعاً لقبولنا أو عدم قبولنا بكلام كانط من حيث توافقه مع الموقف النقدي الدقيق يجب أن نعترف بالآراء الميتافيزيقية المعبّر عنها في هذه المحاضرات، أو نرفضها، كجزء متمّم لتفكيره. ويجب الاعتراف بما يبدو في كلماته من صعوبة كبيرة. وإذا نظر للمسألة بشكل سطحي، فإن السؤال الأساسي يدور حول ما يمكن أن يبدو مسألة إقرار شكلي. يمكننا أن نقول بالإجمال إن كل ما يقصده كانط في نقد العقل المحض هو أن يمثل الحكم الذي يشكل نوعاً من المعرفة التي تتخذ لها موضوعاً إما المادة الفعلية للحس، أو شيئاً يمكن ردّه في النهاية إلى هذه المادة، أمّا محمولها فيكون وصفاً مفهومياً للموضوع. لكن الترتيب هنا يبدو معكوساً. «عبر الحواس نحن لا نعرف غير الأعراض أو محمولات الموضوع. والموضوع نفسه كامن في الفاهمة. تبيّن هذه الكلمات أن ما قصده كانط هو «الموضوع في ذاته»[38] – الموضوع كما يوجد في ذاته وكما هو معروف من خلال المفهوم الفكري بشكل مستقل، وعلى الرغم من التناقض الذي يمكن أن تظهره التجربة فيه، أي، المفهوم الفكري للأطروحة Dissertation أو «الموضوع الترانسندتالي» لنقد العقل المحض، وبالفعل لن يكون هناك حاجة للجدل في حقيقة أن لنا في «الموضوع نفسه» نظيراً للمفهوم الفكري – أي إن الفهم في مرحلة المحاضرات يشغل الفضاء الذي شغله سابقاً الفهم الفكري للأطروحة Dissertation. هذا الاعتراف مرتبط بمحاولتنا لتأسيس استمرارية المبدأ الميتافيزيقي بين الأطروحة Dissertation والمحاضرات Lectures. من جهة أخرى، إذا وضعنا هذا الاستمرار جانباً، فإننا سنكون أمام النتيجة الآتية: بسبب استبدال الفلسفة النقدية بمبدأ الأطروحة، فإن محتوى المحاضرات لا بد أن يوصف بأنه مجرد استمرار لأطروحة مهملة، أحياها كانط لأسباب تاريخية أو تربوية، لكنها ليست مقصودة بشكل جدي لتمثيل فكره في المرحلة التي نبحث فيها. لا حاجة للقول، إن النتيجة ستكون حاسمة بالنسبة لكل نزاعنا بقدر ما ستكون الرؤية المقابلة التي تتغاضى عن عنصر الاستمرارية في مذهب كانط. بالتالي يبدو أن مشكلتنا ستكون في التحديد الدقيق لكيفية إمكان فهم «الموضوع نفسه»، وبالخصوص ما إذا كان يمكن عدّ طريقة الحكم المتعارضة تماماً مع طريقة نقد العقل المحض مؤشّراً على أي فرق فاصل في وجهة النظر.

هنا تتبيّن لنا أهمية التفكّر. فبينما يصحّ أن الحكم الذي تتمثل فيه الذات من خلال الموضوع المتشكّل فكرياً (الموضوع بوصفه فكراً)، والمحمول من خلال الصفات الحسية للموضوع، يظهر المنهج النقدي لفهم المعرفة، فإنه يصح كذلك أن الموضوع في نقد العقل المحض (أي الموضوع الجوهري للمعرفة) لا يمكن عموماً أن يقال إنه مطروق إلا بأكثر الطرق غموضاً. الحقيقة أن نظرية المعرفة النقدية عند كانط، وما يُعرف بظواهريته، جعلت من الصعوبة بمكان إيجاد مجال ضمن حدود ما يمكن معرفته بالنسبة لكل ما هو جوهري بشكل كاف ليستحق اسم الموضوع. أمّا بالنسبة «للموضوع الترانسندتالي» فهو إما أنه بقاء للتفكير ما بعد النقدي أو أنه اسم غير ملائم للأشياء في ذاتها. الموضوع الفكري للأطروحة هو دمج الوجود الجوهري والمستقل للشيء في ذاته مع صفة قابلية المعرفة. فنقد العقل المحض يفصل قابلية المعرفة عن أي وجود جوهري غير مشروط، وفي الفصل يصبح الموضوع مشكلة. لذلك ونتيجة للغموض المقدّم هكذا، نجد أن الفهم الجوهري للموضوع استبدل فعلياً بالفهم الوصفي للموضوع[39]. يصعب اعتماداً على النظرية الظواهرية في المعرفة أن نقول ما يمكن أن يكون الموضوع؛ لكن تعريف المعرفة، من حيث الخاصية الكلية والضرورية، بأنها موضوعية، إجراء طبيعي وواضح.

والآن هذا بذاته يشير إلى أن موقف المحاضرات، التي تعترف كما يبدو بشرعية علم الميتافيزيقا، لا يمكن أن يكون بعيداً عن موقف نقد العقل المحض. فإذا كانت المحاضرات تتحدث عن الموضوع فقط، والنقد يتحدث عن الموضوعي، فلن يكون للتغيير العكسي في منهج صياغة الحكم أهمية حقيقية. في كلا الحالتين ينبغي أن يكون لنا صياغة للنتيجة بأن شرط الموضوعية هو الانسجام مع المبادئ الكلية للفكر الذي يشكل أساساً للتجربة – المقولات. هذه في الواقع هي النقطة الحاسمة، وليس هناك غموض في تعبير كانط عنها. الموضوع الذي يشير إليه مميّز تماماً عن الشيء في ذاته، والمعرفة التي يشتمل عليها الحكم مماثلة تماماً لمحتوى التجربة بالمستوى نفسه. «التمثلات [المدركات المستمّدة من التجربة»] هي إلى الآن، بوصفها غير مرتبطة بموضوع، مجرد محمولات لأحكام محتملة. وإذا كان لا بد من ارتباطها بموضوع، فعليَّ أن أجد وسيلة لتشكيل الحكم، الذي سأربطه بالموضوع. وهكذا تكون المعرفة معرفة أمبريقية، أو علاقة للتمثلات بالموضوع. إنها تكون ممكنة من خلال الأحكام فقط، ويجب أن تكون صورتها مقررة لها (قطعاً)[40]. والمفاهيم التي تقرر صورة الحكم من خلال الرجوع إلى كل الموضوعات هي المفاهيم المحضة للفاهمة أو المقولات، وبالتالي تكون هذه أساساً لإمكان كل التجارب. إن المفاهيم هي التي تقرر ما إذا كان أي موضوع قابلاً لصورة الحكم القبلي»[41].

الجدير بالملاحظة أن كانط في مقاربة الإجابة عن سؤال كيف تكون الأحكام التوليفية القبلية ممكنة يستمر في تحديد أساس التجربة. كما يتابع: «إن مبدأ العلية لا ينطبق على أي نوع من المفاهيم غير المرتبطة بالحواس… إذ لا يمكن انتزاعه من المفاهيم المجرّدة. فإنه يحتمل أن يكون قبلياً من خلال علاقة الأفاهيم بالنسبة للتجربة الممكنة، مبدأ العلة الكافية هو مبدأ تقوم عليه التجربة الممكنة. الأساس هو الذي وفقاً له إذا وجد شيء، ينتج شيء آخر وفقا للقوانين الكلية.

التجربة ممكنة فقط من خلال المفاهيم القبلية للفاهمة. فالأحكام التوليفية لا تصحّ في الأشياء الحقيقية في ذاتها، بل من خلال التجربة فقط. فكل تجربة هي توليف، أو معرفة توليفية بالأشياء المقبولة موضوعياً. إن مبدأ الضرورة الأمبريقية لربط كل التمثلات في التجربة هو معرفة توليفية قبلية.[42]

ينبغي لهذا المقطع أن يزيل كل آثار الشك الباقية بالنسبة لمقصود كانط. فقد تبيّن أن موقفه هنا نقدي ولا ريب في ذلك. الموضوع في نفسه الذي تحدّث عنه في المحاضرات هو موضوع لا يتباين مطلقاً مع ذاتية الإحساس. وهذا يعني، أن أي عنصر في الحكم، تؤكّده المبادئ الكلية التي تتوقّف عليها التجربة، بوصفها مختلفة عن الإحساس بحدّ ذاته. إذاً لا يوجد انحراف عن النتائج الفينومينولوجية لنقد العقل المحض. وبالتالي إذا كان خلافنا أن الظواهرية والنفي النقدي للميتافيزيقا يمثّلان الشيء نفسه، مسوّغاً، فإننا نواجه بالحقيقة الوحيدة وهي أن في هذه المحاضرات التي، بعيداً جداً عن الرفض، تفترض وتدّعي الكشف عن علم الميتافيزيقا، وبالتالي ما زال موقف كانط ظواهرياً. وإذا وُجد تناقض هنا، فواضح أنه ليس ظواهريته (أكثر تعاليمه المميزة له) التي يجب أن تنتهي. لكن هذا لا يعني أن البديل الوحيد هو افتراض وجوب اعتبار تفسيره الميتافيزيقا عرضاً تاريخياً محضاً للمبادئ التي يكذبها معتقده الأساسي. ويبقى هناك احتمال آخر، ألا يمكن عدّ رفض كانط الميتافيزيقا مبنياً فقط على بعض الشروط المحددة في نقد العقل المحض؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يمكن أن تبقى الميتافيزيقا سارية المفعول حتى في النظرية الظواهرية، شريطة ملاقاة هذه الشروط؟ فلنرَ إذا كانت المحاضرات قد سلّطت الضوء على هذه الأسئلة.

الأنطولوجيا والظاهراتية

يمكن إيجاد بند واضح جداً في الحل وهو حقيقة أن الأنطولوجيا، التي شملها كانط في وقت مبكر في المقالة ومتأخر في المحاضرات في لائحة العلوم الميتافيزيقية، كانت متماهية مع التحليل الترانسندتالي، وبالتالي يجب أن تعدّ جزءاً من المذهب النقدي نفسه، بل أكثر الأجزاء حسماً فيه. إن رفض كانط لا ينطبق على هذا الجزء من الميتافيزيقا. وبالتالي إذا قيّدنا أنفسنا بالعلوم الثلاثة الباقية، علينا أن نسأل هل تسمح فينومينولوجيا كانط له بأن يمنح شرعية كاملة لهذا. تنشأ المغالطة الديالكتيكية في نقد العقل المحض من خطأ فهم موضوع العلوم الميتافيزيقية على أنها أشياء في ذاتها. وقد رأينا أن كانط لا يحاول أن يقدم ذلك الموضوع في المحاضرات. من جهة أخرى، نظراً لاستحالة إدراج الله، والنفس والعالم بوصفهم مجموعاً كلياً في لائحة الظواهر المقدمة، لا نستطيع الإعلان لهم عن قابلية المعرفة التي يقيدها كانط بوضوح بالظاهراتية. وبالتالي إذا تمّ تعريف شرط قابلية المعرفة بدقة وبشكل كلي من خلال الرجوع إلى بدائل الظاهرة وإلى الشيء في ذاته، يجب عدّ المسألة قد حسمت. لكن هذا سيكون إغفالاً للتمييز المهم، على الرغم من قلة تشديد كانط نفسه عليه، بين المعرفة الشكلية والمعرفة المادية. وفقط ضمن عالم المعرفة المادية، المحددة بالميزة الواقعية للتجربة، الفعلية أو الممكنة، يبقى التناوب في المسألة شاملاً؛ وفي التطبيق الأدق للمبادئ النقدية تبقى معرفة الله والعالم متاحة لنا، على الرغم من أنها ليست نومان ولا فينومان. أي أننا نستطيع أن نعرف كضرورة منطقية أو نقرر للكل أننا نعرف خلاف ذلك عن الحقيقة الظواهرية. هذه النتيجة تضع فوراً الأنطولوجيا أو التحليل الترانسندتالي والعلوم الميتافيزيقية الثلاثة الباقية على مستوى واحد مع قابلية المعرفة. لأنه إذا كان غياب المحتوى المادي في المعرفة المنطقية بالله والعالم يجرد الثاني من أهليته فقد وَجَبَ لنفس تجريد الأول من الأهلية. لا شك أن هناك تمييزاً مهماً يجب الاعتراف به. وعليه يمكن الإعلان عن إمكان معرفة مضمون المنطق الترانسندالي على أساس أنه يوفّر المبادئ الفكرية المقوّمة للتجربة، وبالتالي يكون قادراً على الاستدلال، وهو ادّعاء لا يمكن زعمه بالنسبة لبقية العلوم. ولكن من دون التقليل من شأن التمييز بين المبادئ الكوِّنة والمنظِّمة، وبين ما يقبل وما لا يقبل الاستدلال، يجب أن نعرف أنه بقدر ما يتم ادعاء قابلية معرفة أي من هذه المبادئ، فإن التشكّل الظاهراتي للمعرفة هو بالقدر نفسه من الحتمية، وبالقدر نفسه من عدم الملاءمة، في كل حالة من تلك الحالات. وهذا كل ما هو لازم لكي يوفّر لكانط حق الاحتفاظ فوراً بظواهريته والإيمان بالميتافيزيقا.

يبقى فقط أن نقرّر بطريقة معيّنة معنى أن تكون الميتافيزيقا ممكنة على المبادئ الكانطية، وأن نحدّد العلاقة بين الميتافيزيقا ومجمل المذهب النقدي. فقبل كل شيء لا بدّ من الإشارة إلى أن كانط عندما يرفض علم الميتافيزيقا الزائف، من خلال التعامل مع شيء مفترض في ذاته، فإنه يرفض مجموعة من التعاليم التي يجب أن تفهم، من المصطلحات نفسها التي صيغت فيها، كنظام مستقل للحقيقة ومكتفٍ بذاته. والآن يمكن أن نفهم بسهولة أن الاستقلال والعزلة يجب، من وجهة نظر نقدية، أن يكونا حاسمين لأي نظرية تحتاج للتحقيق من خلال التجربة. لكن السؤال الطبيعي الذي ينشأ هو إذا كان يجب رفض المذهب الميتافيزيقي بوصفه عقيدة معزولة، غير قابلة لإعادة الصياغة بطريقة تجعلها على علاقة، مباشرة أو غير ماشرة، بتلك المعرفة للتجربة التي هي محك الحقيقة. قدّم جواب كانط جزئياً في الإنجاز الفكري دور القوة tour de force الذي يدمج فيه أحد فروع الميتافيزيقا في نقد العقل المحض ذاته، وجزئياً في الكتابات النقدية اللاحقة التي تثبّت الضرورة المنطقية كما تثبت الضرورة الذاتية للإيمان بالله.

بسبب هذه الاعتبارات تبدو النتائج التالية مضمونة، ويظهر أن المنهج العام للكلام في المحاضرات يضيف الإثبات اللازم. (1) إن نقد العقل المحض، المتحدّر من الظواهرية، يشتمل على المسلمات المنطقية للظواهرية، وبالتالي على مجموع المبادئ التي سواء سمّيت أنطولوجا أو تحليلاً ترنسندالياً، لا يمكن أن تتّصف إلا بأنها ميتافيزيقية. وبالتالي، تكون الميتافيزيقا جزءاً متمّماً لنقد العقل المحض. (2) إن نقد العقل المحض كما تتضمّن المحاضرات من خلال اشتماله على هذا المبحث، هو جزء من الميتافيزيقا. إنه الجزء المرتبط بالمعرفة البشرية بالشروط التي تهب الميتافيزيقا مضموناً مادياً. إنه جزء فقط، لأنه لا يحوي المبادئ التي تحدد دلالته النهائية بالذات. هناك ما يمكن إيجاده خلف واقعية التجربة وما بعدها، ومع ذلك، طالما أننا مقيدون بشروط المعرفة البشرية، لا يمكننا البتة أن نطمح لمعرفة جوهر هذه المبادئ، إنها مفترضة مسبقاً في المنطق الناشئ من التجربة البشرية في حد ذاتها.

بعد هذا الكلام، يبقى علينا تقديم تفسير واعتراف. مرّت هذه المقالة بشكل كامل تقريباً على التطور الكبير والفائق الأهمية الذي خضع له تفكير كانط بين الأطروحة Dissertation ومحاضرات حول الميتافيزيقا Lectures on Metaphysics، ويمكن الاستنتاج أن الموضوع عمل على التقليل من الفروقات في وجهة النظر التي تفصل مبدأ الأول عن الثاني. لكن الأمر ليس كذلك، إذ بقي أمامنا أن نشير إلى أي مدى تمّ الاعتراف بالفارق ضمناً. فالأسس التي حاولنا تثبيت اعتراف كانط بالميتافيزيقا عليها يمكن أن تجمع في محاولته لدمج المظاهر المختلفة للفلسفة (قابلية تفكيك الرموز المتزايدة باستمرار في كتبه اللاحقة)، وعلاوة على ذلك من أجل ربط فينومينولوجيا موقفه النقدي بالمبادئ الميتافيزيقية النقدية الكبرى التي تتوقّف عليها أهمية الوجود الإنساني. والآن إن ما يمكن أن نسمّيه الميل التوليفي عند كانط، لا يمكن بأي شكل أن يعدّ خاصية أساسية فريدة لتفكيره. في موازاة ذلك في كل خطوة يمكن أن نكتشف ميلاً آخر يمكن أن نسمّيه انفصالياً. بالمعنى الدقيق للكلمة، لم يغب أي من الاثنين في أي وقت؛ وأحياناً يكون لظهورهما المتزامن أثر شبيه بأثر المفارقة. لكن الصحيح أيضاً أن في بعض المراحل تبيّن أن أحد الميول يسود على غيره. هنا فقط لامسنا حدود التمييز الأساسي بين الأطروحة ومحاضرات حول الميتافيزيا. الأولى تسعى لإحراز الترابط المنطقي (أو تسعى للفرار من التناقض) من خلال رسم خط واضح للحدّ الفاصل بين المعرفة البشرية، المحددة بشروط الحس، والحقيقة كما تتحدد من خلال الفكر. وبهذه الطريقة من المفترض أن يتحرر الفكر من القيود التي تفرضها الحواس. أمّا المحاضرات من جهة أخرى، وهي التي تمثّل الموقف النقدي الأصيل، فيبدو أنها تقتضي أن الحقيقة الميتافيزيقية التي تتجلّى للفكر ستفهم بالمعنى المحدد بالقيود المفروضة على المعرفة الإنسانية الدقيقة بالظواهر. بهذا المعنى أيضاً يجب اعتبار نقد العقل المحض جزءاً من الميتافيزيقا. إنه القسم الذي يخبرنا كيف يمكن تفسير المبادئ المطلقة، ويخبرنا ضمناً كيف لا يمكن تفسيرها.

الاعتراف الذي تحدثنا عن وجوب الإشارة إليه، يرتبط بالفرق شديد الأهمية بين العلوم الميتافيزيقية المختلفة الذي بيّنته وجهة النظر النقدية. إذ إن موقف المجموعة المؤلفة من اللاهوت، والكوزمولوجيا والسيكولوجيا لا يتغيّر بذاته مادياً في التحول من الأطروحة إلى المحاضرات؛ وما قيل عن الميل الانفصالي للأطروحة ينطبق بشكل خاص على الأنطولوجيا. يقدّم كانط في هذه المقالة النومان الكامل إلى حدّ كبير كما يقدّم الله والمثال الأخلاقي في كتاباته النقدية – أي كما هو متضمن منطقياً في حياة الفكر المهمة؛ وهنا نلاحظ أين كان تفكير كانط أقل تطوراً. ومن ثم، إن تطور ما بعد الأطروحة ناجم عن تطور هذه الأفكار الأكثر عمومية، التي لامستها تلك المقالة، والتي نُظّمت فيما بعد في الأنطولوجيا أو التحليل الترانسندتالي. إن المبادئ العامة للأنطولوجيا هي التي تستثمر التجربة بخاصيتها الكلية – ما نسمّيه معناها – ومن خلال الأنطولوجيا إن المبادئ التي ما زالت أكثر عمومية المشمولة منطقياً في الأخيرة تكتسب موقفها حول واقعية التجربة التي تسمح لها وحدها من وجهة نظر نقدية بادّعاء الشرعية. لا يمكننا أن نؤكّد بسهولة نجاح كانط أو رغبته في النجاح، بتثبيت الاندماج هنا، كما نجح في تثبيته في حال التجربة والأنطولوجيا. لكن على فرض هذا، تكون النتيجة، أن كلام كانط غامض ومتأرجح، وأن نظام كانط ليس خالياً من أي مكان للميتافيزيقا.

[1]*ـ فيلسوف اسكتلندي (1883-1936)، درّس المنطق والخطابة، وكان اهتمامه الأكبر في فلسفة الدين، من مؤلفاته دراسات في فلسفة الدين.

ـ العنوان الأصلي للمقال: KANT’S VIEW OF METAPHYSICS

ـ المصدر: http://web.csulb.edu/~plowentr/Secularization_Stark.pdf

ـ نقلاً عن فصلية  “Mind” المتخصصة بالفلسفة وعلم النفس، تصدر عن جامعة أوكسفورد ـ المملكة المتحدة ـ العدد 96 ـ كانون الثاني (يناير) 1916.

ـ تعريب ومراجعة: دائرة التعريب والترجمة في فصلية “الاستغراب”.

ـ ترجمة: طارق عسيلي.

[2]- Enoyktopadde d. phil. Wissenschaften، ?? 2، 3، 6، 88 (3)، and (3)، and Passim.

Kant’s View of Metaphysics

[3]-Dissertation، # 8.

[4]- 2 Ibid.، # 6.

[5]- IDissertation، #5.

[6]- Ibid.، # 23.

[7]- id.، # 6.

[8]- Cf. Kant’s Lectures on Metaphysics، p. 31 (Politz، first edition).

[9]- ربما كان الغموض ناجماً عن حقيقة أن كانط لم يكن قد تعلم بعد أن يميز بين السبب الفردي والقانون القبلي للنتيجة من قانون السببية.

[10]- Diss.، # 9.

[11]. الترجمة الفرنسية لتسو.

[12]- comm.، i.، p. 22.

[13]- يبدو أن الأمطولوجيا كانت من مخطوطة ل2 التي تحتاج إلى هذا القسم. إنه رأي هاينز أن القسم المفقود قد أحيل للطبع من المخطوطة ولم يعد.

[14]- يقول أرنولدت: «هذا هكذا فقط في حالة الآراء المتوافقة مع الآراء التي تمثل موقف كانط ومن جهة أخرى الآراء التي لا تتوافق معه يجب معانلتها بطريقة مختلفة».

[15]- حيث يجب تحديد التاريخ بالدليل ومن دون معطيات خارجية من المستحيل تجاهل موضوع العلم، وهذا يدخل صعوبة التفسير، التي تستدعي دليل التاريخ.

[16]- يعتبر هاينز أنها مخطوطة المحاضرات كما القيت.

[17]- 4Eine unbeachtet. gebliebene Quelle zur Entwicklungsgeschichte Kant’s.’ Phil. Monats، 1883، and Mittheilungen iiber Kant’s metaphysischen Stand- punkt in der Zeit urn، 1774: Phil. Monats، 1884.

[18]- 5 Arnoldt somewhere between 1778- 1779 (or mnore probably 1779-1780) and 1784-1785 or perhaps 1783- 1784 (Krit. Excurse، p. 421).

[19]- حجة ارنولدت المقنعة ترتكز على مبدأ أن النسخ التي لا تتزافق مع الكتابات المنشورة منذ عام 1781 وما بعد، يجب أن يستنتج أنها تنتمي لزمن أسبق بشكل خاص عندما يتم العثور على نسخ بنفس المحتويات بعد عام 1781.

[20]- كان أرنولدت يعرف ب ك1 وك2 وكذلك نسخة بوليتز من المحاضرات.

[21]- ص 503-505 المخطوطة كتبت بخط مختلف  “Logik und Metaphysik von Kant. Ein Collegium ann. 1798 nachgeschrieb

[22]-  هابنز ص506. رأي هاينز أنها نسخة ضعيفة تم تحضيرها من الحواشي.

[23]- Ibid.، pp. 507- 508.

[24]- يجب الاهتمام بتبني تقسيم بومغارتن في «هندسة العقل المحض» – نقد العقل المحض، المنهج التنسندالي الفصل الثالث. في المحاضرات يدمج كانط بين أقسام السيكولوجيا العقلية والكوزمولوجيا.

[25]-يذكر أرنولدت غياب الفصل السليم للأنلوطيقا والدياليكتيكا والتغيرات التي تظهر في في فصول مختلفة  في قسم الميتافيزيقا.

[26]- Nachricht von der Einricht-ung seiner Vorlesungen in dem Winterhal- benjahre von 1765-66.

[27]- Eine unbeachtet gebliebene Quelle، etc.، p. 142.

إل أي مدى أدرك كانط هذه المسألة الأخيرة، إنه سؤال يبقى صعباً، لكن لا شك أن المسالة واضحة في موقفه. في الحقيقة كانط لا يسعى لأن يكون للرياضيات أصالة على أساس التحقيق الأمبريقي. بل على أساس أن العلم يتعامل مع المكان الذي هو وجه شكلي من أوجه التجربة. ولكن عندما نمعن النظر يبدو ان موضوع الرياضيات في الواقع ليس «نوعا من الحدس»، فالمكان يحدس كموضوع. واضح ان هذا الفهم ينطوي على عدد من التغيرات في وجهة النظر. الحدس بالمعنى الكانطي يعني ما هو معطى في الحس، والآن يجب أن نفهم بمصطلح الحدس ما هو أداتي لكنه لا يتألف من عناصر حسية. لكن كيف يقدم هذا نفسه في الوعي؟ فهم المسالة لا يكون سهلاً ما لم يكن على شكل مفاهيم ما قبلية. قد يكون هناك اكثر من ضرورة لفظية في إشارة كانط المستمرة للمكان كأفهوم يتناقض مع إعلانه الذي يعبّر عنه في الأخلاق.

[28]- REime unbeachtet gebliebene Quelle، pp. 141-142.

[29]- ‘V.، e.g.، passages W. viii. (Hartenstein’s second edition، as through- out، unless otherwise indicated)، pp. 534، 535، 538، 541، 549، 553، 554(، 555.

[30]- “ Was nun aber eine nothwendige Voraussetzung unserer Vernunft – ist، das ist eben so، als wenn es nothwendig wire.”

[31]- Plitz، pp. 266- 267.

[32]- “ den Zweck und die Endabsicht derselben.”

[33]- في حين وفقاً للمعالجتين المنفصلتين، يبدو أن كانت يعدّ السيكولوجيا العقلية قسماً فرعياً من أقسام الكوزمولوجيا العقلية. يذكر في الصفحة 18 الأنطولوجيا فقط، والكوزمولوجيا واللاهوت بوصفها العلوم الميتافيزيقية الرئيسية؛ ثم يضيف مجموعة أسطر «الكزمولوجيا هي رؤيتنا للكون من خلال العقل المحض. العالم إما أنه جسمي أو أنه روحي. ولهذا تتضمن الكوزمولوجيا قسمين… هناك مبدا الأجسام ومبدأ الأرواح… الفيزياء العقلية والسكولوجيا العقلي هما القسمان الرئيسان اللذان ينتميان إلى الكوزمولوجيا الميتافيزيقية العامة…

[34]-  أرنولدت صفحة 446 نقد العقل المحض. فكرة أن المفاهيم بالمعنى المفهوم ليست فطرية بل مكتسبة. لكنها مكتسبة من خلال انتباه الذهن لنشاطه.

[35]- 2 In the Nachschrift of 1793-1794 Transcendental tinguished from “Kritik der reinen Vernunft،” tinguished from “Metaphysik” in the Architectonic. this classification “Reine Philosophie” is

[36]- “ Die ganze Moral bestehet fast aus lauter analytischen Urtheilen،’” p. 25.

[37]- 0f. p. 29: “1 Anschauungen ohne Begriffe، und umgekehrt Begriffa ohne Anschauungen، geben keine Erkenutnisse “.

[38]-لم يستخدم كانط عبارة:.” von dem Object als an sich bestimmt”

[39]- ستكون مهمة تحديد عبارات محددة من خلال عبارات كانط المتشعبة في نقد العقل المحض من دون فائدة، إذا كانت خاصية الموضوعية محددة فيا يخص تحقيق جوهرية المبادئ الكلية من خلال التجربة، من جهة أخرى فيما يخص شمولية التجربة عن طريق المبادئ العقلية.

[40]- يشير كانت من خلال التباين إلى عبارة سابقة حيث كان هناك ذكر لنوع من الحكم لم يتحدد بهذه الطريقة، وبالتالي لا يؤدي الى معرفة.

[41]- بعد عدة سطور يعرف كانط التجربة بأنها: «ليست إلا معرفة الموضوع من خلال النمثلات الحسية».

[42]- تصل تقريباً إلى عادة ذهنية مع كانط عند تثبيت التعلق المتبادل للمبادئ ليكرر تمايزاتها الاساسية بالطريقة نفسها.