تاريخ الآيات والسور القرآنية في دراسات المستشرقين

اسكندرلو، محمد جواد، “تاريخ الآيات والسور القرآنية في دراسات المستشرقين” في مجلّة دراسات استشراقية، العدد 3، السنة 2، شتاء 1436هـ/2015، ص ص 9-34.

تمهيد:
إنّ المراد من (تأريخ القرآن) هو تعيين تاريخ نزول السور القرآنية. ولـمّا كان طابع مثل هذا البحث تاريخيٌّ فإنَّ المنهج والأسلوب العلمي الذي يلزم اتّباعه هو الاستناد إلى الأدلّة التاريخية، والروايات المعتَبرة، وكذلك مضامين الآيات والسور القرآنية، وبهذا اللحاظ فإنّ الباحثين في علوم القرآن من المسلمين يستندون في هذا المجال غالباً إلى رواية (ابن عباس) الحاوية لترتيب نزول السور القرآنية. وأمّا المستشرقون فقد اعتمدوا في الغالب على لحن وأسلوب الآيات والسور ملاكاً لمعرفة ذلك، واستندوا أحياناً إلى الروايات الضعيفة ومن ثَمَّ فقد توصّلوا من خلال ذلك إلى نتائج متناقضة لا تمتلك أساساً من الصحّة، فمضافاً إلى ما يلحظ من اختلاف نتائج دراساتهم في ترتيب السور مع الترتيب الروائيّ المشهور، نرى التناقض والاختلاف القائم فيما بينهم أيضاً، وهذه الملاحظة كافيةٌ بنفسها للإشارة إلى أنّ المعايير والمباني المعتمدة لدى كلّ واحد منهم ليست سوى معايير ذوقية ومجرّد تخيلات وهمية.
وقد عالجنا في هذه الدّراسة ما توصّل إليه اربعة من هؤلاء المستشرقين في مجال تأريخ القرآن ومن ثمّ نقد هذه النتائج، وهؤلاء المستشرقون هم: (غوستاف فايل، تيودور نولدكه، رودول، بلاشير).
إنّ مصطلح (تأريخ القرآن) يعد من الاصطلاحات الجديدة التي وضعت مؤخّراً من قبل الباحثين الغربيين في موضوعي الاسلام والقرآن، ففي الفترة التي سبَقت القرن الحاضر لانَعثر على مثل هذا الاصطلاح في المدوّنات والكتب المرتبطة بعلوم القرآن عند المتقدّمين كإتقان السيوطي وغيره، نعم هناك إشارة إلى وجود أصل المصداق وبعض المسائل المرتبطة به. وبعبارة أُخرى فإنّ مصادر تأريخ القرآن وبحوثه كانت مطروحة منذ صدر الإسلام ومصداق ذلك ما نجده من روايات متعدّدة في الصحيحين حول كيفية تدوين القرآن وترتيبه، وكذلك حول كتّاب الوحي. ومن ثمَّ فقد تعرّض الزركشي في برهانه والسيوطي في إتقانه إلى العديد من المسائل الراجعة إلى التأريخ القرآني، منها نزول الوحي وترتيب الآيات والسور وتسميتها، وإلى أنَّ ترتيبها وتواليها توقيفي أم غير توقيفي، وكيفية تدوين المصاحف المختلفة، ورسم الخطّ، واختلاف القراءات، وما سوى ذلك.
أمّا في عصرنا الحاضر فقد ظهر كثير من المؤلّفات حول تأريخ القرآن من قبل المستشرقين، وقد رتّب (الدكتور محمدحسين علي الصغير) سير هذه المؤلّفات على وفق التسلسل التاريخي(1). وممّا يجدر الإشارة إليه ها هنا أنّنا قد نجد عدداً من القضايا التي يمكن أن تُطرح في مجال تأريخ القرآن، كالوحي، وتقسيم القرآن، وأسباب النزول سواء الآيات أو السور، وكيفية نزول القرآن، وترتيب النزول. إلا أنّ هذه الدّراسة الماثلة بين يديك تتعرّض فقط إلى خصوص ترتيب نزول الآيات والسور القرآنية.
إنّ القرآن الكريم قد نزل بشكل تدريجي، وطبقاً للمقتضَيات والظروف والحاجات، كان من الضرورة بمكان التعرّض لتأريخ نزول الآيات القرآنية، ولذا فإنَّ المنهج التاريخي هو أفضل منهج يمكن اعتماده في سبيل تقديم التفسير الصحيح والواضح للقرآن الكريم.
لقد اهتمّ المستشرقون ـ  منذ أواسط القرن الثالث عشر ـ أمثال: فايل، نولدكه، بلاشير، رودول، موير، هرشفلد، ريتشارد بل وجريم بالأبحاث والدّراسات المتعلّقة بتأريخ نزول القرآن، ومن ثمّ قاموا بنقدها وتحليلها وسوف تَظهر الجوانب المختلفة والمتعدّدة لهذا الموضوع لذوي الشأن والاهتمام القرآني.
تحقيق غوستاف فايل(2):
يعدّ نظام غوستاف فايل ذي المراحل الأربعة في تأريخ نزول الآيات والسور القرآنية والذي ذكره في كتابه «المقدّمة التاريخية النقدية للقرآن الكريم» من أكثر النُّظم المتلقّاه بالقبول في هذا المجال، ومن ثمَّ أصبح مورداً للاهتمام والمتابعة من علماء آخرين أمثال (نولدكه)، (بلاشير) و(رودول).
قدّم غوستاف تاريخ السور وفق معايير ثلاثة:
1ـ الاستناد إلى الوقائع التاريخية المعلومة من مصادر تاريخية متعدّدة أي إنّه قد أُشير إلى بعض الوقائع التاريخية في القرآن إلا أنّ شرحها وتفسيرها لابدّ من أن يبحث في المصادر التاريخية.
2 ـ مضامين الوحي أو محتوي الآيات التي تُشير إلى الوظائف المتعدّدة للنبي9.
3 ـ سبك نظام الوحي وسياقه بلحاظ أسلوب اللحن والنغَم وكيفية نثر الكلمات وسجعها. والجدير ذكره ها هنا أنّ هذا المعيار الأخير كان مورداً للإشكال والنقد وسنُشير إلى ذلك لاحقاً. كذلك قسّم (غوستاف) السور القرآنية إلى أربعة طوائف: ثلاثة منها مكية والرابعة مدنية، ومن ثمّ رتّب السور المكية بناء على هذه المقاطع والمراحل التاريخية:
أ.منذ بداية البعثة حتّى الهجرة إلى الحبشة الموافقة لسنة 615 م.
ب. من الهجرة إلى الحبشة (615م) إلى حين رجوع النبي 9 من الطائف سنة620م.
ج. ومن التاريخ الأخير إلى هجرة النبي 9 إلى المدينة االموافق 622م.
وبناءً على هذه المراحل التاريخية فقد حدّد (فايل) خصائص معينة للسور النازلة في كلّ مقطع منها:
خصائص الطبقة الأولى:
– ابتداء اغلب السور بنوع من القسم.
– إنّ أغلب الآيات قصيرة ومؤثرة.
– إنّ آياتها موزونة ولها سجعها.
– إنّ لسان هذه السور مشبعٌ بالتصاوير والتمثيل الشاعري والجاذبية الشعرية(3) .
إنّ هذه الخصائص التي أشار إليها (فايل) بالنسبة للطبقة الأولى من السور المكية يعتمد على مبنى سبك الآيات وظاهرها، ومثل هذا الاستظهار ليس جامعاً ولا مانعاً بحيث يمكن على اساسه من تقسيم كلّ السور وتمييزها عن بعضها البعض؛ وبعبارة أخرى، فإنَّ الكثير من التغييرات طرأت بلحاظ الأسلوب في طول مدّة نزول الوحي، إلا أنّه لايوجد أي دليل يدلُّ على أنَّ السور ذات الأسلوب والنهج الواحد لابدّ من تعلّقها بمرحلة زمانية معينة بخصوصها، ومن ثمّ عدم امكان وجودها في غيرها من المراحل الزمنية. ومثال ذلك يمكن الإشارة إلى ملاك قصر الآيات والسور وطولها والذي يعد ملاكاً ذوقياً وشخصياً، ففي الاساس لا ملازمة إطلاقاً بين قصر الآيات أو كونها اعتقادية مع كون السورة مكية أو اختصاصها بالمرحلة الأولى من نزول الوحي المكي في جميع الموارد. بل ثمّة موارد متعدّدة للنقض  أيضاً ومن باب المثال، فإنّ بعض السور الطوال قد نزلت في مكة كسُوَر: الأنعام، الأعراف، الإسراء، الكهف، طه، مريم، الأنبياء والمؤمنون.
وفي المقابل نزلت عديد من السور القِصار في المدينة المنوّرة كسور: النصر، الزلزلة، والبينة.
لا يتقبل العقل والسيرة العقلانية والأدبية للعلماء إلزام الله عزوجل بإنزال قصار السور في أوائل الوحي، ومن ثمّ البدء بإنزال السور الطوال بالتدريج. إذ إنّ خصوصية الموضوع ومحتواه أهمُّ بكثير من نوع الكلمات والعبارات وتعدادهما طولاً وقصراً.
خصائص الطبقة الثانية:
ـ طول السور وقربها من النثر.
ـ لا زلنا نرى فيها الخيال والجاذبية الشعرية.
ـ أُشير فيها إلى الصفات الالهية كالرحمة، وذُكرت فيها أوصاف الجنّة والنار، وكيفية العقاب والعذاب، وكذلك ذُكرت فيها آيات الله في الطبيعة.
خصائص الطبقة الثالثة:
ـ طول سورها بالمقايسة مع سور الطبقة الثانية، وكونها أكثر منها قرباً إلى النثر.
ـ أنزلت بنحو الخطابة والوعظ وتفتقد للجانب العاطفي.
ـ تعرَّضت لبيان قصص الأنبياء، وبتفصيل أكبر للعقاب الأخروي.
خصائص الطبقة الرابعة:
ـ بيان سير الأحداث بعد الهجرة.
ـ الآيات والسور أطول من سابقاتها.
ـ يتبين حجم القوّة والقيادة السياسية والاجتماعية الواسعة للنبي 9 (4) .
ونقول ها هنا: إنَّ الإشكال الأوّل العام نفسه يرد هنا أيضاً، ويرجع إلى عدم صحّة الاستناد إلى أسلوب الآيات والسور وظواهرها من أجل الفصل بين السور وتعيين تأريخ نزولها، بلا حاجة إلى مزيد من التوضيح والتحليل.
وبعبارة ثانية: إنَّ مثل هذه الخصائص يمكن أن تكون ذات جنبة تغليبية وأكثرية إلا أنّها لا تمتاز بالضرورة بوصف الجامعية والمانعية.
دراسة نولدكه :
قام (تيودور نولدكه)(5) بتقسيم سور القرآن ـ طبقاً للمعايير الثلاثة التي ذكرها غوستاف فايل ـ إلى أربع طبقات ثلاثة منها مكية والرابعة مدنية، وقد عرَض نتائج دراساته في كتابه (تاريخ القرآن) المنشور سنة 1860 ميلادية، وقد قام نولدكه بتقديم أسلوب جديد في ترتيب وتأريخ السور القرآنية متجاهلاً الروايات الصحيحة والأخبار الواردة في المقام والمنقولة عن صحابة النبيّ 9 والشاهدة بنفسها على نزول الوحي الإلهيّ والواضحة الدلالة على زمان نزوله ومكانه. وقد سمع التّابعون ذلك تفصيلاً من صحابة النبيّ 9 ونقلوها كذلك إلى تابعيهم وهكذا.
والجدير ذكره هنا، أنّه لا منافاة في الاستناد إلى الروايات الصحيحة وإعمال النظر الاجتهادي والتتّبع والتحقيق الشخصي في موردها. وخاصّة في الموارد التي لا وجود فيها لروايات صريحة أو معتبرة، إذ إنّه حينئذ يمكن إبداء الرأي استناداً إلى القرائن والأمارات الموجودة والفحص والتتبّع في مفاد الآيات والتمسّك بتاريخ النبيّ9 وسيرته.
ولكن (نولدكه) ذهب إلى القول بضرورة ترتيب نزول الآيات والسور القرآنية خلافاً للطريقة الاسلامية المعتمدَة، وقد اختار لنفسه أسلوباً جديداً فرض تأثيره على الكثير من المستشرقين والذين تابعوه في ذلك رغم أنّهم لم يصلوا إلى نتائج مشتركة أحياناً.
وشيئاً فشيئاً شغل هذا الأسلوب في تأريخ القرآن أذهان المستشرقين عامّة ممّا ولّد كثيراً من الاشتباهات العظيمة، وعرّض ساحة الدّراسات القرآنية لمزيد من المخاطر.
ذكر (نولدكه) خصائص السور في ضمن طبقات مختلفة على أساس النحو الآتي:
خصائص السور النازلة أوائل الوحي في مكة:
1. إنَّ السور المرتبطة بالمرحلة الأولى من الوحي المكيّ تُشير في أغلبها إلى شدّة اضطراب النبي 9 وتشنّجه وقد كان هذا التشنّج والانفعال يبلغ من الشدة إلى حدّ عدم تمكن النبي 9 من اختيار كلماته بل كانت تصدر من دون قصد على لسانه(6).
ويمكن ردّ هذا الكلام من جهة أنَّ القرآن المجيد يذكر ثلاث آيات فقط تذكر النبيّ9 بعدم الاستعجال في التلفّظ بآيات القرآن والوحي وتُطمئن النبيّ9 بأنّه لن ينسى أبداً أي كلمة من الوحي: «وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»(7) «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ»(8) و«سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى»(9).
وكما يلاحظ فإنّ أياً من هذه الآيات الثلاث لا تدلُّ على أنّ النبيّ9 لم يكن يمتلك قدرة التسلّط على اختيار كلماته، وأنّها كانت تخرج من فمه بشكل لا إراديّ، بل إنّ مفاد هذه الآيات يدلٌ على أنّ النبيّ9 كان يكرّر بسرعة ما يلقى إليه لئلّا ينساه فقط، ولذا فإنّ ما أفاده (نولدكه) وادّعاه من أنّ اضطراب النبي9 وانفعاله في أوائل الوحي كان كبيراً لدرجة عدم القدرة على اختيار الكلمات أمرٌ في غاية الضعف ولايمكن القبول به.
2. إنّ سور تلك المرحلة من الوحي تشبه الاقوال الغييبة للكهنة، ولم تكن بالسور الطوال ابداً بل كانت تحوي الجمل القصيرة التي طرأ عليها أسلوب السجع(10).
لقد شبّه (نولدكه) كلام القرآن في سور المرحلة الأولى المكية من حيث التسجيع والقصر والمقترن بالقسم بكهانة الملحدين المدّعين للغيب قبل نزول القرآن، وهذه المقايسة لاصحة لها على الاطلاق، بل لايمكن اغفال الاختلاف الموجود بين القرآن والكهانة، إذ إنّ الكهانة فيها التكلّف والكذب والأباطيل والأراجيف والكلام اللامأنوس على حين لا يوجد أي نقص أو عيب وأمثال هذه الأُمور في القرآن الكريم.
3. إنّ أغلب تلك السور قد ابتُدئت بالقسم وهو أمرٌ كان متعمّداً من الكهنة في كلماتهم، ولقد كان أسلوب القسم في بعضها قوياً وشديداً لدرجة لايمكن الاحاطة به ومعرفته، بل لعل البناء كان على عدم معرفته، إذ نجد في هذه السور كثيراً من الأُمور والمضامين العجيبة والغريبة.
4. وجود صفات واضحة ومؤكدة عن يوم القيامة في هذه السور، فقد ذكرت نعم الجنة وعذاب النّار وعقابها بشكل جذّاب ومؤثّر وجدانياً، نعم ليست كافّة سور هذه المرحلة بنفس النمط من الحدّة والشدّة بل إنّ السور النازلة في أواخر هذه المرحلة اتّخذت شكلاً أكثر هدوءاً(11).
وبعد أن يبينَ (نولدكه) الخصائص الاربعة للطبقة الأولى من السور المكية يذعن بصعوبة إلى تعيين تأريخ دقيق لنزول السور المكية، فيقول: مع كلّ هذا يجب الإذعان بأنّ تعيين تأريخ دقيق لنزول السور الصعب جدّاً فمثلاً لا يوجد أيّ طريق يبعث على الاطمئنان بأنّ أوائل سورة العلق هي أقدم أقسام الوحي القرآني، إذ إنّ الرواية التي تذكر بأنّ سورة العلق هي أول سورة تنسب إلى عائشة زوجة النبيّ9 مع أنّها لم تكن قد ولدت بعد عند نزول الوحي، ومضافاً إلى ذلك فإنّ عائشة لا تتمتّع بأيّ وجه بمقدار كاف من الوثاقة والاعتبار، والدليل الآخر على ذلك وجود بعض السور الأُخرى التي يعدّها البعض من أوائل السور القرآنية المنزلة(12).
وما يسجّل على كلامه هذا:
أولاً: إنّ هذه الرواية نقلت في كتب أهل السنّة أيضاً بطريق لا ينتهي إلى عائشة، فقد نقل الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح إلى أبي رجاء العطارديّ قوله: «كان أبو موسى الاشعري يقرئنا فيُجلسنا، حلقاً، عليه ثوبان أبيضان فإذا تلا هذه السورة )اقرأ بسم ربّك… ( قال هذه أول سورة أُنزلت على محمد رسول الله 9 وأخرج هذا المعنى (إبن أشته) في كتاب المصاحف عن (عبيد بن عمير)»(13).
ثانياً: صرَّحت المصادر الشيعية أيضاً بوجود روايات متعدّدة تُشير إلى أن سورة العلق هي أول سورة أُنزلت على النبيّ9 (14).
خصائص السور في أواسط المرحلة المكية :
أولاً: «قلَّ أسلوب التخيل بشكل محسوس(15)».
ونقول هاهنا في الجواب على ذلك: إنّ هذا الافتراض المُسبَق حول قلّة استعمال الاسلوب التمثيلي والتخيلي تدريجاً في السور القرآنية قابلٌ للنقد، إذ ما هو الدليل على نفي تتالي التدرّج صعوداً وهبوطاً وكذا العكس في الاستعارة والتمثيل في القرآن، والحكم نتيجة ذلك أنّها اتّجهت فقط هبوطاً. بل أين هو مقام الاستعارة والتمثيل؟ إنّ المراد من أسلوب التخيل هو الاستفادة من أنواع المجاز. وقد اعتبر ابن رشيق بأنّ الاستعارة من محاسن الكلام بشرط استعمالها في محلّها وموضعها المناسب(16).
نعم ليس كلُّ استعمال للاستعارة يوجب تحسين الكلام، ولذا قسّم (عبدالقاهر الجرجانيّ) الاستعارة إلى القسمين: استعارة مفيدة وغير مفيدة، ويقول: إنّ الاستعارة غير المفيدة يراد منها فقط مجرّد التنوّع في التعبير والتفنّن في أداء الكلام وهذا ما يقلّل من قيمة الكلام، وذلك خلافاً للاستعارة المفيدة التي يترتّب عليها غرضٌ في التعبير كالموارد المشتملة على أنواع التشبيه(17).
مثلاً قوله تعالى: )ثُمَّ استَوى إلى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَها وَلِلأَرضِ ائتِيا طَوعَاً أو كرهَاً قَالَتا أَتَينَا طَائِعِينَ( (18). حيث استعمل فيها التشبيه المطويّ والباعث على تحسين الكلام وجماله، لأنّه شبَّه الأرض والسماء بمن له عقل ودراية وكلام، ولهذه المناسبة نَسب الكلام إليهما(19).
ومع الالتفات إلى ما ذكرناه فإنَّه لا دليل على أنّ الاستعارة والتمثيل في القرآن كانت في مرتبة أعلى ثم تدنّت إلى الأسفل وبشكل تدريجي. بل إنّ القرآن الكريم نزل على أساس مقتضى الحال. وبعبارة أخرى يمكن القول بأنّ الاستفادة من أمثال هذه الامور شائعٌ ومتداول في كلّ الألسنة والتي من جملتها الّلسان العربيّ الذي نزل القرآن بلغته.
ثانياً: «إنّ هذه السور ورغم استمرار حالة الحماس والاندفاع فيها إلا أنّها ومن حيث المجموع تعمل وبشكل ملحوظ على تخفيف حالة الاضطراب عند النبيّ9»(20).
لقد اعتبر (نولدكه) أنّ تخفيف حدّة الاضطراب وعدم الاستقرار عند النبيّ9 هو من خصائص السور وعلاماتها في أواسط المرحلة المكية مع أنّه لم يذكر أيّ دليل أو شاهد على أصل هذه الحالة، ونسبتها إلى النبيّ9، مضافاً إلى عدم وجود أي دليل عقليّ أو نقليّ لإثبات هذا المدّعى، نعم عندما كان النبيّ9 يتّصل بعالم الغيب كانت تصيبه حالة يطلق عليها في الاصطلاح «برحاء الوحي».
إلا أنّه لا بدّ من القول بأنّ مثل هذه الحالة ليست دليلاً على الاضطراب والشك والخوف والقلق، بل كانت ناشئةً عن إدراك وإحساس عظمة مقام الحقّ تعالي وكبريائه مرتبطاً بزمان الاتّصال المباشر بعالم الغيب وكما كان يقع في مكة فقد كان يقع مثله في المدينة أيضاً.
ثالثاً: «تمَّ اختيار مكان القسم في أوائل السور والآيات(21)».
اعتبر (نولدكه) أنّ استعمال القسم في بداية الآية الأولى في العديد من السور دليلٌ على كون هذه السور مرتبطةً بالمرحلة الوسطى للوحي المكيّ. وهذه السور هي: الذاريات، الطور، النجم، القلم، القيامة، المرسلات، النازعات، البروج، الطارق، الفجر، البلد، الشمس، الليل، الضحى، التين، العاديات والعصر.
إنّ هذه السور المصدّرة بالقسم قد اعتبرها (نولدكه) نفسه جزءاً من السور النازلة في المرحلة الأولى من الوحي المكيّ، والغريب أنّ تعداد مثل هذه السور أكثر من السور التي اعتبرها من المرحلة الوسطى للوحي المكيّ والمصدّرة بالقسم ولذا كيف يمكـن تعيين مرحلـة نزول السور بالاستناد إلى مثـل العلامـة كابتدائها بالقسم؟
رابعاً: «إنَّ هذه الطائفة من السور والتي يصل مجموعها إلى إحدى وعشرين سورة تنبعث منها جاذبّية الوحي وجمال آياته، إنَّ إحدى سور القرآن والتي تسمّي بسورة الفاتحة ترتبط ببداية هذه المرحلة(22)».
هذه إحدى الاشتباهات الرئيسية التي وقع فيها (نولدكه) إذ عدَّ نزول سورة الفاتحة مرتبطاً بالمرحلة الوسطى للوحي المكيّ وخصّص لها في مقام الترتيب والتعداد الرقم (48)، مع أنّنا نعلم بأنّ سورة الفاتحة جزءٌ لا ينفك عن الصلاة ومن شرائط صحّتها كما ورد في كثير من الروايات من أنّه «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»(23). ومن المسلّم به أن الصلاة من أوائل الأحكام الشرعية التي صرّح بوجوبها في صدر الإسلام وكان النبيّ 9 مأموراً بإقامتها مع أصحابه، ولذا لا إمكان لكون سورة الفاتحة في المرتبة الثامنة والأربعين من السور النازلة كما أرّخ «نولدكه».
وبناءً على ذلك وكما هو الموجود في جدول ترتيب النزول المنسوب لعلماء الاسلام فإنّ سورة الفاتحة هي السورة الخامسة المنزلة في أوائل الوحي المكيّ أي في بداية البعثة النبوية(24).
خصائص السور في المرحلة النهائية للوحي المكي :
إنّ سور هذه المرحلة جاءت وبشكل كامل تقريباً بشكل نثريّ واحتوى بعضها على التسجيع، وشيئاً فشيئاً بدأت تأخذ لنفسها قالباً وشكلاً معيناً عادة ما يختم بـ«ون» و«ين»، وقد قلَّ فيها أسلوب التمثيل والخيال، واتّخذت آيات الوحي أسلوب الخطابة، وقد تكرّر فيها ذكر قصص الأنبياء والأفكار والعقائد الماضية. وبعض هذه السور كبيرٌ بشكل لافت، وكذلك فإنَّ بعض الآيات في هذه السور أكبر بالمقايسة إلى آيات السور في المرحلة السابقة، وأحياناً تبرز فيها أطياف من القوّة الشعرية.
إنَّ هذه الطائفة من السور والتي يصل عددها إلى إحدى وعشرين سورةً أيضاً، يمكن اعتبارها مظهراً لغضب النبي9 وتألَّمه في مقابل ردّة فعل بعض أفراد قبيلته في مكة على رسالته(25).
إنَّ هذه الخصائص التي اعتمدها (نولدكه) للسور في المرحلة النهائية للوحي المكيّ تستند في أغلبها إلى الأسلوب الظاهريّ للآيات، كالتسجيع والخيال و…إلخ. وقد تعرّضنا فيما سبق لنقدها وتحليلها.
خصائص السور في مرحلة الوحي المدني:
إنّ أسلوب السور المدنية يشبه إلى حد بعيد السور في المرحلة النهائية للوحي المكيّ.
وفي أغلب نثرها يشاهد مظاهر الفصاحة وجمالها بكثرة، وتحتوي على بعض الصور الباهرة والجذّابة وخاصّة في تلك الآيات التي تخاطب المجاهدين المؤمنين، إنّ هذه السور التي يصل تعدادها إلى أربعة وعشرين سورة ـ  بترتيبها التاريخيّ واحدة تلو الأُخرى ـ  تبين تعاظم القدرة السياسية للنبيّ9  وتشكيل النطاق الاجتماعيّ للأمّة الإسلامية.
وعلى أيّة حال فقد أصبح النبي 9 في مجتمع المدينة قائداً على المستوى الدينيّ والاجتماعيّ.
وفي هذه المرحلة نزلت الآيات القرآنية التي ترتبط بتشريع الاحكام الجزائية وتنظيم الأمور الداخلية أو الأحوال الشخصية كقوانين الزواج والطلاق والإرث وكذلك الآداب والشؤون المختلفة في الأُمور الشخصية والإرشادات اللازمة عند الإبتلاء والمحن الطارئة وأيضاً الآيات التي تدعو إلى الجهاد في سبيل الله.
وأشير في هذه السور أيضاً في أكثر من ثلاثين مورد منها إلى الذين لهم كتب سماوية من قَبل بعنوان (أهل الكتاب) ليتميزوا عن الذين ليس لهم كتاب سماويّ والمعبّر عنهم بـ(أُمّيون).
وتُشير طائفة مهمّة من الآيات المدنية إلى قطع النبي 9 لعلاقته مع قبائل اليهود، ومن ثمَّ قدّمت شخصية النبي إبراهيم بعنوان أنّه باني الكعبة وأول أسوة للمسلمين الحنفاء، وذلك إشارة إلى الدّين الخالص لله الذي سيستمرّ ويقوي على يد النبي محمّد9(26).
دراسة رودول :
قام (رودول Rodwell)(27) في سنة 1876 ميلادية بترجمة القرآن في لندن وطبعه ونشره، وزعم أنَّ كلّ السور القرآنية فيه مرتبةٌ على أساس الترتيب الزمانيّ لنزولها، وقد سار في دراسته تلك على أسلوب (نولدكه) وطريقته، إلّا أنّه أبدى بعضاً من آرائه واجتهاداته الشخصية بالنسبة لترتيب السور المرتبطة بالطبقة الأولى من مرحلة الوحي المكيّ.
ويبدأ (رودول) كلامه بالقول بأنّ الآيات النازلة في مرحلة بداية الوحي لـمّا كانت قصيرةً فلابدّ من وضعها في المكان المناسب لها في مختلف السور، ويمثل لذلك بقوله في مورد سورة (الملك): «إنّ الآيات الثامنة إلى الحادية عشرة نزلت متأخّرة عن سائر الآيات إلا أنّها أُدرجت في مكانها فيما بعد، حيث إنَّ كلّ واحدة من هذه الآيات أطول من باقي آيات السور نفسها»(28).
وهنا نقول وبلا تردّد إنّ مجرّد النظر إلى المصحف العربيّ نفسه  ـ وبلا حاجة إلى ترجمة وتنظيم (رودول) ـ يجعلنا ندرك أنّ الآيات (8-11) من سورة الملك تحتوي بالترتيب على هذا العدد من الكلمات (13، 9، 12، 5) مع أنّ سائر الآيات في السورة نفسها تحتوي على كلمات يتراوح بين 8 إلى 18 كلمة. والأهمّ من ذلك أنّ هذه الآيات(8-18) التي ادّعي (رودول) إدراجها فيما بعد في هذه السورة لها ارتباطٌ كاملٌ بلحاظ السياق والموضوع مع الآيات السابقة واللاحقة، ولإثبات هذه الحقيقة يمكن ملاحظة الآية السادسة إلى الآية الثالثة عشر من السورة نفسها بالتدقيق حيث يقول تعالى: )وَلِلَّذينَ كفَرُوا بِرَبّهم عَذَابُ جَهَنَّمَ وبِئسَ المَصيرُ * … إنَّ الَّذينَ يخشَونَ رَبَّهم بِالغَيبِ لَـهُم مَغفِرَةٌ وأَجرٌ كبيرٌ * وأَسِرّوا قَولَكم أو اجهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ( فإنّ هذه الطائفة من الآيات ترتبط ارتباطاً منطقياً ومعنوياً واضحاً بالآيات الأولى من السورة، إذ إنّه تعالى يذكر من الآية الأولى إلى الخامسة كلاماً عن العظمة والقدرة الالهية وأدلّة ذلك في عالم الخلق، ويذكر في الآيات مورد البعث أولئك الذين أنكروا هذه الأدلّة واختاروا طريق الكفر والشرك وأنّ الله سيعذّبهم كما عذّب الشياطين.
ومن ثمّ يبين سبب استحقاقهم للعذاب فيقول إنّه من جهة: جعل لكم السمع والعقل، ومن جهة أُخرى أرسل لكم الأنبياء بالدلائل الواضحة لتأمين سعادتكم ولكنّ الإنسان عندما تكون له أذن لايسمع بها، وعين لا يبصر بها، وعقل لايفكر به، فحتّى لو أرسل إليه جميع أنبياء الله والكتب السماوية فلن تؤثّر فيه.
كما ادّعى (رودول) أيضاً بأنّ الآيات (24-60) من سورة الذاريات لم توضع في مكانها الأصلي بل نقلت  من مكانها إلى موضعها الحالي أثناء جمع القرآن وتدوينه في أيام عثمان وذلك كي يكون للقرآن تعديل يناسبه(29).
وعدم صحّة هذا المدّعى سهل الإثبات أيضاً، إذ إنّه وبالتأمّل في مطالب هذه السورة ومفاهيمها، وتحليل محتوى الآيات يتبين أنّ الآيات (24-60) هي تكملة وبشكل منطقيّ وطبيعيّ للموضوع الذي تعالجه الآيات الأولى منها وحتّى الآية الثالثة والعشرين.
ولـمّا كان (رودول) قد اتّبع منهج (نولدكه) مستخدماً لمعاييره ومبانيه، فليس هناك أيُّ جديد جدير بالبحث في كلامه سوى بعض الآراء المتفرّقة هنا وهناك حول شخصية النبي محمّد9 وكذلك حول اقتباس القرآن من العهدين والخ…، ولـمّا كانت مثل هذه الموضوعات لا ارتباط لها بتأريخ القرآن، فإنّ التعرّض لها ها هنا موجب للخروج عن الموضوع.
دراسة ريجيه بلاشير(30) :
نظّمت السور في ترجمة (بلاشير) طبقاً لترتيبها التاريخيّ، ويختلف هذا الترتيب في بعض النواحي عن طريقة (نولدكه) ومنهجه، وقد تبنّي (بلاشير) ما قدّمه (نولدكه) من المراحل المكية الثلاثة للوحي، واختلف معه في بعض النواحي الآتية:
فقد جعل (بلاشير) سورتي الذاريات والقلم من السور النازلة في بداية المرحلة الثانية للوحي المكيّ، على حين عدّها (نولدكه) من سور نهاية المرحلة الأولى.
والاختلاف الثاني بينهما يرجع إلى أنّ بلاشير جعل سورة الإنسان من المرحلة الأولى للوحي المكيّ .
والاختلاف الثالث بينهما هو في سورة الإسراء فقد جعلها (بلاشير) من سور المرحلة الثالثة المكية إلا أنّ (نولدكه) ذكرها في ضمن سور المرحلة الثانية ويذكر (بلاشير) عند توجيهه وبيانه لهذا الاختلاف في ترتيب السور في المرحلة الأولى المكية ما يأتي:
«لقد رجّحت جمع السور المتشابهة في موضوعاتها في طبقات مستقلّة، ومن ثمّ رتّبت هذه الطبقات بشكل متتال بناءً على الانسجام والتشابه فيما بينها وبالالتفات إلى سير رسالة النبيّ (ص) »(31).
وهذا التقسيم الذوقيّ الذي لا أساس له، قد أوقع (بلاشير) في عدد من الإشكالات حول تقسيم بعض السور ووضعها في طبقات معينة ومن ثَمَّ كيفية إرجاعها إلى المراحل التاريخية المختلفة.
ولذا فالمنشأ الأساس لخطئه في تأريخ القرآن أنّه لم يذكر أي توجيه تاريخيّ أو علميّ في تنظيم السور وتغيير أماكنها.
خصائص السور في مرحلة الأولى للوحي المكي :
وكما هو الحال مع (نولدكه) قام (بلاشير) بوضع خصائص لطبقات السور في مراحل الوحي المكيّ والمدنيّ، وجعلها الملاك للفصل بين السور في كلّ طبقة عن الطبقات الأُخري:
أولاً: تقارن نزول الوحي المكيِّ مع الشروع في العبادات وإحياء الليل والدّعاء، وربَّما يعود هذا الأمر إلى أنّ المسلمين الأوائل شعروا بالحاجة إلى جمع السور الخمس المشتملة على العبادات والأدعية، وإحدى هذه السور سورة الحمد المعروفة بفاتحة الكتاب، إذ إنّ الإسلام فتح باب العبادات بهذه السورة.
ثانياً: تتركب آيات هذه المرحلة من ناحية السبك عموماً من ستّ إلى عشر كلمات.
ثالثاً: تنتهي الآيات بنغم غنيّ وجميل جداً، وغالباً ما تنتهي الآيتان أو الثلاثة بسجع واحد كما هو الحال في سورة المرسلات(32).
إنّ كلام (بلاشير) حول سورة الفاتحة وإنّها من السور الخمس النازلة في أوائل الوحي المكيّ، وإنّ باب العبادة شرع في الإسلام بنزول هذه السورة، يتناقض بشكل واضح مع ما ذكره في جدول النزول السور من أنّها السورة الخامسة والأربعون من حيث النزول، وأمّا الخصائص الأُخرى التي ذكرها بلحاظ السبك والشكل الظاهريّ للآيات فلا تعدّ ملاكاً دقيقاً لتعيين المقاطع الزمنية للسور القرآنية.
خصائص السور المكية في المرحلة الوسطى :
أولاً: في المرحلة الثانية للوحي المكيّ أُنزل اثنتا وعشرون سورة أولها سورة الكهف وهي طويلة بالنسبة لغيرها، وآخرها ينتهي بسورة (النجم).
ثانياً: هذه السور تفصيلية وفيها مطالب متنوّعة.
ثالثاً: يلاحظ في سورة (الرحمن) إسناد صفتي الأزلية والأبدية إلى الله تعالى.
رابعاً: ظهور البون البعيد في الأصول العقائدية للمجتمع الجديد في مكة، الذي يعتمد مرجعية التعاليم القرآنية مع الاتّجاهات المخالفة له، وبتأمّل في الآيات: 81، 82، 91، 92 من سورة (المؤمنون) ندرك بشكل كامل وجود هذا الاختلاف الفكريّ بينهما.
خامساً: من حيث المضمون، فإنّ آيات هذه المرحلة تجيب على إهانات الكافرين وإساءتهم وتبين لهم الحقائق بالدّليل والبرهان(33).
والجدير ذكره ها هنا أنّ هذه الخصائص المذكورة للسور المكية في المرحلة الوسطي مقبولة وخالية من الإشكال في رأينا.
خصائص المرحلة الثالثة للسور المكية:
أولاً: تختصّ هذه المرحلة الثالثة باثنتين وعشرين سورة أيضاً، ولا يلاحظ أيّ اختلاف رئيسيّ بين سور هذه المرحلة وسابقتها من حيث المحتوى والأسلوب. مضافاً إلى هذا أنّ بعض التعابير في هذه المرحلة يشبه محتوى الآيات النازلة بعد سنة 622ميلادية، وخاصّة تلك الآيات النازلة في السنوات الثلاث الأخيرة للإقامة في مكة.
ثانياً: امتاز لحن خطاب الآيات بالموعظة والنصح، وهذا الأسلوب وإن استعمل في المراحل السابقة، إلا أنّه قد امتاز عنها في المرحلة الثالثة بتعميم الخطاب لكلّ أفراد المجتمع ولم يعد يختصُّ بجماعة خاصّة من المخاطبين.
ثالثاً: اتَّبعت بعض السور في هذه المرحلة التقسيم الثلاثي: (المقدّمة، الموضوع والنتيجة). وفي هذا إشارة إلى انتشار الوحي بشكل تام، وقد نشأ هذا التطوّر من إحساس النبيّ9  بالحاجة لبعض الأمور في دعوته، كما أنّه اضطرّ أحياناً إلى اقتلاع الشوائب الموجودة في المجتمع(34).
وهنا نُشير إلى أنّ الخصيصة الأولى والثانية تطابقان مع الواقع بشكل نسبيّ، ويمكن الحكم بصحّتهما. وأمّا الخصيصة الثالثة فهي قابلة للمناقشة لجهة أنّ القرآن الكريم لمّا كان يعتمد في أسلوبه البيانيّ على الموعظة والخطابة، وكانت أهمَّ أهدافه المستمرّة هدايةُ العباد. فليس من الضروري أن نتوقّع وجود (مقدّمة، موضوع ونتيجة) بشكل مستقل في كلّ واحدة من السور، ومن ثّمَّ فإنّ هذا الاستنتاج غيرصحيح، وكذلك الحال في التحليل الذي قدّمه (بلاشير) حول الملازمة بين وجود مثل هذا التقسيم والانتشار الكامل للوحي فإنّه تحليل ذوقيّ يستند إلى رأيه الشخصيّ فقط.
نزول الوحي في المدينة:
تشكل الآيات المنزلة على النبيّ 9 طيلة عشر سنوات في المدينة ما مجموعه(24) سورة طويلة وقصيرة، وقد تكرّر في هذه السور الأمر بلزوم إطاعة الله ورسوله، وتمتاز أيضاً بطول الآيات والتشابه في أواخر كلماتها من حيث الإيقاع ممّا يلفت الناظر إليها.
ويلحظ في هذه المرحلة أيضاً بعض الآيات الكبيرة وبحدود 12 سطراً من أجل تبيين بعض الأحكام الفقهية.
وبشكل عام فإنّ الآيات المدنية تُشير ـ سواء بلحاظ السبك أو الأسلوب وكذلك من حيث الموضوعات التي تطرحها ـ إلى الارتباط الدّائم والتناسق الكامل للقرآن مع الاحتياجات الواقعية للناس في ذلك الوقت والتي لم يكن لها وجود في السابق(35).
إنّ أكثر الخصائص التي ذكرها (بلاشير) هنا صحيحة، إلا أنّ النقاش معه يقع في خصوص مدّعاه الأخير بأنَّ كلَّ آيات القرآن وسوره تتلاءم مع الاحتياجات الواقعية للناس، ولا اختصاص لذلك بالسور المدنية فقط، بل لاحظ ذلك أيضاً في الوحي المكيّ. ولذا كان من اللازم على هذا المستشرق الباحث في القرآن ولإثبات صدق دعواه أن يشير إلى الأقوال ولو إلى مثال واحد من الآيات والاحكام المنزلة في مكة يثبت فيه ويوضّح السبب في عدم ملاءمتها مع المخاطبين بها في مكة.
خلاصة واستنتاج:
1 ـ إنّ المراد من (التأريخ) هو تعيين نزول الآيات والسور القرآنية. وتظهر ضرورة ذلك من خلال ملاحظة أنّ القرآن نزل تدريجاً وتبعاً للمقتضيات والظروف المحيطة.
2 ـ لقد سعى العلماء المسلمون إلى البحث والتمحيص عن كل ما تضمّنته الروايات ليتمكنوا من خلال ذلك من ترتيب السور القرآنية طبقاً للتحولات الاجتماعية في عصر رسالة النبي الأكرم9 وقد راعوا في ذلك أدقّ التفاصيل. بينما اعتقد المستشرقون بأنّ من غير الممكن الاعتماد على الروايات، ومن ثمَّ شكّكوا في إمكانية الاعتماد على السيرة النبوية والروايات المعتبرة الناقلة للأحداث الخاصة والعامة في عصر النبي 9 لترتيب الآيات والسور القرآنية.
3 ـ إنّ المستشرقين ورغم اهتمامهم في بعض الموارد بالروايات والسنّة النبوية، ألا أنّهم لم يستفيدوا منها بشكل صحيح، وكذلك فإنّهم في موارد كثيرة أيضاً تعاملوا مع الاحتمالات والفرضيات الذهنية والعقلية في مجال تأريخ الآيات كحقائق قطعية ومسلّمة، ولذا نجد مضافاً إلى تنافي ما توصّلوا إليه مع المرويات الإسلامية ومع ما توصّل العلماء المسلمون، أنّ هناك تنافياً وتناقضاً بين دراسات المستشرقين أنفسهم، وهذا يعكس عقم ما اعتمدوه وبطلانه في سبيل تحديد ترتيب نزول السور.
4 ـ إنّ من أهمّ الأخطاء التي وقع فيها (فايل) تتمثّل في اعتقاده بأنّ سور الطبقات اللاحقة كانت أطول من سابقاتها، مع أنّ ملاك قصر الآيات والسور وطولها يخضع لأمر شخصي، وبالتالي لايمكن الاعتماد عليه لأجل الفصل بين مراحل الوحي المكي والمدنيّ. ولذا لاحظنا وجود موارد كثيرة تشكل نقضاً لمبانيه ونتائجه التي توصّل إليها، ولذا أمكننا وصف سعيه هذا بأنّه أقرب إلى الذوق والتحليل الشخصيّ منه إلى البحث العلميّ.
5 ـ وأمّا (تيودور نولدكه) فقد أعلن أنّه ـ نظراً لعدم وجود قرائن وشواهد واضحة على مختلف الأحداث والوقائع ـ فلا بدّ لنا من أن نبحث عن طريق الرجوع إلى القرآن نفسه لمعرفة مراحل تطوّر شخصية النبي محمّد 9. ومن ثمَّ ترتيب الآيات والسور على أساس ما نتوصّل إليه. ولكنّه غفل عن أنّ الإله الحكيم قد جعل شكل الآيات والسور ومضمونها تابعاً لحاجات عباده، ولا يرجع الأمر في ذلك إلى الحالات الروحية والنفسية المرتبطة بشخص النبي محمّد 9.
6ـ إنّ أهمّ إشكال يرد على ما توصّل إليه (رودول) هو اتّهامه النبي الأكرم9 بالتبديل والخلط في الوحي إذ يقول: «لقد تعمّد النبي خلط الوحي المتقدّم للقرآن مع الوحي المتأخّر والجديد منه وذلك بغرض التخفيف من حدّة بعض العبارات المنزلة قديماً، ومن ثمَّ إيجاد التعادل بينها»، إلا أنّه لم يذكر أي شاهد أو دليل على هذه الدعوي، ومن ثمَّ اكتفي بهذا الأصل الخيالي القائل بأنّ الآيات النازلة في أوائل الوحي لمّا كانت قصيرة لابدّ من إدراجها في مكانها المناسب في مختلف السور القرآنية.
7 ـ بشيء من التأمّل في دراسة (بلاشير) يمكننا ملاحظة التضادّ بين ما توصّل إليه وبين المسلّمات القطعية الكثيرة، ومثال ذلك يمكننا مشاهدة أنّ كثيراً من السور القرآنية تتلاءم مع المراحل الثلاثة وتنسجم من طبقاته المكية بلحاظ اللحن وأسلوب الكلام فلا يمكن الفصل بينها.
وكذلك من حيث الموضوع والمحتوى فإنّا نري أنّه قد جعل السور التي تتعرض للقيامة والظواهر الكونية في المرحلة الأولى من الوحي، مع أنّنا نلحظ وجود موضوعات متعدّدة أخرى، تعرضت لها الآيات المنزلة في هذه المرحلة، وبشكل متكرر لايقل عما تعرضت لها الآيات المرتبطة بالقيامة والظواهر الكونية، ولكنه لم يأت على ذكرها أبداً. إذا المعيار المعتمد لديه غير جامع ولا مانع.
* هوامش البحث  *
(1) علي الصغير، محمد حسين، المستشرقون والدراسات القرآنية، ص:27-34، الطبعة الثانية، قم، دفتر تبليغات إسلامي، 1413هـ.ق.
(2) ولد «فايل» في الرابع والعشرين من شهر نيسان سنة 1808م في زولتسبورغ ـ  مدينة صغيرة في جنوب المانيا ـ وفي سنّ الثالثة عشر دخل المدرسة التلمودية في مدينة متس، والتحق في السابعة عشر بجامعة هايدلبرغ لإكمال دراسة الدينية، إلا أنّه لم يلبث أن تنحّى عن دراسة الإلهيات ليدرس التاريخ والألسنيات، في سنة 1816م نال مقام الأستاذية في اللغات الشرقية. توفّي في الثلاثين من آب سنة 1886م مدينة فرايسبورغ. (عبدالرحمن، بدوي، دائرة المعارف المستشرقين، ترجمة صالح الطباطبائي، ص: 672-675).
(3)  W. Montgomery  watt, ALKURAN. The encyclopedia of Islam,v5, p416.
(4)  المصدر نفسه: ص418.
(5) ولد سنة 1836م في مدينة هامبورغ الامانية، وقد تمكن بسبب جهوده البنّاءة ومواهبه الفكرية واطلاعه الواسع على الأدب اليوناني، ومعرفته الكاملة باللغات الثلاث السامية (العربية، السريانية، والعبرانية) أن يتبوأ مقاماً عالياً وشهرةً عظيمة ليس فقط بين المستشرقين الألمان بل بين المستشرقين في العالم أجمع. أمضي تحصيلاته الابتدائية في مدينة لينجن وتحصيلاته الجامعية في مدينتي غوتنبرغ وبرلين، ونال شهادة الدكتوراه في سنة 1856م عن رسالة بعنوان تأريخ القرآن وهي من أشهر آثاره. (فرهنك كامل مستشرقان، ترجمة شكرالله خاكرند، ص 419، وآراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، ص: 185).
(6) NOLDEKE: The origins of the Koran, edited by Ibn Warraq, p.51,1998.
(7) طه، الآية 114.
(8) القيامة، الآية 16.
(9) الأعلى، الآية 6.
(10) NOLDEKE  المصدر في الحاشية رقم 6.
(11) المصدر نفسه.
(12) المصدر نفسه.
(13) السيوطيّ، جلال الدين، الاتقان في علوم القرآن، ج1 الطبعة السابعة، بيروت، دار الكتب العلمية (بلا تاريخ).
(14) الكلينيّ، محمد بن يعقوب، ج2، ص 628-629، الحديث 2.
(15)  NOLDEKE  المصدر في الحاشية رقم 6.
(16) الزمخشري، الكشاف، ج2، ص 398 (بلا مكان، بلا تاريخ)
(17) الجرجاني، عبدالقاهر، اسرار البلاغة، ص33، بيروت، دارالمعرفة، 1398 هـ.ق.
(18) فصلت، الآية 11.
(19) الزمخشري، الكشاف، ج 4، ص 189.
(20) NOLDEKE  المصدر في الحاشية رقم 6.
(21) المصدر نفسه.
(22) المصدر نفسه.
(23) الحرّ العاملي، .وسائل الشيعة، ج4، كتاب الصلاة، الباب الاول من أبواب القراءة في الصلاة، ح6، طهران، الطبعة الإسلامية 1367هـ.ق.
(24) معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، ج1، ص 135 و170، الطبعة الثانية، دفتر انتشارات إسلامي، 1415هـ.ق.
(25) NOLDEKE  (P53).
(26) المصدر نفسه.
(27) رودول، قسٌّ وعالم انكليزي من المستشرقين ودارسي القرآن في القرن الميلادي التاسع عشر، تابع تحصيلاته العليا حتى نيله شهادة الماجستير، وقد اهتمّ بدراساته حول الإسلام والقرآن، واجتهد لسنوات عديدة في دراسة الآيات القرآنية على وجه الخصوص فحصّل كثيراً من المعلومات والمعارف القرآنية في هذا المجال وإحدى خدماته الهامة، ترجمة القرآن إلى اللغة الإنكليزية، (حسين عبداللهي، خوروش، فرهنك اسلام شناسان خارجي، ص 58و 122).
(28)  WELL, the Koran, pp.33-65, London, 1909.
(29)  WELL. المصدر نفسه.
(30) ولد بلاشير في الثلاثين من كانون الثاني سنة 1900م في ناحية مونروج (باريس)، وفي سنة 1915م ذهب برفقة والديه إلى المغرب، وأمضى دراسته الابتدائية في المدرسة الفرنسية في الدار البيضاء، وفي سنة 1932م أخذ إجازة الليسانس من جامعة الجزائر ومن بعدها رجع إلى الرباط واشتغل بالتدريس في مدرسة مولي يوسف وفي سنة 1936 نال شهادة الدكتوراه من جامعة باريس عن رسالته «أبو الطيب المتنبي، شاعر العرب في القرن الرابع» والترجمة الفرنسية لكتاب طبقات الأمم. توفي سنة 1973 عن عمر ناهز الثلاثة والسبعين. عبدالرحمن بدوي، دائرة المعارف المستشرقين، ترجمة شكرالله خاكرند، ص 419.
(31) ريتشارد بل، درآمدي برتاريخ قرآن، ترجمة بهاءالدين خرمشاهى، ص 173، الطبعة الأولى، قم، مركز ترجمة القرآن المجيد للغات المختلفة، 1382 هـ.ش.
(32) Blachere, Le Coran, Vol. 6, p2.
(33) بلاشير، رزي، درآمدى بر قرآن، ترجمة أسدالله مبشري ص 67، الطبعة الأولى، طهران، نشر ارغنون 1372ه.ش.
(34) نفس المصدر، ص 68-70.
(35) نفس المصدر، ص 72.

*   المصادر والمراجع  *
1.بلاشير، رزي، درآمدي بر قرآن، ترجمه اسدالله مبشري، الطبعة الأولى، طهران، نشر ارغنون، 1372 هـ.ش.
2. الحر العاملي، حسين، وسائل الشيعة، طهران، الطبعة الإسلامية، 1367هـ.ق.
3. ريتشارد بل، درآمدي بر تأريخ قرآن، ترجمه بهاء الدين خرمشاهي، الطبعة الأولى، قم، مركز ترجمة القرآن المجيد بللغات المختلفة، 1382 هـ.ش.
4. الزمخشري، محمود، الكشاف، بلاتاريخ.
5. السيوطي، جلال الدين، الاتقان في علوم القرآن، الطبعة السابعة، بيروت، دارالكتب العلمية، بلاتاريخ.
6. عبداللهي، حسين، خوروش، فرهنك اسلام شناسان خارجي، الطبعة الأولى، طهران، موسسة مطبوعاتي مطهر، 1362 هـ.ش.
7. علي الصغير، محمدحسين، المستشرقون والدراسات القرآنية، الطبعة الثانية، قم، دفتر تبليغات اسلامي، 1413 هـ.ق.
8. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، الطبعة الثانية، دفتر انتشارات اسلامي، 1415هـ.ق.
9. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الاسلامية، 1350هـ.ش.
10. GERHARD BOWERING, CHRONOLOGY OF THE QURAN, ENCYCLOPEDIA OF QURA, LEIDEN, 2002.
11. RICHARD BELL, INTRODUCTION TO THE QURAN, LONDON, EDINBURGH UNIVERSITY PUBLICATION, 1953
12. NOLDEKE: THE ORIGINS OF THE QURAN, EDITED BY IBN WARRAGH, 1998.
13. W. MONTGOMERY WATT. ALKURAN, THE ENCYCLOPEDIA OF ISLAM, 1986.