القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية (دراسة نقدية)

البهنسي، أحمد، “القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية (دراسة نقدية)” في مجلّة دراسات استشراقية، العدد 3، السنة 2، شتاء 1436هـ/2015، ص ص 267-283.

مقدمة:
يعود تاريخ الاهتمام اليهودي بالإسلامِ ومصادرِه الأساسيّة وفي مقدمتها القرآنُ الكريمُ، إلى زمن ظهور الاسلام نفسه، وهو ما سجله القرآن الكريم في ورود بعض الآيات التي  تردُّ على بعض التساؤلات التي طرحها اليهودُ على الرسولِ (ص)  بهدف تحدّيه والجدل معه وإظهارِ ضَعفِه، وكان منها الآيات 9-26 من سورة الكهف.
أمّا في العصور الوسْطى التي شهدت احتكاكًا وتعايشًا قويًا بين المسلمين واليهود في عدّة مراكزَ وبقاعٍ، منها العراقُ واليمنُ والأندلسُ، فقد تَبدَّى الاهتمام اليهودي بالقرآن الكريم على شكل إعداد ترجماتٍ عبرية جزئية لبعض آي القرآن الكريم، لم تكن أمينةً، وامتلأت بالتحريفات والتشويهات، وقد ظهرت أيامُ حُكْمِ المسلمين للأندلس، وقام بهذه الترجمات الفيلسوفُ اليهوديُّ «سعديا الفيومي»، والشاعرُ اليهوديُّ «سليمان بن جبيرول».
كما كان الاهتمامُ اليهوديُّ بالدراسات الإسلامية – ولاسيّما القرآنِ الكريم في العصر الحديث – اهتمامًا كبيرًا, فقد ظهرت وتكونت ما يمكن تسميتَه بـ«المدرسة اليهودية في الاستشراق»، التي كان من أهمِّ مجالاتها: الدراساتُ الدينيةُ المقارِنةُ بين اليهودية والإسلام، والتي هدفت إلى ردِّ القرآن الكريم إلى العهد القديم، وكان من أبرز المؤلفات في هذا الصدد: كتابُ الحَبْر اليهودي الألماني الشهير أبراهام جايجر «ماذا أخذ محمدٌ عن اليهودية»؟
»Was hat Mohammed aus dem Judenthume aufgenommen»?
فضلاً عن ذلك، فإن المستشرقين اليهودَ و«الإسرائيليين»، قاموا بنشر أفكارهم وأيديولُوجيَّاتِهم الاستشراقيّةِ عن القرآن الكريم في مؤلفاتٍ ومجلداتٍ ضخْمة، إضافةً إلى نشرِها في موسوعات ودوائر معارف كبيرة، منها: ما كُتب بالإنجليزية، ومنها: ما كتب بالعِبْرِيَّة، ومنها: ما كان مطبوعًا، ومنها: ما تم نشره إلكترونيًا، ومنها: الموسوعاتُ العامة، ومنها: الموسوعات المُتخصّصة.
في ضوء ما سبق، يأتي الكتاب الماثل للعرض، والذي يقدم دراسة نقدية شاملة الجوانب للمقالات التي وردت عن « القرآن الكريم» في جميع الموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم، اضافة إلى احتوائه على ملحق يشتمل على النصوص الاصلية لهذه المقالات الموسوعية بلغاتها الأصلية (العبرية، الانجليزية)، وترجمتها إلى اللغة العربية.
ويتم استعراض أهم محاور الكتاب على النحو الآتي:

مادة الدراسة ومنهجها:
تَشْمُلُ مادةُ الدراسة جميعَ المقالات عن القرآن الكريم في الموسوعات اليهودية، سواءً المتخصصة أو العامة، وسواء بالعبرية أو الإنجليزية، وسواء المطبوعة ورقيًّا أو المنشورة إلكترونيا.ويمكن تقسيمُها على النحو التالي:
●  أولا: موسوعاتٌ مطبوعةٌ:
1- بالإنجليزية:
الموسوعة اليهودية:
– The Jewish Encyclopedia, Vol. VII, Funk and Wagnalls Company: New York &London, 1916 .
موسوعة جودايكا:
– Encyclopaedia Judaica, Vol. 10, (Jerusalem: Encyclopaedia Judaica, 1972).2007.
الموسوعةُ اليهوديّة العالميّة:
– The Universal Jewish Encyclopedia, New York: University Jewish Encyclopedia, 1944 .
2- بالعِبْرِية:
الموسوعةُ العبرية العامة لليهودية وأرض إسرائيل:
– האנציקלופדיה העברית כללית יהודית וארץ ישראלית، חברה להוצאת אנציקלופדיות، ירושלים 1974.
–  אוצר ישראל، אינצקלופדיה לכל מקצועות תורת ישראל ספרותו ודברי ימיו، נויארק ،1910.
«كَنْزُ إسرائيل، موسوعةٌ لكل مجالات توراة إسرائيل وآدابها وتاريخها».
●  ثانيا: موسوعاتٌ إلكترونيةٌ :
1- بالإنجليزية:
– Jewish Encyclopedia, http://www.jewishencyclopedia.com/
هي نسخةٌ إلكترونيةٌ من موسوعة (Jewish Encyclopedia The) «الموسوعة اليهودية» الانجليزية الورقية.
2- بالعِبْرِيَّة:
– ויקיפדיה،
http://he.wikipedia.org/wiki/
«ويكيبديا»: هي موسوعةٌ الكترونيةٌ حُرَّةٌ بالعبرية على الإنترنت.
موسوعة المعرفة الموثوقة:
– אינצקלופדיה، ידע עם אחריות،
http://www.ynet.co.il/yaan
وهي موسوعة يهودية تابعة لصحيفة يديعوت أحرونوت، التي تعد أشهر الصحف الإسرائيلية وأكثرها توزيعا داخل إسرائيل.
الموسوعة اليهودية:
– אינצקלופדיה יהודית،
http://www.daat.ac.il/encyclopedia
أمّا عن منهج الدراسة، فهو المنهج «الوصفي- النقدي»؛ إذ يتمُّ حصرُ ووصفُ وتصنيفُ الفرضيات والمطاعن المتعلقة بالقرآن الكريم الواردة في المقالات الموسوعية ثم نقدها بشكل علمي وموضوعي.
يعتمد منهجُ «النقد» الذي استخدمته الدراسة على عدة أدوات أساسية بغية الوصول إلى النقد الموضوعي العلمي غيرِ المُتَحَيَّز للفرضيات الاستشراقية الواردة بهذه المقالات الموسوعية حول القرآن الكريم. وذلك من خلال الخطوات الآتية:
– استعراض ووصف الفرضية الواردة في الموسوعة اليهودية حول القرآن الكريم.
– عرض النصوص، النص القرآني، والنصوص اليهودي أو النصراني أو الوثني، المردود له النص القرآني.
– المقارنة بين النَّصَّيْن: النص القرآني والنص اليهودي أو النصراني أو الوثني المردود له النص القرآني بغية الوقوف على أوجه التشابه والخلاف، ومعرفة إذا كان هذا التشابه حقيقيًّا وكاملا ويتعلق بالمضمون، أم أنه تشابهٌ ظاهري وسطحي ومنقوص، وتَكْمُنُ أهميةُ ذلك في أنّ معظمَ الكتابات الاستشراقية حول القرآن الكريم تعتمد على وجود تشابه بين القرآن الكريم ومصادر دينية يهودية ونصرانية ووثنية، كأساس لما يعتبرونه تأثيرا وتأثُّرًا  أو اقتباسا قرآنيا من هذه المصادر الدينية غير الأصيلة (اليهودية، النصرانية، الوثنية).
– المقارنة بين السياق الوارد فيه النص القرآني والسياق الوارد فيه النص المرود له (اليهودي، النصراني، الوثني).
– التأصيل لمصدر النص (اليهودي، النصراني، الوثني) المردود له النصُّ القرآني، وذلك للتثبت من صحة المصدر ومدى أصالته .
– الاستعانة بالأدلة والشواهد التاريخية والعلمية، إضافة إلى الآراء العلمية لعدد من المستشرقين الذين يمكن وصفهم بـ«الموضوعيين» أو «العلميين» أو «المنصفين».
– اعتماد وتفعيل نظرية «الفهم» الخاصة بعلم تاريخ الأديان التي يتجاهل المستشرقون استخدامها، في حين يطبقونها في دراسة أديان الشرق الأقصى( البوذية، الكونفوشيوسية، البراهمية….الخ)، والتي تقضي بضرورة فهم الدين (الإسلام) داخليا أي: كما يفهمه أصحابه، وليس فهمًا استشراقيا منفصلا عن الواقع ومتأثرا بايديولوجيات متحيزة غير موضوعية.
أمَّا فيما يتعلق بالفرضيات اللغوية حول رَدِّ عدد من الألفاظ القرآنية لألفاظ تنتمي للديانة اليهودية (العبرية، الآرامية -اليهودية)، فإن الدراسة اعتمدت منهجَ تأصيلِ اللفظة القرآنية مباشرة وتأصيل وجودها أو شبيه لها في لغات أخرى لاسيما اللغاتِِ السامية (تشترك مع العربية في نفس الأسرة اللغوية «اللغات السامية»)، لمعرفة إذا كانت اللفظة القرآنية، التي ردتها الفرضية الاستشراقية إلى لغة غير العربية، لفظةً عربيةً أصيلةً، أم لفظةً ساميةً مشتركة، أم لفظةً أعجمية دخيلة.

«تاريخية» القرآن الكريم:
اهتم المستشرقون عامه واليهود منهم خاصة بما بات يعرف في الدراسات الاستشراقية بقضية « تأريخية القرآن الكريم» أي وضع النص القرآني في اطار تاريخي من حيث نزوله أو مراحل جمعه وتدوين، اضافة إلى ترتيب الآيات والأجزاء القرآنية. وكذا تقسيم سوره إلى «مدنية ومكية». وهو ما تعرضت له المقالات بالموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم، من خلال طرحها للفرضيات المتعلقة بـ«تعريف القرآن الكريم وجمع وترتيب آياته».
في هذا الصدد، طرحت الموسوعات اليهودية فرضيتين أساسيتين الأولى: هي أن محمدا (ص)  هو من ألف القرآن الكريم، والثانية: هي أن القرآن الكريم نتاج وَثَنِيٌّ بَشَرِيٌّ نشأ إما في سوريا أو الجزيرة العربية فيما بعد محمد (ص).
فندت الدراسة الماثلة للعرض هاتين الفرضيتين السابق ذكرهما، بالاشارة إلى أنه بالنسبة للفرضية الأولى فان إثبات «أُمِّيَةِ» محمد (ص)  تُدْحِضُ بما لا يدع مجالا للشك إمكانيةَ أن يأتيَ محمد (ص)  «النبي الأمي» بمثل هذا القرآن، بما يحتوي عليه من بناء أدبي وفكري ومعرفي معجز وشديد البلاغة، تلك «الأمية» التي شكّكت فيها الدراسات الاستشراقية من أجل إثبات أن القرآن الكريم هو من نتاج محمد (ص)، وكان من بين هؤلاء وأبرزهم المستشرق الفرنسي بلاشير وكذك المستشرق الإنجليزي منتجمري واط.
كما أن جميعَ وسائل البحث التاريخية والعلمية حول حياة محمد (ص)  سواء العادية أو حياته في فترة الرسالة سواء في مسقط رأسة بمكة، أو موطنه الأخير المدينة المنورة «يَثْرِبَ»، أو في رحلاته واتصالاته، عجزت عن تقديم تفسير كاف يثبت أن محمدا (ص) على أميته هو من جاء بالقرآن الكريم بما يحتويه من بناء شامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي تُقدم من خلال القرآن الكريم في مجالات الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون… الخ.
أما الفرضية الثانية التي طرحتها الموسوعات اليهودية، فهي تقول بفكرة أن القرآن الكريم لم يكتمل ولم يُدَوَّنْ في عهد البعثة النبوية، وأنه تكون فيما بعد وفاة محمد (ص)  إما في الجزيرة العربية أو سوريا، وهو ما يعرف في الدراسات الاستشراقية لا سيما المهتمة بدراسة تاريخ الأديان بنظرية «النشأة والتطور» والتي حاول المستشرقون إلصاقها بالقرآن الكريم وتطبيقها عليه.
وقد ردت الدراسة على هذه الفرضية، بالقول إن نظرية «النشأة والتطور» لايمكن تطبيقها على الإسلام والقرآن الكريم، فإذا نظرنا إلى عمر الوحي أو القرآن الكريم، فنجده هو عمر البعثة النبوية المحمدية، والذي لا يتجاوز 23 عامًا، تبدأ منذ أن بُعث محمد (ص)  في الأربعين من عمره وحتى وفاته في الـ63 من عمره (ص)  وفق ما استقرت عليه كتب السيرة والتاريخ، وهي فترة لا تعطي نشأة وتطورا لا سيما أنه لا يوجد للإسلام تاريخ سابق على نزول القرآن الكريم وليس له تاريخ لاحق على نزول القرآن الكريم على عكس أديان العالم الأخرى التي غَطَّتْ نشأتها وتطورها ونسخ كتابها وتدوينه عشرات القرون.
واضافت الدراسة أنه لم يحدث في تاريخ الأديان أن نشأ دين واكتمل في عصر مؤسسه وهو محمد (ص)  مثلما حدث في الإسلام، فرؤية الواضع أو المؤسس في الأديان الأخرى تأتي بعدها عشرات الرُّؤَى المُفَسِّرَةِ لرؤية المؤسس والتي تقترب منها أو تبتعد حسب درجة الفهم والاستيعاب للرؤية الأصلية، وهو ما لم يحدث في الإسلام، الذي مَثّل «الاستثناء» الوحيد لقاعدة النشأة والتطور في تاريخ الأديان فقد ظهر ببداية الوحي واكتمل بنهاية الوحي.

مصادر غير أصلية :
ردت المقالات الواردة بالموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم، عددا من القصص القرآني اضافة إلى عدد من الآيات الوراد بها عقائد وشرائع إلى مصادر غير أصلية، تلك المصادر التي انقسمت إلى مصادر يهودية ونصرانية ووثنية.
بالنسبة لقصص القرآن، فقد نهجت المقالات الموسوعية اليهودية نهجين مختلفين في رده لمصادر غير أصلية، الأول: ردُّ القصص القرآني «بشكل عام» لهذه المصادر دون تحديد موضع أو نص معين في المصدر اليهودي أو النصراني أو الوثني المردودة له القصص القرآني، والثاني: ردُّ بعض قصص القرآن الكريم الى هذه المصادر مع « تحديد موضع أو نص معين بها ».
من ابرز الأمثلة على النهج الأول، هو ما أشار إليه كل من مقال القرآن في אינציקלופדיה יהודית  الموسوعة اليهودية الإلكترونية بالعبرية على الإنترنت، ومقال موسوعة אוצר ישראל كنز إسرائيل، تحت عنوان «ماذا تعلم محمد من توراة اليهود؟» من « أن محمدا لم يكن يعرف القراءة والكتابة، كما ذكر هو بنفسه ( سورة 47/ 22، محمد 22) ، لذلك اضطر إلى أن يتعلم من أحد اليهود، الذين قالوا له قصصًا من حياة الأنبياء وأساطير من أعمال الآباء، وكان أستاذه اليهودي هو عبد الله بن سلام».
أما النهج الثاني، فكانت من أبرز امثلته، واردة في أن ردت كل من الموسوعة اليهودية بالعبرية على الإنترنت :
http://www.daat.ac.il/encyclopedia
وموسوعة (אוצר ישראל) كنز اسرائيل، قصة «ذي القرنين» القرآنية، إلى سفر دانيال، وذلك ضمن تعليقهما على الآية 259 من سورة البقرة.
وقد اجملت الدراسة تفنيد هذه الفرضية التي طرحتها الموسوعات اليهودية حول القصص القرآني، في انه من المعروف أن هناك الكثيرَ من الشخصيات التي وردت قصصُها في القرآن الكريم وردت على أنهم «أنبياء أو رسل يوحى لهم من رب العالمين» على عكس ما وردوا عليه في العهد القديم، ومنهم على سبيل المثال سليمان وداوود اللذين وردا في المصادر الدينية اليهودية على أنهما «مَلِكَان» ونُسبت إليهما كثير من الآثام، في حين أنهما في القرآن الكريم نبيان وملكان في آن واحد، ما يعني وجود اختلاف كبير بين القصص القرآني والتوراتي في التصور والمضمون حول كثير من الشخصيات التي أطلق عليها الفكر الاستشراقي اليهودي والإسرائيلي مصطلح «الأنبياء المشتركون بين اليهودية والاسلام»، وهو مصطلح لا يتسم بالدقة والموضوعية؛ إذ إن كثيراً من الشخصيات المقرائية (أي الواردة في العهد القديم) والقرآنية، وردت كأنبياء في القرآن الكريم ولم تَرِدْ كذلك في العهد القديم، كما وردت أسماء لأشخاص على أنهم أنبياء في العهد القديم ولم يرد ذكر لهم في القرآن الكريم، مثال ( اشعياء، وارميا، وهوشع، ….الخ).
اضافت الدراسة كذلك ، انه توجد اختلافاتٌ كبيرة بين القصص في القرآن الكريم سواء من حيث المفهوم أو العناصر أو السمات عن القصص في العهد القديم  والمصادر اليهودية سواء في العناصر أو الأغراض.
فيلاحظ أن القصص القرآني يتسم ويتميز وينفرد عن القصة التوراتية بأن القصة القرآنية تمتزج بموضوعات السورة التي ترد فيها امتزاج عضوي لا مجال فيها للفصل بينها وبين غيرها من موضوعات السورة، بحيث لو حذفنا القصة من موقعها الوارد في السورة لاختل المعنى، لأن القصة تسهم في بيان مضمون النص وإيضاحه للقارئ، فلو حذفنا على سبيل المثال، قصة الغراب التي وردت أثناء الحديث عن قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) لما استقام المعنى، لأن الغرض من ذكر الغراب كان لحكمة إلهية لبيان حكمة دفن الموتى.
وأبرز ما تَتَّصِفُ به القصة القرآنية ويميزها عن القصة التوراتية أيضا، أن القصة القرآنية «تَتَنَاسَب مع غايات» التنزيل الإلهي وهي غايات كثيرة لكنها تتلخص في إثبات الوحي الإلهي ووحدانية الله وقدرته، في حين أن القصص في التوراة جاءت لِتُبْرِزَ أنماط حياة الآباء اليهود وسلوكياتهم وأخلاقياتهم، حتى يقتدي بها اليهود.
كما توجد اختلافاتٌ كبيرة بين القصة في القرآن الكريم وبين القصة في كل من الأناجيل والتراث الوثني القصصي القديم؛ إذ أن هناك اختلافًا من حيث الأنواع والأغراض والأهداف؛ فالقصة في الأناجيل إما تاريخية أو تعليمية وذلك من حيث «الغرض»، أما من حيث «النوع» فهي تنقسم إلى نوعين «القصة» و« المثل». وهو ما لايوجد في القصة القرآنية.
أما القصة في تراث الشرق الأدني القديم (الوثني)، فعبارة عن «أسطورة» تخضع لمقاييس ذهنية وأساليب فنية وأجناس أدبية وقواعد وضوابط تخضع للتراث الحضاري النابعة منه سواء في بلاد النَّهْرين أو في جنوب شبه الجزيرة العربية؛ فالأسطورة عادة ليست من نتاج شخص أو فرد معين، بل هي في الغالب مجهولة المؤلف وتبناها مجتمع ما فصارت نتاجا له. وهذا النوع القصصي الاسطوري لا أثر له في القرآن الكريم.
بالنسبة لرد المقالات الموسوعية اليهودية لبعض الآيات القرآنية الوراد بها عدد من «العقائد والشرائع» الإسلامية، فقد كان من أبرز أمثلته ما ذكرته موسوعة Encyclopaedia Judaica جودايكا، عن شريعة الصوم في القرآن الكريم، حيث أوردت « أنه في البداية أمر محمد بصوم يوم يماثل يوم الغفران اليهودي، ويدوم يومُا واحدا بالعربية «عاشوراء» وفي العبرية עשור (اللاويين 23/27). ثم أحل محله صومًا يبدأ من شروق الشمس حتى غروبها، طوال شهر كامل هو شهر رمضان، ويعظم محمد نفسه هذا الصوم لأن ذكرى نزول القرآن تقع في هذا الشهر، وهذا يجب أن يقارن بالتصور اليهودي ليوم الغفران بوصفه يوم منح اللوحات الثانية للشريعة، وتفاصيل النظم المتعلقة بالصوم(البقرة 2/183-185) تُظهر تأثيرًا يهوديًا على نحو متكرر».
كان من أهم ما استعانت به الدراسة لتفنيد هذه الفرضية، هو أنه بالمقارنة بين النص التوراتي الذي ذكرته الموسوعة اليهودية (اللاويين 23/27) « אַךְ בֶּעָשׂוֹר לַחֹדֶשׁ הַשְּׁבִיעִי הַזֶּה יוֹם הַכִּפֻּרִים הוּא, מִקְרָא-קֹדֶשׁ יִהְיֶה לָכֶם, וְעִנִּיתֶם, אֶת-נַפְשֹׁתֵיכֶם; וְהִקְרַבְתֶּם אִשֶּׁה, לַיהוָה» «وَيَكُونُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ السَّابِعِ يَوْمَ كَفَّارَةٍ، تَحْتَفِلُونَ فِيهِ احْتِفَالاً مُقَدَّساً، وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَتُقَرِّبُونَ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ»، وبين النص القرآني الذي استشهدت به الموسوعة أيضًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْـهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  * يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة 2/183-185)، تتضح لنا اختلافات جوهرية عدّة، منها أن النص التوراتي لم يتحدث عن «صيام» ولكن عن «يوم احتفال وتوقف عن العمل» و «تذليل للنفس»، أما النص القرآني فقد تحدث صراحة وبوضوح عن «صيام» في أيام معدودات وشهر محدد وهو (شهر رمضان).
كما يذكر أنه لم يرد في سفر اللاويين- الذي استعانت به الموسوعة اليهودية- أو غيره من أسفار التوراة الخمسة(التكوين، الخروج، العدد، اللاويين،التثنية)، «الصيام» على أنه فريضة يتعبد بها وكل ما ورد نصوص قليلة تتحدث عن «تذليل النفس» أي قهرها، مثال (وَيَكُونُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ السَّابِعِ يَوْمَ كَفَّارَةٍ، تَحْتَفِلُونَ فِيهِ احْتِفَالاً مُقَدَّساً، وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَتُقَرِّبُونَ مُحْرَقَاتٍ لِلرَّبِّ ) ( اللاويين 23/27) ، أما في الإسلام فهو فريضة بل ركن ركين من أركان الإسلام الخمسة.
أضافت الدراسة كذلك، أنه من أبرز الخلافات المتعلقة بالصيام عامة فيما بين اليهودية والإسلام، أن الصيام في الإسلام كانت له رُخَصٌ في حالات معينة مثل المريض والمسافر (البقرة، 185). أما في اليهودية فلا يوجد بها هذه الرخصُ المتعلقة بالصيام، بل إنها جعلت عقاب المفطر هو القتل، وهو ما لا يوجد في الإسلام، كما أن هذا العقاب في غاية الشدة، بشكل يدفع الناس لادعاء التدين والصوم والتعبد كذبًا، خوفًا من العقاب وهو أمر باطل في مجال العبادة.

الألفاظ الأعجمية:
تعرضت المقالات حول القرآن الكريم بالموسوعات اليهودية لتلك القضية المعروفة في الدراسات الإسلامية والاستشراقية بـقضية «الألفاظ الأعجمية بالقرآن الكريم». فقد ردت الموسوعات اليهودية عددا من الألفاظ القرآنية (6 ألفاظ) إلى اللغة العبرية، التي تُعَدُّ اللغة الأكثر تعبيرًا وارتباطًا باليهودية؛ إذ كانت اللغة الأساسية التي كُتب بها كل من العهد القديم والتلمود. إضافة إلى ردها  أصول لفظ  قرآني واحد  إلى اللغة أو اللهجة الآرامية -اليهودية، وهي من اللغات أو اللهجات «الخليطية»، وكُتب بها التلمود وأقدم المدارشيم، كما كُتب بها أيضًا תרגומים الترجوميم وهي الترجمات الآرامية للعهد القديم.بالتالي فقد ارتبطت هذه اللغة أو اللهجة أيضا بالديانة اليهودية ارتباطًا وثيقاً.
من ابرز الامثلة على ذلك، ما ذكرته موسوعة אוצר ישראל كنز إسرائيل،  أن محمدا حاول التقرب من اليهود واستمالتهم عن طريق استخدام بعض الكلمات الخاصة مثل שכינה سكينة (وردت على سبيل المثال في سورة البقرة 248. والآية 26 من سورة التوبة) والتي عكست توجهه بأن يُظهر لهم معرفته بالتوراة.
ردت الدراسة الماثلة للعرض على هذه الفرضية بالاشارة إلى أن معنى كلمة «سكينة» في العربية هو السكون والهدوء والطمأنينة وهي من الألفاظ التي صيغت بصياغة دينية بعد ظهور الإسلام، أما في العبرية שכינה فجاءت بمعنى الروح القدس أو الوحي الإلهي، وهو ما يدل بوضوح على وجود فارق كبير في المعنى للفظة بين العربية والعبرية رغم وجود تشابه في اللفظ الذي على الأرجح من الممكن أن يكون عائدا لظاهرة الإبدال الشائعة بين الساميات. بشكل دفع بعض المستشرقين إلى اعتبار أن (سكينة) مأخوذة من (שכינה) لتشابه المبنى رغم اختلاف المعنى.
واضافت الدراسة ان الدراسات اللغوية التأصيلية المقارنة، أثبتت ان لفظة (سكينة) لفظةٌ عربية الأصل وهي تنسب للألفاظ العربية الشمالية. وليست من الالفاظ الدخيلة او المعربة. بما ينفي تماما فرضية ان تكون ذات أصول عبرية.

الموقف من اليهودية والنصرانية :
ناقشت الدراسة الماثلة للعرض كذلك، ما ذكرته الموسوعات اليهودية من أن القرآن الكريم وردت به آيات جدليه كثيرة مع اليهود وتتهمهم بتحريف كتابهم المقدس وبالكفر، ومن ذلك ما ورد في  האנציקלופדיה העברית الموسوعة العبرية العامة «أنه توجد الكثير من الآيات الجدلية مع اليهود والنصارى، والذين قليلا منهم يُعَدُّون مؤمنين بالله ويستحقون على ذلك الأجر (آل عمران، 199، الأعراف، 159)، لكن معظم اليهود متهمون بتحريف التوراة، وإنكارهم لنبوة محمد وانضمامهم لأعداءه لحقدهم عليه (النساء، 44 والمائدة 43-44) كما اتهم اليهود بقتل الأنبياء (البقرة،87، آل عمران 113)».
في هذا الصدد أكدت الدراسة على أن هناك موقفاً ومنهجاً قرآنياً واضحاً فيما يتعلق بعلاقة الإسلام باليهودية وحتى النصرانية، ذلك الموقف أو المنهج الذي أطلق عليه المفسرون وعلماء تاريخ الأديان مفهوم «الهَيْمَنَة» وهو مفهوم قرآني مُسْتَمَدٌّ من الآيات (المائدة 48-50) ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾، وهو يشير إلى هَيْمَنَةِ الإسلام على الأديان التوحيدية السابقة له (اليهودية، النصرانية) بهدف العودة إلى الدين الواحد للبشرية دين التوحيد، واعتباره (مهيمنا) على الأديان فما وافق الإسلام في هذه الأديان فهو حق وما خالفه فهو باطل.
وشددت الدراسة على أن هذا المفهوم القرآني، لا يُعَدُّ مفهوما ذاتيًّا أو غير موضوعي، بل إنه يحتوي على عناصر الموضوعية والحِيَادِيَّة بشكل دفع المستشرق الألماني هربرت بوسه، وهو من أكثر المستشرقين موضوعية وعلمية، إلى الاعتراف بهذا المفهوم، ففي إطار شرحه لعلاقة الإسلام وموقفه ممن عرفوا بـ«أهل الكتاب»، أوضح «بوسه» أن الإسلام يعترف بوحدة الأديان وبوحدة مصدرها الإلهي، وأن القرآن يُمَثِّل نموذجًا للوحدة الدينية؛ إذ يشير القرآن في نصوصه إلى « إله واحد ونص أصلي واحد أخذت عنه كل نصوص وكتابات الوحي».
وهو ما يُوَضِّح أن الموقف القرآني تجاه اليهودية واضح في أصله ويقضي بالاعتراف باليهودية والنصرانية وفي الوقت نفسه رفضه ونقده لما شابهما من انحراف وتشويهات وتحريفات، وهو ما وضح في أن مفهوم الهَيْمَنَةِ يقصد به أن القرآن الكريم حافظ على الكتب السابقة له مبينا للباطل فيها دالا على الصحيح منها، وهو ما فسره المستشرق «بوسه» بأنه «موقف قرآني متسق» يجمع ما بين الاعتراف بالديانة اليهودية كديانة سماوية، في نفس الوقت توجيه انتقادات مباشرة للتحريفات التي شابتها، تلك الانتقادات التي أخذت ثلاثة أشكال في القرآن.

نتائج الدراسة:
توصلت الدراسة لعدد غير قليل من النتائج حول الفرضيات التي طرحتها المقالات الواردة بالموسوعات اليهودية المخلتفة عن القرآن الكريم وما يتعلق به، ويمكن حصر أهم هذه النتائج فيما يأتي:
– عدم التزام الموسوعات اليهودية في مقالاتها عن القرآن الكريم بـ«الوصف» و« السرد المعلوماتي» المحايد الذي من المفترض أن تلتزم به الموسوعات ودوائر المعارف؛ إذ تَمَّ استخدام مناهج استشراقية نقدية «التأثير والتأثر والإسقاط». وذلك بشكل «متعسف» وغير موضوعي.
– وجود اختلافات في الجوهر والمضمون والمقاصد بين المادة القرآنية والمصادر الدينية اليهودية المردودة لها من جانب الموسوعات اليهودية، تلك الاختلافات التي تمنع إمكانية الاقتباس أو التأثر القرآني من مصادر دينية يهودية. فضلاً عن أنّ التحليل المنطقي والعلمي الدقيق والمدعوم بآراء وأقوال ما يمكنهم وصفهم بـ«المنصفين والموضوعيين» من المستشرقين يدحض الفرضيات التي طرحتها الموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم.
ـ لجوء الموسوعات اليهودية في مقالاتها عن القرآن الكريم لمصادر دينية يهودية «متأخرة» (الآجادا) لرد المادة القرآنية إليها، وهو ما يعبر عن «عجز» الموسوعات اليهودية عن إيجاد شبيه للمادة القرآنية في المصادر الدينية اليهودية الأساسية (العهد القديم). وهو ما عكس من جانب آخر «خطأ منهجيا»؛ إذ يظهر تناقضاً مع المنهجية الاستشراقية التي ردت القرآن الكريم إلى العهدين القديم والجديد، على أساس رد «اللاحق» إلى «السابق» على وفق نظرية التأثير والتأثير في حين أن الموسوعات اليهودية تَرُدُّ القرآن الكريم الذي هو «سابق» للأجادا التي هي «لاحقة» عليه في التاريخ والتدوين، بل إن هناك عددا من الأدلة الموضوعية المتعلقة بالتحليل الفيلولوجي للآجادا تثبت أنها هي التي تأثرت بالقرآن الكريم لاسيما على مستوى القصص وليس العكس.
– وجود قرائن علمية ولغوية تُدْحِضُ فرضية الموسوعات اليهودية بوجود ألفاظ ذات أصول لغوية يهودية (عبرية، الآرامية- اليهودية) بالقرآن الكريم.
– بروز أَزْمَةِ «الفهم» من خلال الفرضيات التي طرحتْها الموسوعات اليهودية حول القرآن الكريم، مُتَمَثِّلَةً في سيطرة إيديولوجية استشراقية يهودية على تلك الفرضيات، وتجاهل الرؤية الإسلامية «القرآنية» عن المادة القرآنية.
***
(*) باحث مصري مختص بالاستشراق الإسرائيلي والدراسات الدينية اليهودية.

القرآن الكريم وعلومه في الموسوعات اليهودية (دراسة نقدية)

https://makhlabiali.info/wp-content/uploads/2020/01/القرآن-الكريم-وعلومه-في-الموسوعات-اليهودية-دراسة-نقدية.pdf