المستشرق برنار لويس والصراع على الشرق

هاني، إدريس، “المستشرق برنار لويس والصراع على الشرق” في مجلّة دراسات استشراقية، العدد 3، السنة 2، شتاء 1436هـ/2015، ص ص 69-88.

“الاستشراق” معرفة و إنشاء وسلطة بتعبير إدوارد سعيد. وهو من ثمَّ بنية أيديولوجيا عملت على إعادة تشكيل الشرق ضمن نمطية قارّة لا زال الشرق يدفع ثمنها في العلاقة غير المتوازنة مع الغرب. وهذه الصورة النمطية هي الأخرى كان لها علاقة بكل الظواهر التي أنتجها أو أنتجت داخل الشرق. فالشرق الساحر أو غير العقلاني أو الانفعالي أو الإرهابي كلها صور ترسخت في بنية الاستشراق وشكلت فيما بعد مصدر الصورة النمطية عن «غيرٍ» وجب الحذر منه ووضعه في القفص.
الاستشراق ـ بوصفه علماً وظيفياً ـ ارتبط كثيراً بمؤسسة الاستعمار. ومع وجود الاستثناء دائماً هناك رغبة جامعة لتحويل المعرفة هنا إلى سلطة للهيمنة على الشرق. في تاريخ الاستشراق كانت هناك عيّنات حاولت التغريد خارج التيار الاستشراقي العام. لكن جبروت المؤسسة جعلها معرفة من دون سلطة. وكان الاستشراق البريطاني قد استطاع أن يربط بين خلاصات الاستشراق وجيوستراتيجيا الهيمنة على الشرق. فالسيطرة على المجال يقتضي السيطرة على الذهنيات.
كان من الخطأ أن يقال إنّ الاستعمار البريطاني أهون من الاستعمار الفرنسي؛ لأن الأول لم يعن بتغيير ثقافة المحلّي في حين عمل الثاني على سياسة الضّم الثقافي. وهذه مقاربة غير صحيحة؛ لأنّ الاستعمار البريطاني كان أكثر خبرة وذكاء في استغلال الذهنيات وتوجيه ثقافة المحلّي بنوع من الاقتصاد في تذليل عملية السيطرة، بل فعل ذلك بناء على نظرية الألعاب. لم يكن البريطاني يسعى لتغيير ثقافة المحلّي لكي يصبح وهو يفكّر مثله ويقبل بواقع الاحتلال، بل كان يوظّف ثقافة المحلّي نفسها ويخلق من داخل المجال المحلّي تناقضات ثقافية تقتضي القبول بالاحتلال.
وهنا لابدّ من بحث العلاقة بين الصورة النمطية للشرق وبين الإرهاب. وهي المقاربة التي يعزّزها وجود المستشرق في صلب اللّعبة الجيوستراتيجية داخل الشّرق. يبدو أن مفهوم الإرهاب الإسلاموي هو منتج غربي يعيدنا إلى بنية الاستشراق في إعادة إنتاج ذلك الشرق غير العقلاني دائما والمتوحش والإرهابي. وحتى نهاية الحرب الباردة كان هذا التصور طيّ الأعمال الكلاسيكية لمستشرقين كبار لم يبق من جيل القدامى منهم غير برنار لويس الذي لعب دوراً كبيراً في إعادة بعث المفاهيم التقليدية للاستشراق النمطي وإعادة تشكيل السياسة الأمريكية نفسها على أساس حتمية الصراع مع الشرق. تأثير برنار لويس لا يتمثّل فقط في تعزيز نظرية الصراع الحضاري التي ألهمها هينتينغتون في الصدام بين الحضارات التي شكلت أيديولوجيا السياسة الأمريكية لما بعد الحرب الباردة. فهذا لا يمثل إلاّ جانبا من النظرة النمطية الغارقة في أحكام القيمة إزاء الشرق حيث يحتفظ بصندوق باندورا الحافل بالشرور إزاء الغرب الذي وصفه هينتنغتون بالفريد.
وكنا في تلك الأيام قد لفتنا إلى أن فكرة هنتينغتون عن الصراع بولغ فيها أكثر من اللاّزم لأنها كانت مجرد تبرير باراديغمي لرؤية كان لا بد من أن تحلّ محلّ رؤية قديمة ارتبطت بالحرب الباردة وهيمنت على تفسير الأحداث الدولية. ولكن هينتنغتون لم يجعلها فكرته النهائية بل احتمل تغيرها لأنها ليست سوى محاولة للكشف عن باراديغم جديد لتفسير الوقائع السياسية الدولية. ولا نزعم أن الإدارة الأمريكية تبنت وجهة نظر هينتنغتون تلك لأنّ ثمة أمرا قامت به إدارة بوش لا علاقة له بجوهر فكرة هينتنغتون:
الأولى: تتعلّق باستحالة الهيمنة على العالم وضرورة اهتمام أمريكا بشؤونها الداخلية وتأمين حدودها الطبيعية. وهذا ما لم يسجل على إدارة بوش التي سلكت سياسة التدخّل بشكـل سافر حتى في غياب القـرار الأممي كما فعلت في العراق.
والثانية: أنّ هينتنغتون يعتبر الديمقراطية شأنا غربيا يستحيل تطبيقه خارج الجغرافيا السياسية الغربية، هذا في وقت رفعت فيه إدارة بوش شعار فرض الديمقراطية بالحرب. كانت هناك أطروحة أخرى لعلّها استطاعت أن تتقاسم التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية خلال هذه المرحلة من ولاية جورج بوش الإبن التي شهدت ميلاد أعنف الحركات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي، أعني بها أطروحة نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما.
هذه الفكرة هي الأخرى وإن صيغت في قالب مفهومي هيغلي إلاّ أنها عرفت كيف تدغدغ مزاج إدارة هيمن عليها اليمين المسيحي المتطرّف الذي يحمل فهما خاصا لعقيدة الـ«ميسي» المخلّص كما يستشعر دور أمريكا التّاريخي في تحقيق هذا الخلاص بمفهومه الديني. استشعر فوكوياما نفسه المآل الذي آلت إليه نظريته حينما أفسدها السياسيون واليمين المتطرف. لا أحد منهما (هنتنغتون أو فوكوياما) رضي بالطريقة التي أُوّلت بهما فكرتاهما. وهذا ما لمسته في لقاء خاص مع فوكوياما حيث عبّر بما يوحي إزاء كلّ أسئلتنا بأنّ ما يقصده هو خلاف ما نفهمه.
وفي نهاية المطاف كان قد انتقد السياسة الأمريكية في إدارتها للصراع كما فعل هينتنغتون نفسه حين اعتبر نفسه ليس كاهنا للعنف وإنما مجرد خبير قدم نظرية لفهم الصراع الجاري في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ولكن هذا لا يمنع من اعتبار فكرة هينتنغتون شكلا من الهذيان الثّقافي أو لنقل مرض ثقافي وراثي يحيلنا إلى المرض نفسه المعروف في الطّب النفسي بـ«رقَص هينتينغتون» (huntington , s chorea)، وهو مرض وراثي يتميّز صاحبه بحركات غير طبيعية واضطرابات عقلية تؤدي إلى حالة الخرف. وهذا الخرف الثقافي واضح في مقاطع هينتنغتون وهو أكثر وضوحا ووقاحة عند برنار لويس. فهذا الأخير يجعلنا نأخذ فكرة واضحة حول كيف تتحوّل الأفكار إلى حالة من الهلاوس الثّقافية.
ولكن الحقيقة التي لمسناها أنّ ثمة تشويها تواطأت عليه السياسة والفهم الديني المتطرف انتهى إلى عدم تطبيق رؤية واحدة من جملة الآراء التي اقترحت على الإدارة الأمريكية، بل تم تركيب رؤية معقدة امتزجت فيها إرادة الصدام الحضاري بنهاية التاريخ بمدلولها الملتبس مما نتج عنه كثير من المفارقات التي وسمت السياسة الخارجية الأمريكية في عهد بوش الإبن. وحينما تمّ استنفاذ هذه الرؤية تم استدعاء رؤية أهملتها الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت، ولكن أعيد تفعيلها واستدخالها في السياسة الجديدة لعهد القوة النّاعمة مع فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية؛ يتعلق الأمر هنا برؤية الانفتاح على ما سموه بالإسلام المعتدل في مواجهة الإسلام المتشدّد.
كانت تلك نظرية أُثيرت للباحث في مؤسسة راند الأمريكية والمسؤول في عهد بوش الأب في الاستخبارات الأمريكية غراهام فولر. في مقال واسع الانتشار تُرجم إلى الفرنسية ونشرته جريدة لوموند ديبلوماتيك وكذا نشرته مجلة مانيير دوفوار الصادرة عن المجموعة نفسها وقد قمت شخصياً بترجمته إلى العربية ونشر في جرائد ومجلات أوّلها جريدة العصر الناطقة آنذاك بلسان الحزب الإسلامي الذي يقود اليوم الحكومة في المغرب والذي يعتبر ثمرة لتطبيق هذه النظرية.
كتب غراهام فولر عن الإسلامية والتحديثية بشكل أكثر إيجابية مما سعت إليه قبل سنوات من ذلك كتابات الأمريكي دانيال بايبس حيث تناول في مقالة له قبل سنوات في فيرست تينغز فيرست جردا لبعض الشخصيات الإسلامية، معتبرا أنها ليست تقليدية ولكنها تحمل مشروع إصلاح الحداثة. وبأنّ قلق التحديث متأصّل في أعماق المشروع الإسلامي. وبأنّ الأصولي هو مصلح حداثي وبأنّ الإسلاميين رغم موقفهم من الغرب فهم يقبلون به([1]).
مقال الإسلامية والتحديثية لغراهام فولر هو حبك على المنوال نفسه لكن بشكل أكثر تأسيسا وإنتاجا. ولما ترجمت هذا المقال حسبته كما حسبه أبناء التيار الإسلامي انتصارا في عملية الحجاج التي كانوا يقومون بها ضدّ التيارات العلمانية التي تبنت خيار استئصالهم. لكن سرعان ما سيتضح فيما بعد أنّ غراهام فولر هو المشرف على تطور المسار السياسي لذلك الشخص المغمور في تركيا والذي سيلقى الرعاية الكاملة قبل أن يتم إنتاج المثال عن هذه الإسلامية التحديثية التي تحدث عنها فولر ومثالها المتجسد في الأوردوغانية والنموذج التركي الذي سيشكّل عنوان الإسلامية الجديدة  التي سيعتمد عليها في تحقيق مشروع شرق أوسط جديد. عقل إسلامي مدجّن قابل لاحتواء الحساسية الإسلامية ضمن مشروع هو في العمق علماني في الممارسة السياسية والاجتماعية وقابل بمدّ جسور التعاون بكافة مستوياته مع إسرائيل التي يفترض أن تشكّل العقل الحضاري المشرف على عملية التحوّل بالشرق كما وضع إطارها النظري شمعون بيريز في كتابه عن الشرق الأوسط الجديد.
ودائما نحن أمام مسرحة المجال السياسي حيث استطاعت خدعة مسرحية في دافوس أن تجعل من أوردوغان أخيل تركيا وترقى به إلى مستوى النموذج الإسلامي المتوخّى لقيام شرق أوسط جديد([2]). المسرحية أظهرت انتفاضة أوردوغانية ضدّ بيريز بينما كلاهما يعتبر جزء أساسيا من مشروع الشرق الأوسط الجديد. في الواقع إن فكرة الانفتاح على الإسلام المعتدل شابها كثير من الالتباس.
ففي المنطقة العربية حيث تلقفوا هذا المفهوم كانت هناك جهود للتكيف مع هذا المعطى الجديد بحيث سعت محاور إقليمية كثيرة لاحتضان جماعات إسلامية بما فيها المتطرفة وعملت على إعادة إنتاجها في إطار مفهوم الاعتدال. لقد تزامنت فكرة المراجعات التي شكلت ظاهرة في العالم العربي مع بدء الاشتغال على شكل جديد من الاصطفاف. غير أنّ المشكلة التي واجهت كثيراً من المحاور الإقليمية في هذا المجال هو أنّها حواضن طبيعية لأكثر أشكال التطرف الديني. وهكذا تشكل نمط هجين من التيارات المتشددة التي ترفع شعارات الاعتدال؛ الاعتدال الذي يتمحور حول طريقة التعاطي الديني في أمور تتعلّق بالمصالح الأمريكية والعلاقة مع الغرب وقضايا تتعلق بحقوق الإنسان وغيرها مما يشكل ثغرات لتسرب الهجوم على هذه الدول.
ففي العهد البوشي تحدّث كثيرون بمن فيهم ديمقراطيون عن ضرورة إجبار بعض الدول العربية على تغيير برامجها التعليمية باعتبارها تنتج التطرف الديني والكراهية والإرهاب. وخلال هذه المرحلة كانت هناك مفارقات كثيرة في سلوك هذه الأنماط ، ففي كثير من الحالات لا سيما كما ستكشف عنه الأحداث في سوريا والعراق ولبنان أنّ العلاقة التاريخية بين ما سمّي بدول الاعتدال في المنطقة والتيارات المتشددة عادت بشكل ملفت إلى حدود التعاون والدعم.
اعتقدت واشنطن أنّ العزف على مفهوم الاعتدال يكفي لاحتواء الظاهرة الإسلامية على تناقض أنماطها. لكنّها لم تتنبّه إلى أنّ اللاّعبين الإقليمين سعوا إلى لعبة تغيير العناوين وتوزيع الأنماط بحيث وجدوا أنفسهم يتعاملون مع أنماط متشدّدة يصعب تمييزها في لحظات التحدي الحرجة. وسيتّضح هذا أكثر فيما سيعرف لاحقا بثورات الربيع العربي.
قلنا سابقاً: إنّ الأمر مع برنار لويس لا ينتهي عند مجرد إحياء بنية الاستشراق الكلاسيكي وإقحامها في السياسة الخارجية الأمريكية فحسب، بل يمتدّ إلى مخطط الخريطة الجديدة التي تخدم أهداف هذه الرؤية التي تسعى إلى وضع نظام شرق أوسط جديد. وهذا النظام لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتغيير التقسيم الكلاسيكي للعالم العربي على أساس سايكس بيكو. لعله كان هناك تنافساً خلال إدارة بوش وأوباما على اختلاف في أساليب تدبير إعادة تقسيم الشرق الأوسط حول من يكون اسمه بديلاً عن اسم سايكس بيكو. رسم برنار لويس خريطة افتراضية تظهر أن التقسيم كان يراعي الجوانب الثقافية والدينية أو ما عبر عنه هينتنغتون بالخلافات الحضارية. وهذا ليس هو الموضوع الأخطر، بل الأخطر هنا هو أنّ استشراق برنار لويس يتّجه نحو إعادة القول في التيارات الموصوفة شاذة في التاريخ الإسلامي إذ أراد استغلال مخططات سياسية بناء على خلاصات تلك المقاربات.
ولست هنا بصدد نقد استشراق برنار لويس لأنني أعتقد أنّ ثمة أمرين يميزان كلا من برنار لويس وهنتينغتون. فهينتنغتون وقع في تبسيط كبير في تحليل مفهوم الحضارة وتاريخ العقليات في هذه المنطقة ، لكنّ موقفه السياسي كان أقل مدعاة للغزو. ولا غرو أن قارئي هنتنغتون في العالم العربي تحديدا أخطأوا كثيراً حين لم يميزوا بين رؤيته الفكرية وموقفه السياسي. فهو في الموقف السياسي ضدّ التدخل، فقد سبق واعتبر محاولة فرض الثقافة الأمريكية على مجتمعات أخرى هو موقف لا أخلاقي. لكن على عكس ذلك، كان برنار لويس على قدر من الفهم لطبيعة التناقضات الثقافية والتاريخية العربية والإسلامية إلاّ أنّ موقفه السياسي كان أكثر حدّةً وتطرفاً وتحريفاً للحقيقة. حرص برنار لويس على أن يكون أكثر موضوعية في قراءة التراث العربي والإسلامي. ثم وقع في المحظور، ربما بحكم الوظيفة، بوصفه مستشاراً في البيت الأبيض وشيخ المستشرقين الانكلوساكسونيين ومنحازاً إلى الدّوائر الصهيونية([3]).
الحشاشون والقاعدة:
كثيرة هي المقاربات التي ربطت دائما بين الحشاشين والقاعدة. وفي الجملة هناك ما هو مشترك ألا وهو الصورة النمطية التاريخية التي أنجزها التاريخ الرسمي عن الحركة الإسماعيلية والمنشقين عنها مثل القرامطة والحشاشين([4]). ولقد كنّا دائما نرفض هذا النوع من التنميط  كما فعلنا في كتابنا الموسوم بـ«محنة التراث الآخر» . بل حتى برنار لويس وقف هو أيضا عند المبالغات التي حيكت حول تاريخ الإسماعيلية من قبل التّاريخ الإسلامي العام. مثلا حاول السوسيولوجي الإيراني فرهاد خسرو خافار أن يربط بين القاعدة والحشاشين في كتابه ( شهداء الله الجدد)، لكنه ربط يصعب الوثوق فيه لأنّه لا يحترم التفاصيل الكلامية (=علم الكلام) بقدر ما يزعم التقيد بالمنهجية السوسيولوجية في مقاربة العمليات الانتحارية.
واحدة من الملاحظات هـو السعـي الحثيث لتمثّـل المواقف المسبقة للسوسيولوجيين الغربيين إزاء مثل هذه الظواهر كما لو أنّ أصوله الإيرانية لا تمنحه قدرة على استيعاب التفاصيل المحلّية أكثر مما فعل. هو كتاب مليء بالأحكام. وإحدى معراة السوسيولوجيا المتحيّزة أو الواقعة تحت هيمنة الأيديولوجيا هو سقوطها في أحكام القيمة على الظواهر بدل تفسيرها.
ويبدو ذلك واضحاً من خلال المصطلحات المستعملة مثل عبارة (مرضى الشهادة)، بخلاف المنهجية التي أتبعها دوركهايم في كتاب الانتحار اذ لا نقف على ما هو موضوعي في رصد الظاهرة، بل سنجد مجموعة من أحكام القيمة وليس توصيفا لظواهر اجتماعية. والغرض هو نسبة عنف الحشاشين أو القاعدة إلى الأشكال التعصبية للإسلام. ولكن مع ذلك حاول فرهاد خسرو خافار أن يميّز قليلاً بين نهج الحشاشين ونهج القاعدة من حيث أنّ سلوك الحشاشين كان مبرراً إذ كان هدفهم بناء عالم مثالي بينما سلوك القاعدة العابر للقوميات كان تصرفاً بغيظاً ضد عالم من الحرمان([5]).
سأضطر هنا إلى مواجهة كثير من المقاربات المتحيّزة عند فرهاد خافار لأنها تدخل في نظري في الأيديولوجيا السوسيولوجية وليس في السوسيولوجيا بوصفها علماً يقدّم وصفاً وتفسيراً. وخير ما نواجه به خافار في مقاربته الأيديولوجية المبيّتة للعمليات الانتحارية هو نموذج المقاربة السوسيولوجيا للانتحار لأبي السوسيولوجيا الحديثة ، إميل دوركهايم. إذ تفادى دوركهايم تنميط الفعل الانتحاري بالحالة المرضية كما تفادى فرض النموذج التفسيري الواحد على الفعل الانتحاري. بخصوص الحديث عن مرضى الشهادة كما يسمّيها فرهاد خسرو خافار، فهذا سيفرض سؤالا على مفهوم المرض من جهة وعلى آثار الأحكام المذكورة من جهة ثانية. وجب في الحالة الثانية أن نرفع المسؤولية القانونية عن الشخصية الانتحارية في حال إذا كان الضحية هم أُناسٌ آخرون.
عملية التعميم هذه شكلت واحدة من الأمور المرفوضة عند دوركهايم. إذا كان كل منتحر هو مجنون يتساءل دوركهايم، فهل ثمة جنون انتحاري؟ لعلّ فرهاد خافار قد بنى على ذلك في حديثه عن الشهداء كمجانين الله. فرهاد الذي يزعم أنّه مارس البحث الميداني أيضا في فرنسا من خلال مساءلة المعتقلين الإسلاميين في فرنسا، والذي يتبنّى المقاربة السوسيولوجيا والأنثربولوجيا عمل جاهدا لكي يمحو أثر مقاربة أبي السوسيولوجيا الفرنسية المؤسسة للمقاربة السوسيولوجية للانتحار. هذا في غياب أرقام وجداول وبيانات إحصائية على غرار ما فعل دوركهايم. وبكلّ بساطة، فالمنتحر هو كائن يفضّل الموت على الحياة، غير أنّ الأسباب التي تؤدّي إليه مختلفة تماما([6]).  هذه الأسباب قد تكون حسب دوركهايم متناقضة أحيانا. بل إنّ كل الأحداث التي تجري في الحياة  بما فيها المتناقضة من الممكن أن تؤدّي إلى الانتحار. لهذا لا يمكن أن يكون أحد هذه الأسباب هو الدافع الوحيد([7]).
فكلّ حالة انتحار تفترض سياقا خاصّا له علاقة بمزاج المنتحر والبيئة التي يوجد فيها، ولا يمكن أن يفسر بالأسباب الاجتماعية والعامة للظاهرة. كل ما هناك وجب البحث عن أنماط الانتحار التي يجب وضع كل حالة فيها. وقد كان تصنيف دوركهايم لنوعين من الانتحار: الانتحار الأناني والانتحار الغيري أهمية أخرى في تحليل الظاهرة. فهناك رغم التشابه الذي يفرضه واقع الحزن الذي ينتاب شخصية المنتحر، فارق بين من يرى نفسه غير نافع لهذا الوجود بينما المنتحر الغيري منقطع عن الحياة لأنه له هدف  خارج هذه الحياة([8]).
هذا على الأقل قد يفيدنا في تفكيك حالة الانتحاري النّاقم كما سنرى، الانتحاري الذي لا يفكّر في الموت فقط بل يفكّر في تحقيق أكبر خسارة وقتل في صفوف المدنيين. فالانتحار الأناني هنا سيظهر بوضوح وبمعناه الآخر الذي اجترحناه، أي الموت الأناني الذي لا يختلف عن كلّ أشكال المجازفة التي تقوم بها المافيا لتحقيق ثروات هائلة والحصول على أكبر متعة من المال والنّساء عن طريق القتل والفوضى.
لقد حاول دوركهايم منذ الفصل الأول أن يحلل العوامل غير الاجتماعية للانتحار، أي الحالات السيكوباتولوجية. وإذن إذا كان ولا بد من الحديث عن جنون انتحاري فالأمر في نظر دوركهايم يتعلّق بالهوس الآحادي (LA MONOMANIE). وفي مثل هذه الحالة فالهوسي هو هوسي محدود بينما في باقي سلوكه هو سويّ. وأعماق حياته الذهنية تشبه أعماق الحياة الذهنية للسّويّ. هي في الحقيقة ليست سوى إحساس مبالغ فيه وفكرة خاطئة قوية تستحوذ على الذّهن وترفع عنه حرّية القرار الطبيعي. هي نفس الرغبة قد تتحول إلى مرضية في حالة طروء أي حركة عنيفة للحساسية تربك التوازن الذهني.
ستبقى الحاجة إلى «عقدنة» الصراع حاجة غربية أكثر مما هي حاجة محلّية. هذا العنوان العقائدي لا يحرّف يحجب الغايات التي تترجمها رغبات الاقتصاد السياسي فحسب بل سيضفي على الصراع لونا يجعل المحلّي قابلا للاستدراج لهذا اللّون من المعركة فيما سيكون الثّمن دائما هو خسارة المحلّي الذي ينخرط بلا انقطاع في لعبة التحكم بالمزاج. ولعقدنة هذا الصراع يحتاج الغرب السياسي إلى الاستشراق، لأنه نافذته لمعرفة هذا الشرق. والمعرفة كما يقول فوكو سلطة. بل وقد أحسن إدوارد سعيد حين اعتبر الاستشراق بوصفه معرفة بالشرق سلطة.
لكن علينا أن نؤكّد بأنّ الغرب مارس كل سلطته من خلال هذه الصورة التي شكّلها عن الشرق ولا زال يكرسها. وفي نظر إدوارد سعيد في رصده للعلاقة بين الثقافة والإمبريالية تتأكّد حاجة هذا الغرب العقائدية « لتعزيز هذه السيطرة وتسويغها في إطار معطيات ثقافية، وهي حاجة لازالت ماثلة في الغرب منذ القرن التاسع عشر، بل قبل ذلك أيضا»([9]).
برنار لويس الحاضر/ الغائب:
حينما اطلعت مستشرقة ناشئة ذات مرّة على مقدّمة كتابي «محنة التراث الآخر»، كانت معجبة بكلّ ما فيه إلى أن بلغت في حديثي عن وجوب تحرير التراث من قوالب الاستشراق الكلاسيكي. قالت: لماذا الاستشراق، وماذا فعل لكم الاستشراق ولماذا هذه العقدة لديكم من الاستشراق؟ وكم كان هذا هو موقف كل من يريد التعرف على الشرق وما أكثرهم يدافعون عن المهنة وقلما يحسنون الإنصات.
حدث الأمر نفسه ذات مرّة حينما واجهت فرنسوا دي مالي ـ الرئيس يومئذ للمعهد الفرنسي العربي للدراسات الشرقية ـ بسؤال عن علاقة الثقافة بالاستعمار مذكرا إياه بآثار الاستعمار الفرنسي. ولكنه في مناسبة أخرى ليّن موقفه وتمسك بسمعة  هنري كوربان، حين قال لي بأنّ مؤسستهم هذه هي على منوال مؤسسة هنري كوربان في إيران سابقا. والحقيقة لا يوجد مستشرق متمرد تحتفل به المؤسسة الفرنسية، منذ ماسينيون حتى هنري كوربان. لكننا نستطيع أن نثبت هنا كم أن الاستشراق لم يمت، وأنّ بنيته متواصلة وفاعلة واليوم هي تصرّف جيوستراتيجيا وليس في المقاربات التاريخية فحسب. هؤلاء الذين خرجوا عن السياق الوظيفي للاستشراق المؤسّس وجدوا أنفسهم على الهامش. الوفاء للشّرق لعنة كالعدوى قد تسقط أكبر الفلاسفة وتجرّئ عليهم صغار المثقّفين.
يمكنك أن تتأمّل مآل ماسينيون في المؤسسة الفرنسية ومآل هنري كوربان، من دون أن ننسى الثّمن الذي دفعه ميشيل فوكو لمجّرد أن غيّر عبارة الأصولية والتّطرّف إلى الروحانية السياسية أثناء تغطيته أحداث الثورة الإسلامية في إيران، وهو مآل شبيه بمآل روجيه غارودي. المستشرق الوظيفي هو من يجسد الوفاء للمؤسسة ويستطيع أن يحوّل أفكاره حول الشّرق بما فيها تلك الأكثر موضوعية -وهنا مكمن الخطر- إلى عنصر معرفي في تشكيل استراتيجيا لمنهاضة الشّرق. وبالنسبة إلى برنار لويس فإنّ الوضع مختلف تماما. في إشارة من إدوارد سعيد، فإن «جوهر أيديولوجيا لويس في ما يخصّ الإسلام هو أنه لن يتغيّر (…) وإن أي مقاربة تاريخية أو جامعية للمسلمين عليها أن تبدأ وتنتهي من كون المسلمين هم مسلمون»([10]).
ستتّضح الحكاية من خلال ما بات معروفا ومتداولا في الأوساط العربية نفسها. الحكاية هي أنه حين اشتعلت الحرب بين العراق وإيران ـ الحرب التي أظهرت كم كان العرب مخطئين في موقفهم إزاء ثورة أعادت إيران إلى صفّهم في المعركة المصيرية ضدّ إسرائيل ـ كان الدماغ الأمريكي يشتغل على كلّ المديات الاستراتيجية. أهم الأفكار التي انتهى إليها كبير الخبراء الاستراتيجين برجنسكي هو التفكير في وضع حدّ للتقسيم الكلاسيكي: سايكس بيكو. حدث هذا في 1980 حين بدأ التفكير في طريقة ما لجعل هذه الجبهة ساخنة. كان برجنسكي قد صرّح حينئذ بأنّ المطلوب الآن بإلحاح على الإدارة الأمريكية هو كيف نفكّر في تنشيط حرب خليج ثانية على هامش الأولى لتحقيق ذلك الغرض.
هنا سيبرز اسم المستشرق المخضرم برنار لويس الذي سيتولّى بتكليف من وزارة الدفاع الأمريكية (البانتاغون) إعداد دراسة أو بالأحرى إعداد الخريطة البديلة لسايكس ـ بيكو. تمت الموافقة سرّيا من قبل الكونغرس الأمريكي على مشروع برنار لويس ثلاث سنوات بعد ذلك ، أي في 1983. واستمر هذا الحلم عند برنار لويس حين عبّر عنه بصراحة أمام العرب أنفسهم.
ففي عام 2005 صرح برنار لويس بأنه أصبح من الضروري تقسيم الدول العربية إلى وحدات عشائرية وطائفية..ولتحقيق ذلك وجب عدم مراعاة خواطرهم وبأن  لا معول على الحلّ السلمي..وكان برنار لويس قد انتقد بشدّة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان معتبرا إياه انسحابا لا مبرر له وجاء متسرّعا.
وفي سنة 2007 في مؤتمر أنابوليس للسلام صرح برنار لويس بأنّ لا شيء ينتظر من هذا المؤتمر إلاّ أن يكون مجرد تكتيك  لتعزيز تحالف ضد الخطر الإيراني وجعل العرب والأتراك والكرد والإيرانيين والفلسطينيين إلى أن يقاتلوا بعضهم بعضاً كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر.
خريطة برنار لويس التي كانت هي الأرضية التي تنشط على أساسها الحروب الغريبة اليوم تحت إشراف جيوستراتيجي أمريكي لا تستثني حتى من ظنّوا أنهم حلفاء لواشنطن. وكأنهم يهدمون بيوتهم بأيديهم.
فالسعودية معرّضة للتقسيم كما العراق كما سوريا كما مصر والجزائر والمغرب. لم يكن برنار لويس قد وضع الخريطة الجديدة فحسب، بل لقد أفاد من خلاصات قراءته لتاريخ الحشّاشين في ألموت ومحاولة إحياء تقاليد قطع الرؤوس واستعمال الأقراص المهلوسة لدى الانتحاريين الجدد. وهذا ما جعـل المخطط يواكب نشوء القـاعدة وعقيـدتها القتاليـة الجـديدة التي هي جمع بين التطرف العقدي والعنف القتالي: تفكير الخوارج وأسلوب الحشّاشين السّرّي، بغضّ النّظر عن السياقات التاريخية التي تفسّر هذا السلوك أو ذاك. ليس هناك أفضل من هذا الأسلوب لتحقيق استراتيجيا إعادة تفكيك العالم الإسلامي.
نستطيع تتبع أثر فكر برنار لويس فيما يغيب عنا من مخططات غير معلنة. هناك إحياء لأسلوب الحشاشين في الإرهاب وهو الكتاب العمدة الذي عرف به كمستشرق مخضرم. ثم هو في تصريحه يقول: علينا العمل على تفكيك هذه الدول إلى جماعات متناحرة ولا نلتفت إلى خواطر العرب. أي: وجب أن لا تكون هناك رحمة في تنفيذ هذا المخطّط.
يعلّق برنار لويس أمله على جملة من الحقائق التاريخية والاستشراقية. فهو يعتقد بأنّ الوضع في المنطقة ينبئ بحروب لن تتوقف أبدا، حتى مع نضوب النفط في هذه المنطقة ستكون هناك حروب حول المياه في منطقة لم تعد زراعية. ويعلّق عملا في تغيير المنطقة على إسرائيل وتركيا والمرأة. وأنّ التفكيك هو مصير هذه الشعوب. وسوف نجد هذه الروح الحشّاشية المتخيّلة لبرنار لويس حاضرة بقوّة في نهج داعش التي شكلت أفضل نموذج ينسجم مع فكرة برنار لويس.
ونعتقد أنّ داعش هي فكرة تنسجم مع الخيال الأمريكي ومع فكرة الفوضى الخلاّقة انطلاقا من إيحاء برنار لويس، حيث ستلعب داعش دور الحشاشين المعكوس، بعد أن عجز عن  إيجاد نموذج داعشي من داخل الإسلام الشيعي، باعتبار أن هذا بات غير وارد نظرا لموقع المرجعية وصعوبة اختراقها. وكانت كلّ مرة تظهر محاولات لكنها لم تنجح في إيجاد موقعية لها داخل العراق، دعت دعوات شاذة كما لا يخفى محاطة بكثير من الغموض.
لقد بات واضحا أنّ التحريض على فكر النباهة واختزاله في نظرية المؤامرة كان من بين الوسائل الخبيثة لتوفير ممر آمن لتمرير مشاريع التدمير إلى البلاد العربية. ونستطيع أن نعاين ذلك من خلال أنّ البلاد العربية التي تفشت في نخبها المقاربات التي تستبعد المؤامرة هي اليوم مرتعٌ لكلّ نتائج أسوأ المؤامرات، بينما دول أخرى في المواجهة كإيران كانت أكثر أمانا من البلاد العربية حيث كان لفكر النباهة والاحتراز من التآمر مكانة في الثقافة السياسية. إنّ الأفكار الملعونة التي تربط بين الموقف الجيوستراتيجي الأمريكي وفذلكات تاريخنا المتشظّي خرجت من رأس هذا المستشرق البريطاني اليهودي الأمريكي الجنسية. فلا تتعجبوا إنّ كان الذي يجري على مسرح المؤامرة الأمريكية في المنطقة يحمل لونا تراثيا وكأنّنا في فيلم هوليودي عن تاريخ العرب. من قال إنّ التاريخ لا يستعاد؟! بلى، يستعاد . وهنا الشرق يستعاد استشراقا؛ أي: الشرق المتخيّل، بوصفه مصدراً لقلق الغرب. لن يترك الغرب الشّرق. وإذا نسي الشّرق الغرب فإنّ الغرب لن ينسى الشّرق. الأمر هنا يتعلّق بالحشاشين. فالاستشراق البريطاني الخبير بتناقضات المنطقة يعرف تماما أنّ أفضل طريقة للسيطرة على الشرق الأوسط هو الدخول عبر بوابة الطائفية.
وكان البريطانيون قد اهتدوا منذ عقود ولما كانوا هم اللاّعب الأول في المنطقة بأنّ الرهان على التقسيم الكلاسيكي للملل والنحل بين المسلمين فقد تأثيره. فقد سعى البريطانيون إلى إعادة توزيع الخريطة الإسلامية كما يحاولون اليوم إعادة رسم الخريطة السياسية على أنقاض ساكس بيكو. يومها كان يؤرّق البريطانيين أن اختزال التناقض الطائفي في المذهبين الأورتذكسيين الكبيرين: السنة والشيعة  لم يعد يجدي. فلقد تبيّن ولأسباب كثيرة أنّ الشيعة والسّنة ـ لا سيما في العراق ـ كانوا مناهضين للاستعمار البريطاني.
وفي استشراق برنار لويس وجب الالتفات إلى أنّ ثمّة أرتذكسيتين في الإسلام كلاهما تحمل الخصائص نفسها. بل حتى في مقاربة الحشاشين والفرق الصغيرة فهو يلوم المؤرّخ السّني والشيعي ـ يقصد الإثني عشري ـ في تشويه صورة الأقلّي. وعليه، فالحشاشون أنفسهم هم المشروع الممكن لنشر الفوضى مادام لهم الاستعداد لأن يحاربوا السنة والشيعة معا. ففي قلعة ألموت تم أسر كبير فلاسفة الشيعة أنفسهم الخواجة نصير الدّين الطوسي. ولا نخال هذا يخفى على مستشرق خبر دروب التراث الإسلامي. ولكن هذا سيكون أرضية لانطلاق مخطّط رهيب للهيمنة على الشرق؛ الهيمنة التي لا يمكن أن تتحقق إلاّ على أساس شرق ممزّق بالحروب الأهلية. يجب تحريك المياه الراكدة في هذا التّاريخ المليئ بإلهامات الفتن. ليس بالضرورة أن نترك للتاريخ أن يفعل فعله الطبيعي في نشوء الملل والنّحل بل لا بدّ من إخضاع المجال لضرب من الصناعة. وهذه الصناعة يشرف عليها المستشرق الوظيفي. صناعة التّاريخ بكيفيات تتطابق مع الحاضر.
ليس بالضرورة أن ننتظر تولّد الحشاشين من داخل حركة الانشقاق التي واجهت الاسماعيلية، والتي كان الفتك لديها نابع من صور التوحش الذي خضعت له الأقليات يومها، بل من الممكن أن نُخضع الوهّابية ـ الحليف التّاريخي للبريطانيين ـ لحالة ولادة قيصرية، للظفر بمثال آخر لحشاشين يتجاوز كلّ ثغرات حشاشي الأمس. أمّا قضية علاقة الحشيش بالقتل ، فتؤمّنها المختبرات الحديثة بفعالية أكبر عن طريق الأقراص المهلوسة التي انتشرت في صفوف مقاتلي داعش ونظيراتها.
إنّ القيمة المحورية للوثيقة التي كشف عنها العميل السابق في جهاز الاستخبارات البريطانية المشهور بالمستر همفر تكمن في هذه الغاية السياسية: ضرورة التفكير في مذهب جديد يناقض كلاّ من السنّة والشيعة معا. ولكن لبناء مذهب كهذا لا بدّ من اعتماد آراء من داخل هذا التراث، أفكار أنتجتها عصور الانحطاط والتي تدور حول أكثر الأسلحة فتكاً ألا وهو التكفير.
ولذا سنرى أنّ داعش هي في نهاية المطاف مذهب أو طائفة جديد تسعى لوضع نفسها في ضمن موسوعة المذاهب الإسلامية. وهذا يتطلب أن تكون لها دولة. إن داعش قفزت مراحل كثيرة، وهي بخلاف الحركات الكثيرة في التاريخ لم تبدأ من دعوة ثم دولة، بل مباشرة قفزت إلى الدولة وفرضت تعاليمها بقوة الإرهاب.أو لنقل هي خالفت فكرة التمكين الإخوانية لأنها تعتبر رد فعل تاريخي على فشل الإخوان في تحقيق الدولة بالطرق غير الجهادية للتمكين، فبدأت من الدولة إلى الدعوة بدلاً من الدعوة إلى الدولة.
والحقيقة أننا نتحدث هنا عن الدعوة على سبيل المجاز لأن داعش همشت مفهوم الدعوة وألغته، فهي تفكر اليوم في تطبيق حد الردة على المسلمين بقوة السيف. وهكذا حلت اشكالا فقهيا قديما، فالإخوان إذ تحدثوا عن الدعوة فهم منهم أنها تستبطن تجهيلا للمجتمع المسلم إذ لا دعوة في مجتمع المؤمنين بل الدعوة واجبة في حق الكفار. أما اليوم فإنّ داعش تطبق حكم الردة والاستتابة والحرابة، أي تتعامل مع المسلمين كمرتدين. وفكرة الارتداد هذه ليس لها جذر في لغة الحشّاشين، بل لها جذر في كثير من الممارسات التاريخية الإسلامية. وعملت التيارات المتطرفة على إحيائها وتوسيعها وتعميمها عبر ضروب هذيانية من القياس.
وفي أدبيات داعش وأمثالها يكثر الحديث عن المرتدّين بناء على ما سمّي بحروب الرّدة ومانعي الزّكاة في عهد الخليفة الأوّل أبي بكر. وعليها يبني هؤلاء مواقف أخرى، تتعلق بكل أشكال الانحراف والخروج عن التعاليم. وهذا في نظرهم كافٍ لإحياء تراث الحرب على المرتدّين بأقسى أشكال القوّة. وهذه الحرب لا تميّز بين المسلم وغيره، ففي حروب الرّدة نقف كما تذكر كتب التاريخ العام على حادثة قطع خالد بن الوليد ـ قائد ميداني في حروب الرّدة ـ لرأس مالك بن نويرة كبير قومه ووضع رأسه أثفية لإشعال النّار فيما سبا امرأته وهو ما شكّل موضوع نقاش حاد بين عمر وأبي بكر.
إنّ التّاريخ لا يخلو من صور تستطيع داعش أن تستحضرها إطاراً لكل تأويلاتها وسلوكها العنفي ضدّ المسلمين.

*  هوامش البحث  *
1 ـ  ادريس هاني: العرب والغرب، ص 196، فقرة: دانيال بايبس ومفارقة الإسلامي الحداثي، ط1، حزيران 1998، تقديم: رضوان السيد، توزيع دار الطليعة، بيروت.
2ـ أخيل تركيا هو عنوان مقال كتبته عن أوردوغان على خلفية الحركة المسرحية التي قام بها في مؤتمر دافوس.
3 ـ  وكنت ألمس هذا أثناء تحليلي للتيارات المستبعدة في المقاربات الكلاسيكية للتراث الإسلامي. وجدت في مقاربات برنار لويس خير مثال عن استشراق على الأقل قطع مع هيمنة الاستشراق الأورتذكسي الذي تواطأ مع المقاربات الكلاسيكية العربية نفسها ، وذلك في كتابي (محنة التراث الآخر). وقد تكون تلك من مفارقات برنار لويس المحرّض على إيران لكنّه عبّر لي عن انطباع إيجابي حول عنوان كتابي: ما بعد الرشدية، إذ أظهر كثيراً من التقدير لملاّ صدرا موضوع الكتاب. كما عبرت له عن انطباعي تجاه كتابه حول الإسماعيلية وأهمية الموضوعية في مقاربة التّاريخ المهمّش. ومن الذين شاطروني هذا الانطباع حول هذا الجانب من استشراق برنار لويس المؤرخ المصري محمود إسماعيل في حوار منشور سابقا، بينما لمست امتعاضا راديكاليّا من المؤرخ السوري سهيل زكار الذي كان على شيء من الحدة في نقد برنار لويس والذي كان استاذاً مشرفاً عليه. فقد ذكر لي سهيل زكار مرّات عديدة كثيراً من الأدلة على خطورة برنار لويس وسلوكه مع الباحثين حتى بحسابات التقييم الأكاديمي. وأعتقد أنّه كان مصيباً في كثير من تلك الأحكام.
4 ـ آخرها التعليق المستفيض الذي قام به الصديق د. عبد الصمد بلكبير تعقيبا على كتاب: «الحشاشون» لبرنار لويس، الذي أعاد طبعه طبعة جديدة، محاولا الربط بين التأريخ للحشاشين وبين جماعة القاعدة.
5 ـ فرهاد خسرو خافار: شهداء الله الجدد، ص 49، تـ: جهيدة لاوند، دار المدى،2007، دمشق.
[6] – EMILE DURKHEIM : LE SUICIDE, ETUDE DE SOCIOLOGIE, P «312, PRESSES UNIVESITAIRES DE France, 1930,10*TIRAGE 1986.
7  ـ م ، ن ، ص 334.
8 ـ م ، ن ، ص 243.
9 ـ إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية، ص 340، تـ: كمال أبو ديب، ط 2، 1998، دار الآداب، بيروت.
10 ـ آلان غريش: برنار لويس وجينة الإسلام، لوموند، 10/9/2004.