أزمة العقل الغربي
السمة الاختزالية للعقلانية

أولالا، خوليو، “أزمة العقل الغربي، السمة الاختزالية للعقلانية”، مجلة الاستغراب، العدد 1، السنة 1، خريف 2015 م / 1436 هـ، ص ص 110-118.

قال محرّر مجلة الاستغراب في تقديم هذا البحث الهام للفيلسوف الأمريكلاتيني: تحت عنوان أزمة العقل الغربي يتصدّى المفكر الأميركي اللاتيني خوليو أولالا لواحد من أبرز العناوين الإشكالية التي تقطعها الحركة الفكرية في الغرب. عنينا بها إشكالية المصالحة بين القيم الأخلاقية وثورة التكنولوجيا التي تجتاح بدايات القرن الحادي والعشرين وذلك من خلال الوصول إلى تكامل بين التركيز الشرقي على التأمل الروحي المتحد مع التركيز الغربي على الفهم التحليلي والعمل الفعّال. ما هي الأفكار الرئيسية التي سعى الكاتب إلى تظهيرها وما الذي دعاه إلى أن يرى إلى أزمة العقل الغربي على أنها أزمة متأتية من السمة الاختزالية للعقلانية؟..
هذه المقالة تحاول الإجابة على هذا السؤال المركّب انطلاقاً من فرضيتين تشكلان قوام المأزق الذي يعيشه عقل الغرب في أزمنة الحداثة وما بعدها، وهاتان الفرضيتان هما: العلموية والهيمنة على الآخر بقوة القهر.
—————————–
دعونا ننظر لبعض الوقت إلى النموذج الفكري الذي تروج له النزعة العقلانية التي سادت في الثقافة الغربية منذ زمن أفلاطون. بالطبع لا يمكننا أن نقلل من أهمية النتائج العظيمة التي توصلنا إليها من خلال هذا النموذج الفكري كما هو واضح من الإنجازات الاستثنائية للعلوم (وللفروع المرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً كالرياضيات والمنطق)، وكذلك الآفاق التي فتحها استخدام الطريقة العلمية. لكن هذا التقدم الاستثنائي للعلوم الغربية يحمل معه فرضيتين جذريتين في غاية الأهمية على المستوى الإبستيمولوجي:
الفرضية الأولى هي العلموية ـ أعني الاعتقاد أن العلم والتفكير العلمي قادران لوحدهما أن يحدِّدا ما علينا أن نتقبله على أنه حقيقي، وأنهما كذلك يحددان مجال ما يمكن لنا أن نعرفه. ما تعنيه هذه الفرضية هو أن كل شيء يجب أن يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا أو أي فرع آخر من فروع العلم وإلا فعلينا ألا ننظر إلى تجربتنا لذلك الشيء على أنها تجربة «موضوعية»، أما أمور مثل النزعة الروحية ـ التي ما فتئ العلم ينظر إليها بعين الشك إن لم نقل الاحتقار ـ بل وحتى الشعور بالجمال والحدس والعاطفة والأخلاقيات فقد اختزلتها النظرة العقلانية إلى مجرد متغيرات في كيمياء الدماغ الذي يتفاعل مع مجموعة من القوانين الميكرو ـ بيولوجية المرتبطة بتطوّر الإنسان.
بالإضافة إلى ذلك، لا يكتفي العلم بحصر ما يمكننا معرفته، بل يملي علينا أيضاً كيف يمكننا معرفته. بحسب هذه الإملاءات فعلى المعارف التي نحصل عليها أن تمر بعملية صارمة تسير ضمن تعاليم دقيقة تفرضها الطريقة العلمية وإلا فإنها ستعتبر ذات أهمية ثانوية، هذا إذا لم تعتبر محض هراء. لهذه الطريقة معالم ثلاثة تحكمها: الموضوعانية (أي فرضية أن الكون موجود بشكل موضوعي ـ أي خارج ـ مدراكنا وأفكارنا ـ وأنه من الممكن استكشافه ومعرفته على أساس علمي)، والوضعية (أي فرضية أن ما يمكننا قياسه ومراقبته ماديّاً هو فقط «الحقيقي» علميّاً)، والاختزالية (أي فرضية أن التفسير العلمي يجب أن يسير في تفسيره للظواهر المعقدة من خلال تفسير الظواهر الأبسط، أو بكلمات أخرى: أن فهم الكل يجب أن يكون على أساس مجموع أجزائه).
لكن الالتزام البحت بهذه المبادئ يؤدي إلى استثناء جوانب واسعة من التجارب الإنسانية أو على أقل تقدير إلى الاعتقاد بأن الاستكشاف المنهجي لهذه الجوانب لا يمكن له أن يُعبتر «معرفة» بكل معنى الكلمة وبالتالي فإننا لا نقدر أن ننسب أي فضل علمي لهذا الجانب الإنساني فتظل رغبتنا الإنسانية العميقة في الوصول إلى الحكمة والكمال بدون تحقق.
أما الفرضية الإبستيمولوجية الثانية التي تكمن خلف النزعة العلمية الغربية فهي فرضية أن الهدف من تحصيلنا للمعارف هو التحكم بالعالم الخارجي، أو الهيمنة على الطبيعة كما أصر فرانسيس بيكون ـ مبتدع الطريقة العلمية ـ على القول مراراً وتكراراً. ما تعنيه هذه النظرة هو أن الكون مجرد «مصدر» يجب استغلاله إلى أقصى حد، وبذلك يصبح مركز اهتمامنا هو إيجاد الطريق الأمثل للوصول إلى هذه الهيمنة بشكل فعال. المفارقة في هذه المسألة هي أن هاجس السيطرة على الطبيعة يؤدي بنا إلى وضع يتزايد خطره، وفي المقابل تتناقص قدرتنا على السيطرة عليه. إذ إننا نبدو عاجزين تماماً عن كبح جماح ميلنا لتلويث غلاف كوكبنا الجوي، وتسميم مصادرنا المائية من بحيرات وجداول وأنهار، وتدمير غاباتنا، وإهلاك الحياة الحيوانية الغنية التي توارثناها على هذا الكوكب. لقد فقدنا وللأسف الشديد أحد أهم نظراتنا الفطرية إلى هذا العالم: إنه موطننا الذي نعيش وننتمي إليه والمكان الذي نرتبط به جوهريّاً ونشعر بالألفة معه.

أزمة الرأسمالية الحديثة
بنتيجة هذا الموقف الاستغلالي حيال العالم، صرنا نجيد أمرين: الأول هو الحصول على المعرفة والثاني يقوم على الاستخدام العملي الجيد لهذه المعرفة. لذلك فليس من المفاجئ أن نجد أنَّ التكنولوجيا وإدارة الأعمال هما القوتان المحركتان اللتان تشكلان حضارتنا، وبينما يتقدم بنا الزمن في القرن الحادي والعشرين فإننا نرى أن آثار هذه القوى قد هيمنت على كل جانب من جوانب حياتنا اليومية تقريباً.
لا يمكننا التشكيك في نجاح الاقتصادات المبنية على التكنولوجيا ـ أو بكلمات أخرى: الرأسمالية الحديثة ـ بقدر ما لا يمكننا التشكيك في إنجازات النموذج الفكري القائم على العقلانية العلموية الكامن وراءها. وحين أَذِن سقوط جدار برلين عام 1989 بنهاية الشيوعية وانهيار إمبراطورية الإتحاد السوفييتي بدا وكأن الرأسمالية قد انتصرت وباتت النموذج الذي لا يمكن تحديه مع استواء الولايات المتحدة على كرسي الصدارة في المجالات الثقافية والسياسية والتقنية والصناعية والعسكرية.
لكن السمة الجوهرية للرأسمالية الحديثة هي الالتزام العميق بالنمو لمجرد النمو والتراكم الذي لا حد له للثروة والسلطة من دون الكثير من الالتفات للقيم. وكما لاحظ الكثير من المعلقين فإن ما نشهده اليوم هو تعاظم الهوة بين الأثرياء والفقراء يوميّاً بحيث أصبحت تنذر بالوصول إلى نقطة عدم الاستقرار (يمتلك في يومنا هذا حوالي ثلاثة في المائة من البشر نحو خمسين في المائة من الثروة البشرية) كما أن هاجس المؤسسات التجاري الوحيد اليوم ينحصر في غاية واحدة: كيفية دفع معدل النمو والربح إلى مستويات أعلى وأعلى. هذه السمة هي العكس التام للطبيعة التي تبدو وكأنها محكومة بقانون من التوازن الديناميكي الذي يفرض على عملية التطور أو التغيير أوقات حركتها وبطئها بل وحتى توقفها فلا تبدو الرأسمالية في يومنا هذا وكأنها تعترف بوجود نقطة تقول عندها: «هذا يكفي!».

أزمة الانفصال
التأثير الباهر للثورة الكوبرنيكية [2] على مجالي العلم والفلسفة، إلا أن الأمر بعد ذلك سينتهي بنا الى الحد الذي نجد فيه أنفسنا نقطن في كونٍ بارد لا هدف له ولا غاية، كونٍ ليس الوجود الإنساني فيه إلا ظاهرة عارضة للمادة نتجت عن صدفة كونية. هذا التصور هو من دون شك بعيد للغاية عن تصوراتنا السابقة لهذه الثورة عن كون منتظم قائم على تقدير إلهي. تصورنا الحالي لأنفسنا اليوم، هو أننا مجبرون على سكنى كون لا مركز له نحن فيه المخلوقات الوحيدة التي تتمتع بالذكاء، وبالشعور بوجود الغاية، ولكن في كون آلي صامت مجرد عن العقل والغاية.
في الكثير من الأزمنة السابقة كان البشر يتمتعون بشعور من الارتباط القوي مع العالم، كما يظهر ذلك جليّاً برغبتهم في الاستماع إلى الوسائل المتعددة التي تخاطبهم بها الطبيعة، حتى في القرون الوسطى التي ساد فيها الفكر المسيحي في الغرب كانت نظرتنا إلى العالم الطبيعي هي أنه تعبير عن مجد الإله ومحبته، ولكن اليوم وفي العالم المابعدكوبرنيكي نجد أنفسنا نعاني من وحدة كونية عميقة جدّاً حيث لم نعد نرى أن الطبيعة لديها أي شيء تقوله لنا إلا الصمت أمام عمليات السبر التحليلي التي لا تفتأ عقولنا «العلمية» تقوم بها، وبينما نسير على غير هدى في العالم المحكوم بأبعاد الزمان والمكان خاوين من أي بعد روحي في حياتنا نجد صعوبة متزايدة في فهم أنفسنا أو سبب وجودنا، لقد فقد الكون سحره وبريقه!
إن هذا الشعور العميق بالوحدة والانفصال غدا غير قابل للاستئصال على ما يبدو إذ راح يتسلل إلى أعمق نقطة في كياننا، حتى لقد صار من الممكن رؤيته في جميع مستويات حياتنا اليومية العملية كما هو الحال مثلاً مع وباء الكآبة الذي تفشى في الكثير من أرجاء الحضارة الغربية. يمكننا أيضاً أن نميز أعراض هذا الشعور بالوحدة من خلال فقداننا للحس الاجتماعي، بل وحتى بأي عمق في علاقاتنا مع بعضنا البعض. في الولايات المتحدة الأميركية مثلاً، يتزايد عدد الناس الذين يختارون العيش بمفردهم من دون تكوين عائلة، أما في المؤسسات التجارية فإننا غالباً ما نفشل في البحث عن حياة أسعد وبدلاً من ذلك يصبح هاجسنا الوحيد هو «أرباح أكبر وأسرع في أمَدٍ أقصر» بغض النظر عن الكلفة التي تحملها هذه الأرباح سواء من ناحية إفقار العلاقات الإنسانية أو تضييع كرامة العمل نهائيّاً.
حتى الطب وبعض مدارس علم النفس قد أسهمت في شعورنا بافتقاد الصلة مع الكون وبالتالي الغربة فيه من خلال تجريد الإنسان من أي جانب روحي. لم نعد الآن نشعر باعتمادنا على بعضنا البعض وعلى الكون الذي كنا يوماً ما نرى فيه الأصل الخيِّر في جوهره الذي ننحدر منه. وبالنتيجة فقد تأثر كامل فهمنا لأنفسنا إذ فقدنا التوازن بين فرديتنا ومجتمعنا والطبيعة، وهي خسارة تسير يداً بيد مع الاختزالية التي قامت عليها العلوم الغربية، والتي ترفع من شأن الأجزاء على حساب الكل الذي تؤلفه هذه الأجزاء.
لقد عميت أبصارنا عن روابطنا المتعددة مع العالم وبدلاً من أن ننظر إلى الحياة كفرصة كي نخدم الآخرين فإننا نقع في مزاجية من الجحود. إذ نرى أنفسنا وكأننا الطرف الرئيسي المستحق للعطاء بينما نفشل أن نرتبط مع أي طرف آخر في علاقة تبادلية قائمة على المساواة ناهيك عن علاقة قائمة على الجود والكرم نعطي فيها من دون أن ننتظر بديلاً.
وبينما يتزايد شعورنا بالانفصال عن الطبيعة والمجتمع فإن شعورنا بالغربة عن أنفسنا يتزايد، وخصوصاً في ما يتعلق بمشاعرنا وأجسادنا.
قد تبدو هذه الظاهرة محيِّرة في عصر «العلاج النفسي»، لكن ربما من الواجب علينا أن ننظر إلى طلبنا المتزايد للعلاج النفسي بحد ذاته على أنه مقياس لمدى مرضنا العاطفي والجسدي. ما نواجه به شعورنا هذا بالغربة هو بالطبع حركة «المساعدة الذاتية» (selfـhelp) الواسعة الانتشار اليوم، إذ كما يعلم أي مهتم بشراء الكتب فإن قسم المساعدة الذاتية في معظم المكتبات هو أحد أكبر الأقسام فيها، في مكتبة بارنز آند نوبل (Barnes and Noble) في سانتا مونيكا، كاليفورنيا مثلاً يوجد على الأقل 75 رفّاً من الكتب المتعلقة بهذا الموضوع، أي حوال 225 قدماً من الكتب.
لا شك بأن هذا الطوفان من الكتب التي تحتوي على نصائح عن كيفية عيش حياتنا ليست كلها بعيدة عن الصواب، ومن الواضح أن الكثير من الناس يستفيدون بشكل حقيقي من هذا التوجه، لكن الكثير من التوجيهات في هذه الكتب تبدو وكأنها تهدف إلى تعليمنا وسائل للتحكم بأنفسنا واستغلالها بالطريقة نفسها التي كرسنا فيها أنفسنا للحصول على المعرفة اللازمة للتحكم بالطبيعة واستغلالها. لسوء الحظ فإن هذه الطريقة ليست فعالة لأنها تركز بالدرجة الأولى على هذه النفس المعزولة التي نحاول معالجتها. صحيح أننا أفراد متميزون نولد باستعدادات ونزعات محددة وخاصة، ولكننا ننسى أيضاً أن الثقافة والمجتمع والطبيعة نفسها كلها أبعاد لهذه النفس. إن إحدى العلامات المهمة لفقرنا العاطفي المتطرف هي انتشار فقداننا للشغف في حياتنا الخاصة والعملية. ذلك بأننا نروح ننظر إلى الشغف على أنه العكس التام للذكاء. ومن الشائع أن نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع أناس ينظرون إلينا كمغفَّلين أو بسطاء العقول، لو نحن ملكنا الجرأة على إظهار شغفنا بأي شيء. يمكننا فهم الشغف على أنه تصرف صوفي روحاني يتألف بأدنى أشكاله من مَيْلٍ فطري إلى التوحد مع العالم. فسواء أفقدنا أنفسنا في مهمة نستغرق بكليتنا في أدائها أم ذُبنا مع شخص آخر، فإن الشغف يبدو كتجربة من التوحد مع محيطنا.
قد تولّد خدمة الآخرين هذا الشعور بالشغف إذ ننجذب إلى أن نكون أنفسنا على حقيقتها أثناء عملية توفير الدعم والمساعدة للآخرين، فالشغف إذن هو الشعور بالارتباط في أتم معانيه.
لا يختلف اثنان على أننا نحتاج إلى لحظات من الشغف حتى نعيش حياة صحية وسعيدة، لكن كيف لنا أن نشعر بهذا الشغف إذا كانت نظرتنا إلى أنفسنا مقصورة على كوننا نعيش بدون أي روابط في عالم لا معنى له؟ في الكثير من الأحيان فإن هذا الأمر لا يترك لنا مجالاً للشعور بالشغف إلا في الحدود الضيقة للممارسة الجسدية لا غير مما يضعنا في حالة من الجفاف العاطفي والروحي والشعور بعدم الرضا والسعادة.

أزمة التعليم
لقد تأثرت نظرتنا إلى التعليم بانتشار وجهة النظر العقلانية العلمية التي تحدثنا عنها، وكما أن أساس المعرفة هو التملك والاستغلال، ومن بعد ذلك الاستهلاك، فكذلك التعليم كما نظّمناه في مدارسنا الحديثة، فإنه يتمركز على تملك المعلومات واستغلالها. ولكن حقيقة التعلم لا تتعلق بمجرد تجميع المعلومات وتطبيقها لإنتاج الأفعال الأكثر فعالية في العالم فحسب إذ إن هذه المقاربة الاختزالية للتعليم ليست إلا العدو اللدود للمثال التربوي التقليدي الذي ينظر إلى التعليم على أنه وسيلة لكي نعيش حياة أكثر حكمة وسعادة. لذلك لا ينبغي لنا أن نستغرب من نفور أولادنا التام من المدارس، إذ إّنها لا تعني لمستقبلهم شيئاً أكثر من الحصول على مجموعة من المؤهلات من دون عمق أو هدف أبعد من ذلك.
لقد تسببت هذه الأزمات التي نشأت عن العمل الظاهري التدريجي لهذه العوامل المهيمنة على الثقافة الغربية مع الافتقاد إلى التوازن الذي نشأ عنها إلى الانهيار الذي نراه في ورشات عملنا وبرامجنا التربوية، وهو الأمر الذي نعاني منه مرة تلو أخرى. قد لا تكون لتجارب «مدرب أنطولوجي» أي وضع أفضل في دراسة الحالة الإنسانية الحالية، ولكنها قد تمثل وجهة نظر تكاد تكون مفقودة من التفكير الماضي والحاضر في طبيعة المعاناة الإنسانية وأسبابها، والأهم من ذلك كله الطرق الممكنة للتخفيف منها.
نحن نسعى لمجهود مكثف لتجاوز هذه الجوانب غير المرَّحب بها من الحالة الإنسانية الحالية. وتكمن مهمتنا في تقبل المصاعب التي نواجهها في مزاج من الصدق التام والانفتاح. علينا أن نذكِّر أنفسنا أن المصاعب نفسها هي التي تحمل في طيَّاتها بذور التغيير.

انفتاح العقل الغربي
لم نكن نحن وحدنا من رأى إمكانية طريقة جديدة تخرجنا من الأزمة التي نعاني منها الآن، إذ توجد الكثير من المؤشرات إلى حدوث تغيّر في الوعي، وهي مؤشرات تدل على ما يمكننا أن نسميه: انفتاح العقل الغربي.
بناء على جهود مفكرين أمثال مارتن هيدغر وهانز جورج غادامير وويليس هارمان وأفكار كين ويلبر الاستثنائية، برز اتجاه فكري جديد يرفض بصراحة السمة الاختزالية التي تميز النزعة العقلانية، ويعارض الميل الجوهري فيها للمجانسة من خلال السعي إلى إعادة بعض الغنى والتنوع والتعددية إلى تجربة الإنسان. تمثل هذه الأفكار أول تحدٍّ جدي يواجهه التفكير العقلاني منذ موت سقراط!
في أماكن أخرى تظهر شقوق كبيرة في واجهة الحضارة الغربية، فقد بدأ عدد كبير من الناس بالتوجه والانفتاح على تقاليد روحية ذات أصول شرقية مثل البوذية والهندوسية وكذلك فقد أصبح الشرق مصدر إلهام لتوسعة فهمنا للصحة والشفاء والطب.
في العقود الثلاثة الأخيرة برزت حركتان لا سابق لهما في التاريخ. الأولى هي الحركة النسوية التي نجحت بعد الانتقادات الراديكالية التي وجهتها سيمون دي بوفوار وبيتي فريدان ومجموعة كبيرة أخرى من رواد هذه الحركة لقمع النموذج الأنثوي والذي ساد تقريباً في جميع الحضارات عبر الخمسة آلاف سنة الأخيرة. لقد أشار الفيلسوف ريتشارد تارناس في آخر عمله الموقر: «شغف العقل الغربي» (The Passion of the Western Mind) إلى أن أزمة العقل الحديث نتجت عن أكثر من ألفي سنة من التفكير الذكوري الذي بدأ مع سقراط واستمر عبر العصور حتى وصل إلى أوغسطين وتوما الأكويني وكوبرنيكوس وديكارت وكانت وداروين ونيتشه وفرويد، ومن بعدهم الحشد الهائل من علماء الفيزياء والكيمياء والأحياء في القرن العشرين. يعتقد تارناس أن هناك الكثير من الإشارات إلى بروز مجموعة من القيم وأشكال الفكر الأنثوية التوجه، من بينها التركيز الجديد على قضايا المساواة بين الجنسين في الكليات والجامعات بالإضافة إلى توجه أكبر على الحدس والإبداع في مكان العمل بالإضافة إلى الأدبيات الناشئة المتعلقة بفرضية غايا [3] والجوانب الأنثوية للألوهيّة.
يقترح تارناس أننا في الواقع نمر بفترة هامة من البداية الجديدة، فبالإضافة إلى النقلة نحو قيم أكثر أنثوية فإننا نرى اهتماماً متجدداً بالقوى التي تفوق نزعة العلوم الاختزالية وخاصة الاهتمام بنموذج الأم العظيمة.
بدأت رايتشيل كارسون بإحداث تبدل جذري في كامل علاقتنا مع الطبيعة عززته الصور الملتقطة لكوكب الأرض من الفضاء الخارجي، كما توجد تغييرات تجري حالياً لا يمكننا إلا أن نحاول تخمين نتائجها مثل ارتباط ملايين الناس مع بعضهم البعض من خلال الإنترنت، وهو تقدم مدفوع بالتكنولوجيا لا مثيل له في التاريخ.
وكما هو الحال في أي ولادة، قد يكون الانتقال نحو المزيد من الانفتاح مؤلماً في البداية. ولكن علينا ألا نستسلم للشعور باليأس، وأن نتحلى بالشجاعة حتى لو كنا لا نعلم بالضرورة إلى أين تقودنا كل هذه التغيّرات. وكما هو الحال في يونس، الرمز التوراتي الأكبر للتحول، فنحن الآن في بطن الحوت من غير أن نعرف أين سينتهي بنا الأمر يقيناً، ولكن علينا أن نتحلى بالإيمان بأننا على الأقل نسير في الاتجاه الصحيح وسط هذه التطورات المنفتحة أمامنا والتي لا نستطيع السيطرة على الكثير منها.

طريق جديدة
إذا كانت هناك طريقة جامعة لوصف عملية التغير العالمية التي نمر بها اليوم، فقد تكون بأننا نشهد اليوم بروز أدبيات جديدة تجد جذورها في السعي إلى إيجاد تكامل بين النظرتين الأنطولوجيتين الشرقية والغربية. تتمركز طرق التفكير والممارسة الشرقية حول الحكمة وفن العيش من خلال التفكر والتأمل والقرب من الطبيعة أو بشكل عام حول مقاربة للوعي الإنساني تميل إلى التصوف وتهدف إلى الاتحاد مع المطلق.
أما في الغرب فقد ركزنا لقرون طويلة على فصل أنفسنا عن العالم، وراكمنا من المعارف لفهم مصادره واستغلالها بشكل أفضل (بما في ذلك ما يسمى: «المصادر البشرية» في عالم الأعمال التجارية) وقد تم ذلك من خلال استخدام طرق علمية عقلانية من التفكير أثبتت قدرتها الاستثنائية في إنجاز هذه الغاية.
لا تعني انتقاداتنا المذكورة أعلاه للتفكير الغربي الرفض التام له، فلو كان الأمر كذلك فإنه سيكون في غاية السخافة. لكننا نفضل المقاربة التي يدعو إليها كين ويلبر وهي استيعاب الطرق الحالية من التفكير والممارسة وتجاوزها. ما نسعى إلى تحقيقه هنا هو تحقيق توازن أفضل من خلال الوصول إلى تكامل بين التركيز الشرقي على التأمل الروحي المتحد مع التركيز الغربي على الفهم التحليلي والعمل الفعال. سيتغلب تكامل كهذا على العداء التاريخي الذي لا داعي له بين هاتين الطريقين المفترقين متناولاً الجوانب الأفضل من كلٍّ من التقليدين.
حتى نكون أكثر دقة فإن ما ندعو إليه هنا، هو الإقرار بأن عمليتي الجمع والتفرقة تؤلفان الجانب الديناميكي من كينونة الإنسان في هذا العالم، فحين نكون في حال من الجمع نتصل مع الوحدة الكامنة في العالم. ولكن طبيعة هذا الاندماج والجمع تعني أننا في الكثير من الأحيان لا ندرك الطبيعة الجوهرية لهذه الرابطة. وكذلك فحين نصبح مراقبين للعالم، فإننا نقف بعيداً عن العالم لفهم وإنتاج العمل الفعال. وهكذا يتطلب منا فهم القضايا الملحة في عالم اليوم التمكن من هذين الجانبين من هذه العملية الديناميكية. كأن علينا أن نوازن بين هذين الجانبين مع اعترافنا بالعجز أمام السر المطلق الكامن خلفهما.
———————————-
[1] مفكر وباحث من جمهورية التشيلي ـ مقيم في ولاية كولورادو ـ أميركا. هو مؤسس ورئيس شبكة نيوفيلد (The Newfield Network) من أعماله «من المعرفة إلى الحكمة: مقالات في أزمة التعليم الحديث» (From Knowledge to Wisdom: Essays on the Crisis in Contemporary Learning).
ـ نقلاً عن مجلة Oxford Leadership Journal كانون الأول 2009.
ـ العنوان الأصلي للنص: The Crisis of the Western Mind.
ـ تعريب: كريم عبد الرحمن ـ مترجم وباحث في التاريخ الأوروبي.
[2] إكتشاف كوبرنيكوس لحقيقة أن الأرض ليست مركز الكون.
[3] Gaia: نسبة إلى Gay: المثلي جنسياً.